الطاولة المصغرة.. آلية لحل أزمات ليبيا أم خطوة نحو تقاسم “عائلي” للسلطة؟
رغم كثرة المبادرات والتحركات المحلية والدولية والأممية في الملف الليبي، إلا أن الجمود السياسي لا يزال هو المسيطر على المشهد، خاصة مع تجدد الانسداد السياسي وحالة الصدام المتكرر بين مؤسسات الدولة الليبية، والتي وصلت إلى السلطة التنفيذية الموحدة المكونة من المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية.
حالة الجمود السياسي المتكررة دفعت البعثة الأممية إلى طرح خارطة طريق بتوقيتات زمنية لمحاولة الوصول إلى عملية انتخابية مقبولة في ليبيا، بدأتها بجلسات تحت مسمى “الحوار المهيكل”، والذي شمل عدة ملفات: اقتصادية وأمنية وسياسية وملف المصالحة الوطنية.
لكن التعثر كان شعار المرحلة، خاصة مع تراخي مجلسي النواب والدولة في ليبيا (وهما جهتان منوط بهما إقرار القوانين الانتخابية واختيار المناصب السيادية وغيرها من الملفات وفقًا للاتفاق السياسي الليبي) في تنفيذ المرحلتين الأوليتين من خارطة الطريق الأممية، إلا أن البعثة استمرت في جلسات الحوار المهيكل وأنجزت الكثير من المحاور، لكنها لم تُطرح للنقاش أو الإقرار من المجلسين.
ووفقًا للجدول الزمني المعلن بخصوص الحوار المهيكل وتوقيتاته وجلساته، أعلنت البعثة الأممية أن يونيو القادم هو نهاية الجلسات، ليتم بعد ذلك إعلان مخرجات هذه الشهور من الجلسات والنقاش والمحاور، دون ذكر أي دور لمجلسي النواب والدولة.
وخلال إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن، حملت المبعوثة الأممية لدى ليبيا، هانا تيتيه، مسؤولية التعثر في بعض خطوات خارطة الطريق لمجلسي النواب والدولة، مهددة بتشكيل نهج آخر للدفع نحو إنجاز الخارطة الأممية، بما معناه تجاوز المجلسين والبحث عن بديل “يشرعن” مخرجات الحوار والقوانين الانتخابية ويكون سهل المراس والتعامل والتعاون.
والملاحظ مؤخرًا، دون الخوض في تفاصيل أكثر، هو صدام تحركات البعثة الأممية مع أغلب المؤسسات الليبية، سواء مجلسي النواب والدولة أو المجلس الرئاسي أو الحكومتين أو الأحزاب، أو حتى الشارع الليبي الذي خرجت منه مظاهرات أمام مقر البعثة الأممية تطالبها بالرحيل من ليبيا لفشلها في تنفيذ حلول حقيقية للأزمة الليبية.
“طاولة مصغرة.. قفزة للأمام”
وفي محاولة للخروج من تحكم مجلسي النواب والدولة ونقل ملف الحل إلى الفاعلين الحقيقيين على الأرض في ليبيا، شكلت البعثة الأممية جهة جديدة تحت مسمى “الطاولة المصغرة”، والمعروفة حاليًا بلجنة 4+4، وتضم 4 أعضاء يمثلون حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، و4 أعضاء يمثلون القيادة العامة برئاسة المشير خليفة حفتر.
وبحسب الهدف المعلن من هذه الطاولة، فإنها ستكون بمثابة لجنة لمناقشة الخطوتين الأوليين من خارطة الطريق الأممية، والتي تشمل إنجاز ملف القوانين الانتخابية، وإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومعالجة حالة الانسداد السياسي الراهنة.
لكن هذه الخطوة الأممية لاقت ردود فعل غاضبة ورافضة من عدة مؤسسات وأحزاب ونشطاء ومنظمات مجتمع مدني، معتبرين الخطوة تكريسًا لتقاسم السلطة بين عائلتي “الدبيبة وحفتر”، وليست خطوة لحل الأزمة الليبية برمتها، مطالبين البعثة بالعدول عن هذه الخطوة وعدم تجاوز المؤسسات التشريعية، خاصة مجلسي النواب والدولة.
المجلس الأعلى للدولة (جهة استشارية) هو المؤسسة الرسمية الوحيدة التي رفضت فكرة “الطاولة المصغرة” أو حصر الحل الليبي في “الدبيبة وحفتر”، محذرًا من حالة العوار القانوني التي ستصيب مخرجات هذه الطاولة، كونها لم تُشكل من قبل المجلسين، وأن عضوي مجلس الدولة المتواجدين في هذه الطاولة لا يمثلان إلا أنفسهما، وسط حالة صمت مجلس النواب بالتأييد أو الرفض للطاولة.
“اجتماع ومخرجات وترقب”
وبرغم حالة الرفض والهجوم المحلي ضد فكرة “طاولة الدبيبة وحفتر”، إلا أن البعثة الأممية قفزت بقوة إلى الأمام وعقدت أول اجتماع رسمي لكامل أعضاء الطاولة، والذي عُقد في العاصمة الإيطالية روما بحضور المبعوثة الأممية، ما يؤكد سعي البعثة لترسيخ استراتيجية “الأمر الواقع وفرض الحلول” في ليبيا كبديل عن التعطيل والمماطلة.
وأعلنت البعثة الأممية مخرجات الاجتماع الرسمي الأول للطاولة المصغرة، وأهم ما فيه:
• ضرورة إنهاء حالة الانسداد السياسي التي حالت دون تقدم المسار الانتخابي.
• الاتفاق على إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ولمعالجة الخلاف القائم بشأن رئيس مجلس المفوضية، أوصى الاجتماع بأن يقوم النائب العام بترشيح أحد رجال القضاء المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة والحياد، على أن يتم تعيينه وفق القواعد السارية.
• مناقشة القضايا المتعلقة بالإطار الانتخابي، ومواصلة المشاورات للتوصل إلى قوانين انتخابية توافقية وقابلة للتطبيق.
لكن بيان البعثة الأممية الخاص بمخرجات أول اجتماع أكد في نهايته أن المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، أعلنت خلال إحاطتها لمجلس الأمن في فبراير الماضي عن مقاربة من خطوتين لتجاوز عجز مجلسي النواب والدولة عن التوصل إلى اتفاق بشأن استكمال مجلس المفوضية الوطنية للانتخابات وتعديل القوانين الانتخابية، وأن الاجتماع المصغر هو الخطوة الأولى في هذه المقاربة، ما يعني أنه بديل للمجلسين ولا قيمة لرأي هذين المجلسين في المخرجات ولا القوانين الانتخابية.
وهذه المخرجات المبدئية تحمل بعض الدلالات، أهمها:
• المخرجات إيجابية بالنظر لما تم مناقشته، ولو تم التنفيذ ربما تدفع نحو تصحيح مسار عمليات التفاوض الجارية في المشهد الليبي.
• اعتماد أعضاء مفوضية الانتخابات طبقًا لتوافق مجلسي النواب والدولة يُعد مغازلة من أعضاء الطاولة المصغرة للمجلسين لكسب موقفهما وتأييد مخرجات اجتماع الطاولة.
• إشراك القضاء في مراحل العملية الانتخابية نقلة جيدة ومهمة لو طُبقت بشكلها الصحيح، لكن الأزمة هنا أن المؤسسة القضائية نفسها أصبحت منقسمة بين شرق وغرب، ويحتاج الأمر إلى توحيد هذه السلطة قبل إشرافها على أية انتخابات.
• حالة الصمت التي لازمت مجلسي النواب والدولة حول مخرجات الطاولة المصغرة تُفسَّر على أمرين: إما تجاوزًا ورفضًا لأي تحركات أو مخرجات لهذه الطاولة المرفوضة رسميًا من مجلس الدولة، أو أن المجلسين تفاجآ بهذه المخرجات وسينتظران مزيدًا منها للحكم على فكرة “الطاولة المصغرة”.
وعليه، فإن كثرة التحركات والمبادرات والمقترحات في ليبيا، وبعضها يناقض بعضه أو يصطدم به، ليست هي التي ستفك حالة الجمود السياسي وتنهي الأزمة، فالأهم هو تنفيذ هذه المخرجات والمضي قدمًا في خطوات حقيقية نحو عملية انتخابية جديدة، وإلا ستظل مبادرات ومخرجات بالعشرات والنتيجة صفر.
أما الطاولة المصغرة، فلا يزال من المبكر الحكم عليها وعلى مدى جديتها وقدرتها على إحداث نقلة وتغيير وتحريك للراكد في أزمة ليبيا المعقدة، لكن العيب الذي سيظل ملازمًا لها أنها اختصرت المشكل الليبي في حكومة الدبيبة وقوات حفتر، ما يعني تجاوز كل المؤسسات والأحزاب والمقترحات المحلية، لتضع أداة الحل في يد حفتر والدبيبة، والتي ستكون حلولُهما بالتأكيد تخدم مصالحهما ومشروعاتهما الشخصية بل والمناطقية. ولو حدث هذا، ستتحول الطاولة المصغرة إلى “حل مبتور” يرسخ سياسة الترضية وفرض الأمر الواقع، لتخرج ليبيا من حكم عائلة القذافي لتجد نفسها تحت حكم عائلتي “حفتر والدبيبة”، وهو ما لا يليق بدولة قامت بثورة ضد الحكم الشمولي.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير
نشر لأول مرة على: eurasiaar.org
تاريخ النشر: 2026-05-06 00:56:00
الكاتب: علاء فاروق
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-05-06 00:56:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
