صدر الصورة، وكالة حماية البيئة
وصلت صفاء الهادي إلى منزلها في منطقة الصحافة وسط الخرطوم، ضمن رحلات العودة الطوعية التي تنظمها الحكومة السودانية لإعادة اللاجئين من مصر، إلى مناطقهم الأصلية التي فروا منها جراء الحرب.
أصاب الذعر صفاء وأطفالها الثلاثة، عند سماعهم دوي انفجارات شرقي الخرطوم، نتيجة هجوم نفذته طائرة مسيرة في محيط مطار الخرطوم الدولي. تقول صفاء: “عندما سمعنا صوت صواريخ المسيرات، انتابني الخوف وتذكرت بدايات الحرب في 2023”. وأضافت: “خلال فترة اللجوء أنفقنا كل مدخراتنا. وإذا حدث شيء لا قدر الله، فإن النزوح مجدداً، لن يكون خياراً بالنسبة لي. آمل فقط ألا تندلع حرب أخرى”.
وتعكس مخاوف صفاء، حالة قلق متنامية بين سكان الخرطوم، الذين بدأوا خلال الأشهر الماضية، استعادة جزء من حياتهم الطبيعية، بعد أن عاد الجيش في أواخر مارس/آذار من العام الماضي، ليسيطر مجددا على العاصمة بمدنها الثلاث، الخرطوم، وبحري، وأم درمان.
وهكذا عادت المخاوف الأمنية لتخيم مجدداً على سكان العاصمة السودانية، بعد سلسلة هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع داخل الولاية، بالتزامن مع تصاعد ملحوظ في الوجود العسكري، وانتشار قوات نظامية ومجموعات مسلحة متحالفة مع الجيش، في عدد من أحياء العاصمة.
وأفادت مصادر لـبي بي سي، بأن طائرة مسيّرة استهدفت ظهر الرابع من الشهر الجاري، مطار الخرطوم الدولي. وقال شهود عيان إن الطائرة أطلقت أربعة صواريخ تجاه مرافق بالمطار، ما تسبب في تعليق رحلات كانت مجدولة إلى مدينة بورتسودان.
واتهم الجيش السوداني كلاً من الإمارات وإثيوبيا، بالتورط في هذه الهجمات، قائلاً إن الطائرات تنطلق من مطار بحر دار داخل الأراضي الإثيوبية.
من جانبها، سارعت أديس أبابا إلى نفي تورطها في تلك الهجمات. وقالت الخارجية الاثيوبية إن هذا الاتهام لا أساس له من الصحة، مشددة على أن أثيوبيا ستبقى على الحياد في النزاع السوداني، وفقاً لبيان صادر من الوزارة.
وكان مطار الخرطوم قد استأنف نشاطه جزئياً في فبراير/شباط الماضي، مع وصول أول رحلة تجارية إليه، بعد توقف دام أكثر من ثلاث سنوات، بسبب الحرب والأضرار الواسعة التي لحقت بالمطار.
وفي واقعة منفصلة، أعلنت مجموعة “محامو الطوارئ” الحقوقية، مقتل خمسة مدنيين إثر استهداف طائرة مسيّرة لعربة مدنية في الريف الجنوبي لأم درمان، محملة قوات الدعم السريع المسؤولية، في مؤشر على اتساع نطاق استخدام سلاح المسيّرات، ووصوله إلى قلب العاصمة.
قوات عسكرية في الخرطوم
خلال الأشهر التي أعقبت استعادة الجيش السيطرة على الخرطوم، تراجعت المظاهر العسكرية تدريجياً من داخل الأحياء والأسواق، وعادت الحركة التجارية والخدمية بشكل محدود، ما عزز شعوراً نسبياً بالاستقرار.
لكن الأيام الأخيرة شهدت عودة واضحة للتحركات العسكرية، خصوصاً في أم درمان وأجزاء من الخرطوم وبحري.
وتداول ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي صوراً وانتقادات بشأن انتشار مكثف لعناصر من “القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح” المتحالفة مع الجيش داخل العاصمة، بالإضافة إلى ظهور عناصر تتبع للواء المنشق عن قوات الدعم السريع والمنضم إلى الجيش السوداني مؤخرا، النور قبة.
والثلاثاء، أعلن السودان استدعاء سفيره لدى إثيوبيا للتشاور، مؤكداً امتلاكه أدلة على انطلاق المسيّرات التي استهدفت مطار الخرطوم من مطار بحر دار واحتفاظه بحق الرد. في المقابل، نفت إثيوبيا الاتهامات ووصفتها بأنها بلا أساس، وقالت إنها تتأثر بالصراع في السودان، متهمة الجيش السوداني بدعم الجبهة الشعبية لتحرير تغراي.
جاءت الاتهامات السودانية لإثيوبيا بعد هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مطار الخرطوم وقاعدة وادي سيدنا، حيث أعلن الجيش امتلاكه “أدلة دامغة” على انطلاقها من مطار بحر دار، مشيراً إلى تحليل طائرة من طراز “S88” يُزعم أنها استُخدمت من داخل إثيوبيا وبإسناد إماراتي، وهو ما تنفيه الإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا، وسط تصاعد عسكري جديد في الخرطوم بعد فترة هدوء نسبي.
صدر الصورة، رويترز
السلطات تنفي المخاوف
سارعت وزارة الداخلية السودانية إلى نفي ما وصفته بـ”الشائعات” المتعلقة بوجود ما بدا بنظر البعض “تحشيد عسكري مقلق” داخل الخرطوم.
وقالت الوزارة في بيان إن الأوضاع الأمنية في الولاية مستقرة، وإن الخرطوم “خالية من أي تشكيلات عسكرية غير منضبطة”، مضيفة أن التحركات الجارية حاليا، تأتي في إطار ترتيبات أمنية رسمية وتحت إشراف الجهات المختصة، بحسب تعبيرها.
من جهتها، اعتبرت “القوة المشتركة”، المتحالفة مع الجيش، أن المخاوف المثارة في هذا الصدد، جزء من “حرب نفسية”.
وقال المتحدث باسم القوة متوكل علي، في بيان صدر أواخر أبريل/نيسان الماضي، إن بعض الجهات – التي لم يسمها – تسعى إلى “تضليل الرأي العام” بشأن التحركات الأخيرة للقوة، مؤكداً أن انتشارها يتم ضمن ما قال إنه خطط تهدف إلى بسط الأمن والاستقرار.
“اشتباك السوق”
رغم تطمينات السلطات، لم تبق المخاوف داخل حيز الفضاء الإلكتروني، خاصة بعدما أفادت مصادر لـ “بي بي سي” بوقوع اشتباك مسلح مطلع الأسبوع الجاري بين عناصر من الجيش السوداني و”القوة المشتركة”، في سوق مكتظة في أم درمان، إثر مشاجرة تطورت سريعاً إلى تبادل لإطلاق النار.
وقالت الشرطة السودانية حينذاك إن أحد عناصر القوات الأمنية قُتل أثناء تعرض دورية مشتركة داخل السوق لهجوم، فيما أصيب عنصران آخران، ما دفع السلطات إلى التدخل وإغلاق السوق.
وذَكَرَّت هذه الواقعة السكان بهشاشة الوضع الأمني، حتى في المناطق التي باتت تُصنف نسبياً على أنها أكثر أمناً.
صدر الصورة، رويترز
“وجود فني” و”أعراض جانبية”
في مقابلة مع بي بي سي، قال الخبير الأمني أمين مجذوب إن الوجود العسكري الحالي في الخرطوم “أمر فني بحت” تفرضه طبيعة الحرب المستمرة. وأضاف: “لا يمكن أن تكون الخرطوم خالية من الوجود العسكري في ظل حرب جارية، لأنها ستصبح مكشوفة عسكرياً”.
لكنه أقر في الوقت نفسه، بأن وجود قوات متعددة الخلفيات داخل مناطق مدنية، يزيد من احتمال حدوث “الاحتكاكات والتفلتات الأمنية”، واصفاً ذلك بأنه “أحد الأعراض الجانبية” للحروب داخل المدن.
ومع تجديد رئيس مجلس السيادة في السودان وقائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان رفضه أي تفاوض مع قوات الدعم السريع، والتأكيد على استمرار العمليات العسكرية، تبدو الخرطوم أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين، حيث يخشى كثير من السكان، من أن تتحول العودة التدريجية للحياة المدنية، إلى هدنة مؤقتة، أكثر من كونها نهاية فعلية للحرب.
ووسط كل هذه التطورات، لا تزال صفاء الهادي، مثلها مثل آلاف العائدين الآخرين إلى الخرطوم، تأمل في أن تكون رحلة عودتها إلى المدينة هذه المرة، الأخيرة من نوعها، وألا تضطر مجدداً إلى حمل ما تبقى من حياتها والفرار بحثاً عن ملاذ أكثر أمناً، إذا ما تردت الأوضاع الأمنية بشكل كبير من جديد.
وشهد إقليم تيغراي بين تشرين الثاني/نوفمبر 2020 وتشرين الثاني/نوفمبر 2022 حرباً بين الجبهة والقوات الفدرالية التي دعمتها ميليشيات محلية والجيش الإريتري، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 600 ألف شخص، وفقاً لتقديرات الاتحاد الإفريقي.
وأتت هجمات الاثنين في الخرطوم بعد أيام من ضربات بالمسيرات نُسبت للدعم السريع في جنوب العاصمة أودت إحداها بحياة خمسة أشخاص.
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.bbc.com
بتاريخ: 2026-05-06 00:21:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
