يخبرنا الوضع الخطير في مضيق هرمز اليوم الاثنين 4 مايو (أيار) 2026 أن الأزمة بين واشنطن وطهران تتجاوز هذه الحدود الضيقة لحصرها بين الولايات المتحدة وإيران. إن ما يحدث هو صراع بين نظام يحاول البقاء باستخدام كل ما لديه من قوة غاشمة، وعالم لم يعد يقبل قواعده.
فبعد ساعات من إعلان ترامب نية واشنطن تنفيذ عملية “مشروع الحرية” في مضيق هرمز، تعرضت مدمرة أمريكية لإصابة بصاروخين أثناء محاولتها التحرك داخل منطقة التوتر، ما اضطرها للانسحاب من هذه المنطقة. وبالطبع، فإن رواية الإصابة التي لدينا حتى لحظة كتابة هذه السطور (14:30 بتوقيت موسكو) هي رواية تتداولها مصادر إيرانية، ولا يزال الجانب الأمريكي ينفيها.
ومع ذلك، ورغم غياب تأكيد أمريكي رسمي للحادث، إلا أن توقيت هذه الحادثة، أو لنكن أكثر دقة الرواية الإيرانية، والذي يأتي بالتوازي مع إعلان عملية عسكرية واسعة، يكشف أن الأزمة تجاوزت بالفعل مرحلة التهديد النظري، وتدخل مجددا في مرحلة استخدام القوة العسكرية المباشرة.
الرئيس الأمريكي قال إن عملية “مشروع الحرية” أهدافها إنسانية، بسبب أن العديد من السفن العالقة في المضيق تعاني من نقص الغذاء على متنها، وأن دولا عدة، حسب كلامه، طلبت من واشنطن التدخل لتحرير سفنها المحاصرة. لكنه، في سياق إعلانه عن عمليته الإنسانية، أضاف تحذيرا مباشرا بأنه إذا تم عرقلة هذا المسار بأي شكل، فسيكون من الضروري، للأسف، مواجهة هذا التدخل بالقوة.
من يريد أن يقنع هذا الرجل بهذا الهراء؟ هل هو مقتنع إلى هذه الدرجة أنه يستطيع خداع العالم بهذا الكلام؟ لقد ردت طهران عليه بأن أي تدخل أمريكي في تنظيم مرور السفن عبر المضيق سيعد انتهاكا لوقف إطلاق النار. وترجمة ذلك عمليا جاءت بإطلاق قوات الحرس الثوري صاروخين على المدمرة الأمريكية.
وكالة “رويترز” أخبرتنا أن عملية ترامب ستشمل نحو 15 ألف جندي، وأكثر من 100 طائرة برية وبحرية، إلى جانب سفن حربية ومنصات مسيرة. أما “وول ستريت جورنال” فأكدت أن الحكومات وشركات التأمين ومشغلي السفن سيشاركون في تنسيق المرور داخل المضيق.
فهل هذه عملية إنسانية؟ في هذا المكان وفي هذا التوقيت؟ وما الآلية التي سوف يستخدمها الأمريكيون وشركاؤهم لتنفيذ هذه العملية؟ وما الدول التي ستشملها المساعدة؟
لم يخبرنا أحد، ولا أحد يجيب بوضوح عن هذه الأسئلة في لحظة كتابة هذا الكلام.
إذن، ألا يحق لنا أن نتساءل، ونحن أمام المشهد القائم في مضيق هرمز منذ 65 يوما، أن فك الحصار المفروض منذ الرابع والعشرين من إبريل (نيسان) الماضي يتطلب موافقة طرفي النزاع، وإلا سيندلع النزاع بقوة أكبر؟ أم أن هذا هو الغرض الحقيقي لهذه العملية؟
تشير التقديرات التي اطلعت عليها لدى الإعداد لكتابة هذا المقال إلى وجود نحو 850 سفينة عالقة الآن في المضيق، وعلى متنها ما يقرب من 20 ألف بحار. فهل تنفيذ هذه العملية الغامضة، بناء على إعلان غامض من ترامب، لا يمكن أن يشكل تهديدا لحياة كل هؤلاء الناس؟
لا شك أن إيران قد تلجأ إلى ضرب السفن المشاركة في العملية من أجل إثبات صلابة موقفها. فالوضع القائم الآن هو مسألة حياة أو موت بالنسبة للنظام الإيراني، وبالنسبة للدولة الإيرانية، للجمهورية الإسلامية في عامها السابع والأربعين. المسألة وجودية، واستمرار الحصار قد يؤدي إلى انهيار الاقتصاد إذا طال أمده.
بالنسبة لي، وبقراءة موضوعية، فإن حجم القوة الأمريكية المخصصة للعملية الإنسانية، وهي أكثر من 15 ألف جندي وأكثر من 100 طائرة، كما سبق وأشرت أعلاه، يكشف أن المسألة تتجاوز الإغاثة الإنسانية، إنها إرهاصات الخطة الأمريكية المتوقعة لاستمرار الحرب من أجل محاولة فرض واقع جديد بالقوة.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ما يجري في الخليج عن تطور مواز لا يقل خطورة، في رأيي، ويتمثل في الدخول الصيني المباشر على خط الصراع، لكن على الخط الاقتصادي حتى الآن. ما أقصده هو أن وزارة التجارة الصينية أصدرت قرارا يقضي بعدم الاعتراف بالعقوبات الأمريكية وعدم تطبيقها، معتبرة أنها تنتهك القانون الدولي وتقيد العلاقات التجارية بشكل غير مشروع، وأن تجاهلها، أي العقوبات، من جانب الصين يأتي حماية “للسيادة الوطنية”.
خطورة هذا التطور، أو القرار، تكمن في أنه يأتي قبيل لقاء مرتقب بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ، تأجل أكثر من مرة بسبب حرب إيران والفشل الأمريكي فيها. وبالتالي، فإن هذا القرار، وبهذه الصيغة، هو اعتراف صيني، من وجهة نظري الشخصية طبعا، بالفشل الأمريكي في إيران في المرحلة التي انتهت إليها الأزمة.
وهذا القرار يشير، في رأيي الشخصي كذلك، إلى أن بكين تتحرك من موقع واع ومدرك للتطورات الدراماتيكية السريعة في الأزمة. فالصين هنا لا تقدم رد فعل على المجريات، وإنما تريد الدخول في أي تفاوض جديد مع الولايات المتحدة وهي تمتلك أوراق ضغط اقتصادية.
وعلينا أن نشير إلى أن البادئ بالتصعيد، وكالعادة، كانت واشنطن، فقد أدرجت الإدارة الأمريكية خمس مصاف صينية على قائمة العقوبات بسبب شرائها للنفط الإيراني، ومن بينها شركة “هنغلي للبتروكيماويات”، التي تعد أحد أكبر مصانع التكرير الخاصة في الصين بطاقة إنتاجية تصل إلى 20 مليون طن سنويا، وإيرادات تقارب 30 مليار دولار.
فرأت بكين على الفور أن هذه الخطوة تمثل تصعيدا نوعيا، وذلك لأنها استهدفت لاعبا كبيرا، بعد أن كانت العقوبات والإجراءات الأمريكية التقييدية السابقة تقتصر أو تركز على شركات صغيرة.
بالطبع، الشركة الصينية نفت تعاملها المباشر مع إيران، وأكدت أن جميع مورديها يثبتون أن النفط يأتي من مصادر غير خاضعة للعقوبات. لكننا نعرف أن الواقع في هذه المسألة تحديدا أكثر تعقيدا، فالصين، وكما هو ثابت بالأرقام، تستورد نحو 1.6 مليون برميل نفط يوميا من النفط الإيراني، أي أكثر من 90% من صادرات إيران النفطية.
وتبلغ قيمة هذا النفط الإيراني المستورد صينيا نحو 50 مليار دولار سنويا. لكن الأهم في هذه النقطة، وهذا مربط الفرس الذي أرمي إليه هنا، هو أن هذه الكميات الكبيرة من النفط الإيراني غالبا ما يتم إعادة تصنيفها على أنها نفط قادم من دول أخرى، وتدخل إلى الصين ليس كنفط إيراني.
وهذا بالطبع يعطي الصين هامشا واسعا من المناورة ضد منظومة العقوبات الأمريكية، وهو ما يفسر صلابة الموقف الصيني الحالي، فالأمر لا يتعلق بتجارة عادية.
إنها مسألة أمن طاقة يا سادة، ومن هنا لا يمكن لبكين أن تلتزم بالعقوبات بصمت، ولهذا انتقلت إلى مرحلة المواجهة القانونية الصارمة.
والأخطر في هذا الصدد أن الصين لم تكتف بالرفض، وإنما أنشأت هي نفسها إطارا قانونيا يعاقب الشركات التي تلتزم بالعقوبات الأمريكية. وبذلك تصبح الشركات الدولية بين نارين: إن التزمت بالعقوبات الأمريكية فسوف تخالف القانون الصيني، وإن تجاهلت عقوبات واشنطن فسوف تتعرض هي نفسها للعقوبات الأمريكية الثانوية.
المهم أن هذا لم يعد كلاما مجردا، فقد بدأ بالفعل تطبيق هذا الأمر فعليا داخل الصين عبر رفع قضايا قضائية ضد من يلتزم بالعقوبات الأمريكية.
رد الفعل الأمريكي على ما يحدث من بكين لا يزال حذرا، خاصة في ظل التحضير للقمة المرتقبة، لكنه بدأ عبر تحذيرات للبنوك الصينية وإجراءات قضائية ضد مؤسسات مالية. ومع ذلك، لم تصل واشنطن بعد إلى فرض عقوبات مباشرة على البنوك الصينية الكبرى، لأنها تدرك جيدا أن هذا سوف يفتح مواجهة مالية واسعة بين الجانبين.
إن هذا الكلام يقول لنا إن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على حصر الصراع مع إيران في نطاق إقليمي بحت.
لقد دفع به ترامب بقراراته المتهورة، ولا يزال، إلى مستوى عالمي، ذلك أن الأزمة الآن تمتد من مضيق هرمز إلى النظام المالي الدولي، ومن المواجهة العسكرية المباشرة مع الحرس الثوري إلى الصراع الاقتصادي مع أكبر الاقتصادات العالمية.
في هذا الإطار، أجدني مضطرا للعودة إلى تحذير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لترامب، خلال مكالمتهما الهاتفية الأخيرة التي جرت منذ عدة أيام، من التصعيد، خصوصا من الدخول البري أو الضربات الواسعة على البنية الإيرانية، وبخاصة بنية النفط والطاقة.
إن تحذير بوتين لترامب، حسب فهمي لما يدور في ذهنه، لم يكن قراءة استراتيجية للأحداث، وإنما هو موقف سياسي يمثل موقف روسيا من هذا الصراع.
يدرك بوتين، ويدرك الكرملين، وتدرك موسكو أن أي انفجار كبير لن يبقى في الخليج، بل سيمتد إلى الاقتصاد العالمي، وربما إلى توازنات أوسع. والسيناريوهات المطروحة الآن لتطورات هذا الصراع أصبحت أكثر تعقيدا، وهي تزداد تعقيدا يوما بعد يوم.
واستمرار العملية الأمريكية دون تنسيق مع إيران سوف يؤدي، بلا شك، إلى اشتباكات متكررة بين الطرفين.
والتصعيد الاقتصادي بين واشنطن وبكين قد يتحول إلى مواجهة أوسع إذا تم استهداف النظام المصرفي الصيني.
أما السيناريو الأخطر في كل هذه الفوضى، في رأيي، فيتمثل في تداخل المسارين العسكري والاقتصادي، فعند ذلك سوف يتحول أي حادث في الخليج إلى شرارة أزمة عالمية.
وما نشهده الآن هو أن الأزمة لا تدور فقط حول إيران أو حول مضيق هرمز، بل إن المشهد اتسع بشدة، ويتسع أكثر فأكثر. ترامب يحاول، عبر خداع الكونغرس والمؤسسات الأمريكية (الاستبلشمنت)، استغلال كل قدرات الولايات المتحدة الاقتصادية والعسكرية الهائلة لفرض واقع دولي بالقوة في منطقة الشرق الأوسط المنكوبة دائما وأبدا.
وإيران ترفض الاستسلام، ولا تزال تنجح في ذلك، بل باتت تسعى هي نفسها، منتشية بصمودها العسكري بمفردها في وجه القوة الأكبر والأكثر غطرسة في العالم، إلى تغيير هذا الواقع الإقليمي المستمر لعقود، وترى أنها صاحبة حق في ذلك.
أما الصين فقد أعلنت بوضوح رفض قواعد واشنطن، وروسيا تراقب وتحذر، فما باليد حيلة الآن فوق ذلك، ولتلمسوا لنا العذر بعد أربع سنوات ونيف من مواجهة استنزافية مع الغرب في أوكرانيا، ولا يعرف متى وكيف ستنتهي.
في هذه المرحلة، من الواضح أن أحدا لا يملك قرار الحرب العالمية منفردا، لكن الجميع يقترب منها.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير
نشر لأول مرة على: eurasiaar.org
تاريخ النشر: 2026-05-04 21:15:00
الكاتب: سعد خلف
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-05-04 21:15:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
