توجه الأمين العام لاتحاد علماء المقاومة الشيخ ماهر حمود في خطبة الجمعة الى اخصام المقاومة قائلا لهم “ان الولي السفيه الذي يدير شؤونكم تخلى عنكم وأسلمكم الى مصيركم الاسود، سواء في خريف 1983 في الجبل، او في ربيع 1985 حيث انسحب من شرقي صيدا ثم تخلى عن عملائه عند الانسحاب عام 2000 …”
واضاف “وليكم الفقيه” عدو لكم، الولي الفقيه للمقاومة مخلص لها حتى النهاية. وقال ان فكرة ولاية الفقيه علاقة محترمة متكاملة، ولا تنقص من لبنانية المقاومة بل تؤكدها.
وجاء في الخطبة:
- حين يصبح إيصال الصوت عبادة بلا نتيجة:
أبدأ من حقيقةٍ كثيراً ما يتعب منها الدعاة: ليست العبرة بأن يستجيب لك الناس، بل بأن تُسمعهم الحقّ. هذه قاعدة قرآنية صريحة، يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (الأنفال: 23)، ويقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (القصص: 51)، فالقولُ موصولٌ، والحجّةُ قائمة، والمسؤولية على الداعية أن يبلّغ، لا أن يحصد.
ونحن اليوم في زمنٍ صعب، أكثرية الناس يسلكون طريق الضلال وهم يظنون انهم على الحق، وقادةٌ وملوكٌ وأصحاب قرار يسيرون في رحلة التطبيع والاستسلام والذلّ تحت لافتة ما يُسمّى بـ”الدين الإبراهيمي”، ومع ذلك، لا يجوز لنا أن نسكت، سواء وصلنا الى نتيجة ام لا، وأستذكر هنا حديث غزوة تبوك (9هـ / 630م) عندما قال رسول الله ﷺ عن المتخلفين: ان يكن به خير يلحقه الله بنا، عندنا ملء الثقة اننا على طريق الحق، فاهلا وسهلا بمن ينضم الينا، ومن تخلف فأمره الى الله. - من نداء إبراهيم إلى صوت اليوم: الصوت الصادق يخترق الأجيال:
تأمّلوا قصّة سيدنا إبراهيم عليه السلام حين أمره الله بالأذان للحجّ في وادٍ غير ذي زرع: ﴿وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍۢ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍۢ﴾ (الحج: 27)، قال: يا ربّ، ومن يسمعني؟ قال: عليك الأذان وعلينا البلاغ. ورد في التفاسير عن عن ابن عباس أن الجبال تطاولت والرياح حملت الصوت فاخترق الأجيال في ظهور الرجال إلى يوم القيامة، فإذا كان صوت إبراهيم وصل إلينا بعد آلاف السنين، فلا تيأسوا حين لا يستجيب الناس اليوم، واذكروا قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكَ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ﴾ (القصص: 50). - علماء السلاطين… وعلماء الحقّ: خطّان لا يلتقيان:
التاريخ لم يذكر، ولم يمجد إلا علماء أبَوْا أن يكونوا غطاءً للحاكم الظالم:
الإمام أبو حنيفة النعمان (80–150هـ / 699–767م): رفض القضاء لأبي جعفر المنصور، فسُجن وضُرب حتى مات في سجنه.
الإمام مالك بن أنس (93–179هـ / 711–795م): جُلد على يد والي المدينة في عهد المنصور لأنه أفتى بأن طلاق المُكرَه لا يقع، فأسقط بذلك بيعة المنصور.
الإمام الشافعي (150–204هـ / 767–820م): سيق مكبّلاً من اليمن إلى هارون الرشيد بتهمة التشيّع لآل البيت.
الإمام أحمد بن حنبل (164–241هـ / 780–855م): صمد في محنة “خلق القرآن” في عهد المأمون والمعتصم والواثق، وضُرب بالسياط حتى أُغمي عليه، ولم يتراجع.
هؤلاء رفضوا ان يكونوا أتباعاً للسلطان ، ولكن العالم الحقيقي هو الذي يوجه السلطان ولا يشكل غطاء لانحرافه… هنا افلح العز بن عبد السلام بتشكيل ولاية فقيه للسلطان محمود قطز ادت الى نصر عين جالوت.
العزّ بن عبد السلام، سلطان العلماء (577–660هـ / 1181–1262م): حيث وقفَ في وجه السلطان الصالح إسماعيل وأفتى بحرمة بيع السلاح للصليبيين، ثم باع الأمراء المماليك أنفسهم في سوق النخاسة لتصحيح وضعهم الشرعي.
في المقابل، عالم السلطان حاضر في كل عصر، أتذكّر حين ذهب الرئيس أنور السادات إلى الكنيست (تشرين الثاني 1977م) وعاد ليوقّع كامب ديفيد (1978م، ثم معاهدة السلام في 26 آذار/مارس 1979م)، فكان الشيخ محمد عبد الرحمن البيصار (شيخ الأزهر آنذاك) يُغطّي ذلك بفتاواه. ثم لمّا غزا الأمريكيّ العراقَ (احتلال الكويت 2 آب 1990م، ثم حرب الخليج 1991م، ثم احتلال العراق 2003م)، اجتمع 400 عالم في جدّة وأفتَوا بجواز الاستعانة بالكافر كما صدرت فتوى الاستعانة بالقوات الأمريكية في حرب الخليج 1990–1991م صدرت عن هيئة كبار العلماء في السعودية برئاسة الشيخ ابن باز، وليس فقط بصيغة “400 عالم في جدة”؛ وقد وقف في وجه هذه الفتوى علماءُ المقاومة في كل العالم الإسلامي).
والقاعدة: العلماء الذين يقفون في وجه الباطل إمّا في السجون أو مُهمَّشون. - محمد الفاتح وعالمه: نموذج التكامل بين السيف والعِلم:
ومن أعظم نماذج التاريخ، فتح محمد الفاتح للقسطنطينية في 29 أيار/مايو 1453م (857هـ)، وكان معه عالمه ومربّيه آق شمس الدين (792–863هـ / 1389–1459م)، الذي يتغنّى به علماء الترك حتى اليوم، لم يكن مجرّد واعظ، بل كان قائداً روحياً يدخل المعركة مع الجيش، هذا هو العالِم الذي ينفع الأمة، يصدع بالحق، ويُجدِّد، ويصنع المجد.
وفي أمّتنا الحديثة وقفَ عزّ الدين القسّام (1882–1935م)، الشيخ السوري الذي هاجر من جبلة إلى حيفا، ودرّب شباب فلسطين على المقاومة، حتى استُشهد في معركة يعبد قرب جنين في 20 تشرين الثاني 1935م، هؤلاء هم العلماء الذين جدّدوا حياة الأمة. - سؤال الفقيه الحاكم: عمر بن عبد العزيز وخوف الصالحين:
والقاعدة عندنا: من أراد أن يكون عالماً عاملاً فليخشَ المسؤولية. عمر بن عبد العزيز (61–101هـ / 682–720م)، خامس الراشدين، الذي أصلح حال الأمة في سنتين ونصف فقط من ولايته (99–101هـ / 717–720م)، كان معه شيخه رجاء بن حيوة الكنديّ (المتوفى 112هـ / 730م)، حيث ورد في الأثر أن عمر ليلة بُويع له بالخلافة أرّقه الفزعُ من المسؤولية، فقال له رجاء: «الخوف من المسؤولية معناه أنك تخشى الله»، وتلك أفضل علامة في عالمٍ أو حاكم. - ولاية الفقيه لا تُقاس بمعيار وليّ السفارات:
وهنا أصل إلى نقطة أعلم أنها حسّاسة، لكنها واجبة: أنا لا نتبنى نظرية ولاية الفقيه بمفهومها الكامل، ولا نشارك في صياغتها، لكننا نحترمها ونحترم أصحابها لأنها في الجملة في الاتجاه السليم، باتجاه مقاومة المشروع الأمريكي – الإسرائيلي.
والمقارنة هنا ظالمة: منذ ولادة لبنان بل منذ ما قبل الاستقلال إلى اليوم؟ أمنا الحنونة فرنسا، ثم البريطاني، ثم الأمريكي. تذكّروا كيف استقدم الرئيس كميل شمعون (رئاسته 1952–1958م) الأسطولَ الأمريكي إلى شواطئ الأوزاعي في 15 تموز 1958 ضمن “عملية بلو بات” Operation Blue Bat))، تحت ذريعة حلف بغداد ومواجهة الوحدة السورية – المصرية، والسبب الحقيقي كان ثورة عبد الكريم قاسم في العراق في 14 تموز 1958م، التي أسقطت الملك فيصل الثاني. النزول الأمريكي لم يُقصد به لبنان أصلاً، بل كان رسالة لعبد الناصر، ثم تخلى الاميركان عن كميل شمعون ودعموا رئاسة فؤاد شهاب.
نتوجه الى اخصام المقاومة ونقول لهم ان الولي السفيه الذي يدير شؤونكم تخلى عنكم وأسلمكم الى مصيركم الاسود، سواء في خريف 1983 في الجبل، حيث سلم مواقعه عند انسحابه للحزب التقدمي الاشتراكي خوفا من غضب الدروز المنخرطين في جيش العدو، باختصار، تخلى عنكم العدو لمصلحته.
ثم اعاد الكرة في ربيع 1985 حيث انسحب من شرقي صيدا دون اي تنسيق مع “حلفائه” الذين شنوا الحرب على صيدا التزاما بالاوامر الاسرائيلية وليس لأي مصلحة متوهمة للمسيحيين، ثم تخلى عن عملائه عند الانسحاب عام 2000 … الخ.
المختصر، “وليكم الفقيه” عدو لكم، الولي الفقيه للمقاومة مخلص لها حتى النهاية.
اننا نرفض ان تكون فكرة ولاية الفقيه “شتيمة” توجه للمقاومة، بل انها علاقة محترمة متكاملة، ولا تنقص من لبنانية المقاومة بل تؤكدها، اما ولاية السفيه التي ابتدعتموها لانفسكم سواء كانت الاميركي او الاسرائيلي او السعودي او السوري او غيرهم، انما هي علاقة تبعية وانسحاق.
﴿وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139).
نشر لأول مرة على: www.almanar.com.lb
تاريخ النشر: 2026-05-08 19:04:00
الكاتب: أحمد شعيتو
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.almanar.com.lb
بتاريخ: 2026-05-08 19:04:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
