صدر الصورة، صور جيتي
تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في دول الخليج مستمرة. آخرُها قرارُ مجلس النوّاب البحريني إسقاطَ العضوية البرلمانية عن ثلاثة نوّاب عقب تصويت بالإجماع خلال جلسة استثنائية.
النوّاب هم: عبد النبي سلمان، ممدوح الصالح، ومهدي الشويخ، وذلك على خلفية مواقفهم وتصويتهم خلال جلسة سابقة ناقشت مواد تشريعية تتعلّق بصلاحيات السلطة القضائية، إذ تركّزت مداخلاتُهم حينها حول الإجراءات المتّخذة ضدّ متّهمين بالإشادة بالهجمات الإيرانية، بما في ذلك قرارات إسقاط الجنسية. بعض مداخلات النوّاب الثلاثة لم تعترض على مبدأ سحب الجنسية بحدّ ذاته، بل على آلية تطبيقه، معتبرةً أنّ الإجراء تمّ خارج ما وصفوه بالأطر القانونية المعتمدة. في المقابل، ركّزت مداخلات أخرى على ما اعتبرته “إجحافاً” بحقّ أشخاص سُحبت منهم الجنسية بالتبعية.
عبد النبي سلمان كان يشغل منصب النائب الأول لرئيس مجلس النوّاب، وسبق أن ارتبط اسمه بتيار “المنبر التقدمي” اليساري القومي في البحرين وغالباً ما يُصنّف ضمن الأصوات البرلمانية الأكثر انتقاداً لبعض السياسات الحكومية.
أمّا ممدوح الصالح فيُعرف بخلفية اجتماعية وخدماتية داخل البرلمان، وكان رئيس لجنة الخدمات النيابية، ويُنظر إليه كأحد النوّاب القريبين من قواعد شعبية شيعية في بعض الدوائر الانتخابية.
لكّن مهدي الشويخ لا يُصنّف من الناحية السياسية كأحد رموز المعارضة التقليدية أو كعضو في جمعية سياسية معارضة، بل كان يُنظر إليه كنائب يعمل ضمن الإطار البرلماني الرسمي.
صدر الصورة، موقع مجلس النواب البحريني
قرار سحب العضوية صدر خلال الجلسة الاستثنائية الأولى في دور الانعقاد السنوي الرابع، من الفصل التشريعي السادس التي ترأسها رئيس مجلس النوّاب البحريني أحمد بن سلمان المسلم.
طلبُ إسقاط العضوية استند إلى المادة التاسعة والتسعين من الدستور البحريني، التي تجيز إسقاط عضوية النائب إذا فقد “الثقة والاعتبار” أو أخلّ بواجبات العضوية. ورأى مقدّمو الطلب أنّ تصريحات النوّاب الثلاثة شكّلت إخلالًا بواجب التمثيل النيابي، خصوصاً في ما يتعلّق بما اعتبره الموقعون على الطلب “تمجيداً للهجمات الإيرانية”.
النائب السابق في البرلمان البحريني محمد خليفة بوحمود يقول إنّ قرار مجلس النوّاب بإسقاط عضوية النوّاب الثلاثة يستند إلى مجموعة من الأُسس الدستورية التي اعتبر المجلس أنّها تنطبق على الحالة محلّ الجدل خصوصاً في ظلّ ما وُصف بأنّه “إخلال بواجبات العضوية وصدور مواقف اعتُبرت متعارضة مع مقتضيات القسم النيابي والواجب الوطني في ظرف سياسي وأمني حسّاس”، وفق ما قال بوحمود.
وأوضح في مقابلة مع بي بي سي: “من الناحية القانونية استند المجلس بصورة رئيسية إلى المادة 99 من الدستور البحريني، وفق الضوابط والإجراءات المحدّدة في اللائحة الداخلية للمجلس، وأن مقدّمي الطلب استندوا إلى المادتين “78 و 89 ب” من الدستور إضافة إلى المادة “191 و” من اللائحة الداخلية لمجلس النوّاب التي تنظّم الجزاءات التأديبية المرتبطة بسلوك النائب داخل المجلس وخارجه، عندما يُنظر إليه باعتباره مساساً بمكانة المؤسّسة التشريعية أو بالمصلحة الوطنية العليا”.
واعتبر بوحمود أن القرار النيابي ليس بسبب مجرّد اختلاف في الرأي السياسي داخل قاعة البرلمان وإنّما اعتبار الأغلبية النيابية تصريحات النوّاب الثلاثة تجاوزاً لحدود النقد السياسي وتشكيكاً واعتراضاً على إجراءات اتّخذتها الدولة تجاه متّهمين بالإشادة بالهجمات الإيرانية على البحرين، بما في ذلك ملفات إسقاط الجنسية بحقّ بعض المتورّطين، ولهذا يرى بوحمود أنّ الأغلبية اعتبرت أنّ المواقف الصادرة لا تندرج في إطار الرأي البرلماني المحمي دستورياً بل تتعلّق بقضايا تمسّ الأمن الوطني والسيادة.
صدر الصورة، الأناضول عبر غيتي إيماجز
وبالتالي يعتبر النائب البحريني السابق أنّ المجلس النيابي أراد توجيه رسالة واضحة مفادها أنّ المؤسسة التشريعية تعتبر القضايا المرتبطة بأمن الدولة وسيادتها خطّاً أحمر وأنّ العضوية البرلمانية ليست حصانة مفتوحة لأيّ خطاب سياسي مهما كانت طبيعته.
قرار سحب العضوية صدر على الرغم من أنّ النوّاب الثلاثة كانوا قد أصدروا في الأول من الشهر الجاري بيان اعتذار رسمياً للملك وللشعب البحريني عن مداخلاتهم السابقة، مؤكّدين رفضهم لما وصفوه بأيّ عدوان خارجي ومعلنين تأييدهم لجميع الإجراءات التي اتّخذتها البحرين ضدّ من قالوا إنّه خان الوطن وتعاون مع العدوان أو تعاطف معه.
المسؤول في معهد البحرين للحقوق والديمقراطية سيد أحمد الوداعي رأى أنّه لا ينبغي لأي عضو برلماني أن يواجه خطر الترحيل أو إسقاط الجنسية لمجرّد ممارسته “حقه الطبيعي” في التصويت على قرار لا يتوافق مع رغبات الملك أو السلطة الحاكمة. واعتبر الوداعي في مداخلة مع بي بي سي أنّ ما جرى يكشف بوضوح “هشاشة ما يسمّى بالحياة البرلمانية في البحرين، حيث يتحوّل البرلمان من مؤسسة يُفترض أن تمثّل إرادة الشعب، وتمارس الرقابة على السلطة، إلى مساحة يُعاقب فيها كل من يظهر أيّ قدر من الاستقلالية أو الاعتراض”، على حدّ قوله.
وأضاف الوداعي: “أن إجبار النوّاب على تقديم اعتذار علني للملك ثم طردهم من البرلمان يوضح أن الطاعة المطلقة هي الشرط الوحيد للبقاء، أمّا الاختلاف مع الحكومة أو محاولة الاعتراض حتى ضمن الأُطر القانونية والبرلمانية ستؤدي إلى الانتحار السياسي، أو التهديد بإسقاط الجنسية والترحيل، حيث تُستخدم الجنسية كأداة للعقاب السياسي وتستغل مؤسسات الدولة لترسيخ الولاء الشخصي للحاكم، بدلاً من حماية الحقوق واحترام التعدّدية السياسية”.
صدر الصورة، صور جيتي
توجّهنا إلى منظمّة هيومن رايتس ووتش للوقوف على هذا التطوّر البارز في مسار الحياة التشريعية في البحرين. نيكو جعفرنيا وهي باحثة في قسم الشرق الأوسط وأفريقيا في المنظّمة رأت أنّ “المشكلة” في استخدام مفاهيم مثل “فقدان الثقة” و”الأمن القومي” التي استند إليها مقدّمو طلب سحب العضوية من النوّاب الثلاثة، هي أنّه لا توجد معايير واضحة تحدّد بدقة ما الذي تعنيه هذه المصطلحات. وأضافت في مقابلة مع بي بي سي: ” نحن نتحدّث عن عبارات فضفاضة جداً، ومن دون توضيح فعّال لمعانيها، ومن دون وجود إجراءات واضحة للعزل، الأمر يبدو هنا وكأنّه قرار اعتباطي للغاية”.
وأعربت جعفرنيا عن قلق المنظّمة من أن يشكّل هذا التطوّر مؤشّراً إلى مرحلة قد تشهد مزيداً من تقييد وانتهاك حرية التعبير والحرية السياسية، خصوصاً في حال استخدام ما وصفته بـ”المصطلحات المبهمة” غير المعرّفة في القانون البحريني أو حتى في القانون الدولي، بحسب تعبيرها، لتبرير عزل أعضاء في البرلمان بسبب مواقف اعتبرت جعفرنيا أنها تدخل ضمن مهامهم كنوّاب.
وتساءلت جعفرنيا عن جدوى وجود برلمان إذا كان أعضاؤه لا يستطيعون التصويت إلّا وفق ما يتوقّعه الملك، مضيفةً: “عندها قد يصبح حلّ البرلمان بالكامل أمراً مطروحاً أيضاً”.
حرية التعبير داخل البرلمان
طرحنا على النائب السابق في البرلمان البحريني محمد خليفة بو حمود سؤالا يتعلّق بمستقبل حرية التعبير داخل البرلمان، فقال: إنّه “لا يمكن اعتبار الحرية حرية مطلقة”، خاصة عندما تتقاطع مع قضايا تمسّ الأمن الوطني والتماسك الوطني”، معتبراً أنّ الرسالة التي سعى المجلس النيابي إلى إيصالها من خلال قرار سحب العضوية من النوّاب الثلاثة تتمثّل في التأكيد على أولوية الاصطفاف الوطني في أوقات الأزمات وأنّ الدولة تعتبر الملفات المرتبطة بالتهديدات الخارجية ملفات سيادية.
واعتبر بوحمود أنّ توقيع 37 نائباً بحرينياً على الطلب والتصويت بالإجماع يعكس رغبة جماعية في إظهار وجود موقف نيابي موحّد تجاه هذه القضية.
في هذا الإطار، وصفت نيكو جعفرنيا الباحثة في قسم الشرق الأوسط وأفريقيا في منظّمة هيومن رايتس ووتش ما جرى من سحب العضوية البرلمانية من النوّاب الثلاثة بـ “الأمر المخيف” معتبرة أنّه قد يشكّل تقييداً هائلاً لحرية التعبير وللحرية السياسية، ذلك أنّ كل ما قاموا به هو الاعتراض على سحب الجنسية من مواطنين بحرينيين عبر إجراءات غير قضائية، على حدّ تعبيرها.
ولكن هل يمكن أن يكون قرار سحب العضوية من النوّاب الثلاثة مقدّمة لسحب الجنسية منهم لاحقاً؟
النائب البحريني السابق محمد خليفة بو حمود أشار إلى أنّه من الناحية القانونية البحتة لا يوجد تلازم دستوري أو قانوني مباشر بين الإجراءين، موضحاً أنّ إسقاط العضوية يُعتبر إجراءً برلمانياً تنظيمياً وتأديبياً يتعلّق بصفة النائب داخل السلطة التشريعية، بينما يخضع قرار سحب الجنسية لقوانين الجنسية والإجراءات السيادية المرتبطة بها ويصدر بآليات قانونية مختلفة تماماً.
تأتي هذه التطوّرات في ظلّ مناخ إقليمي متوتّر، ترافقه إجراءات أمنية وسياسية مشدّدة في عدد من دول الخليج. ففي البحرين والكويت على سبيل المثال، سُحبت الجنسية من عشرات الأشخاص، كما طالت التوقيفات آخرين على خلفية تُهم مرتبطة بالأمن أو بالمواقف السياسية والإعلامية. وتندرج هذه الإجراءات ضمن سياق يتّسم بتزايد حساسية دول الخليج تجاه أي خطاب تعتبره سلطاتها متساهلاً مع إيران أو تراه غير منسجم مع اعتبارات الأمن الداخلي.
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.bbc.com
بتاريخ: 2026-05-08 22:41:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
