العراق عالق بين الوصاية الأمريكية والوصاية الإيرانية

يجد العراق نفسه وسط مشهد جيوسياسي بالغ الخطورة، مع تصاعد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما يهدد أمن البلاد، ومصدر دخلها الرئيسي، واستقرارها السياسي الهش. وقد كشف مسؤولون أمريكيون رفيعو المستوى عن ارتفاع هائل في مستوى الأعمال العدائية، حيث تعرضت المنشآت الأمريكية في العراق لأكثر من 600 هجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة منذ اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة.

وشملت أهداف هذه الهجمات المتواصلة السفارة الأمريكية في بغداد، ومركز الدعم الدبلوماسي الأمريكي، والقنصلية الأمريكية في أربيل. كما صعّدت واشنطن لهجتها، مطالبة القيادة العراقية بـ”أفعال لا أقوال”. وأكد مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية أن الخط الفاصل بين الدولة العراقية والميليشيات الموالية لإيران أصبح ضبابياً بشكل خطير.

الأمن تحت الحصار – الإنذار الأمريكي

أصدرت السفارة الأمريكية في بغداد تحذيراً من المستوى الرابع بعنوان “لا تسافر”، وهو أعلى مستوى تحذير ممكن، داعية جميع المواطنين الأمريكيين إلى مغادرة العراق فوراً. وأشارت السفارة إلى استمرار التهديدات من “الميليشيات الإرهابية” المتحالفة مع إيران، والتي تواصل التخطيط لهجمات في أنحاء البلاد، بما في ذلك إقليم كردستان.

ويضغط المسؤولون الأمريكيون على رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي لاتخاذ خطوات ملموسة لاستعادة الثقة، من بينها إخراج الميليشيات من مؤسسات الدولة، وقطع جميع أشكال الدعم المالي لها من الموازنة العامة، ووقف دفع الرواتب لعناصرها.

وقد أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن دعمه للزيدي، لكنه أكد أنه يريد رؤية حكومة عراقية جديدة “خالية من الإرهاب”.

وعندما أمر الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بشن الهجوم وغزو العراق واحتلاله عام 2003، كان هدفه تغيير النظام السياسي. وكان الرئيس العراقي صدام حسين، وهو سني، يحكم أغلبية شيعية بقبضة حديدية.

وكان الهدف السياسي يتمثل في تنصيب حكومة جديدة مختارة من قبل الولايات المتحدة في العراق. وقد أراد خبراء وزارة الخارجية الأمريكية حكومة يهيمن عليها الشيعة، وقد تحقق لهم ذلك. لكن يبدو أن العقول المؤثرة في وزارة الخارجية الأمريكية، والتي يُشار إليها أحياناً بـ”الدولة العميقة”، لم تفكر بعيداً بما يكفي لتدرك أن إيران والعراق يشتركان في أغلبية شيعية، وأن إقامة حكومة شيعية في العراق من شأنه أن يعزز قوة إيران عسكرياً وسياسياً.

العراق خلال احتلال داعش وهزيمته

بعد أن سيطر تنظيم داعش على أراضٍ واسعة في العراق، شكّل الجيش الأمريكي تحالفاً واسعاً لمحاربة التنظيم وهزيمته في العراق وسوريا. وإلى جانب الولايات المتحدة وحلفائها، كانت روسيا وإيران وسوريا تمتلك أيضاً قوات عسكرية مكرّسة لمحاربة داعش.

واستخدم العراق جيشه في مواجهة داعش، لكن عدداً من الجماعات شبه العسكرية العراقية المدعومة من إيران قاتلت إلى جانب الجيوش الغربية والإقليمية لهزيمة التنظيم. وأصبحت هذه الجماعات معترفاً بها رسمياً من قبل الحكومة المركزية العراقية في بغداد، وتم إدماجها تحت مظلة المؤسسة العسكرية العراقية.

وقد خاضت الولايات المتحدة مواجهات مع هذه الميليشيات العراقية التي تعتبرها شكلاً من أشكال “حزب الله” أو “حماس” داخل العراق. بل إن الولايات المتحدة نفذت هجمات وقتلت عناصر من هذه الميليشيات داخل الأراضي العراقية.

وكما تحاول إسرائيل تخليص لبنان من حزب الله، يتوقع ترمب من الزيدي أن يخلّص العراق من الميليشيات المدعومة من إيران. ويشكّل الشيعة نحو 30% من سكان لبنان، كما أن غالبية أفراد الجيش اللبناني من الشيعة. ويرى خبراء أن الوضع يمثل الخطوات الأولى نحو حرب أهلية في لبنان. وحتى الآن، ليس من الواضح ما إذا كان العراق يتجه نحو انهيار مشابه.

وفي 27 يناير (كانون الثاني)، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب العراق إذا ما تم تعيين رئيس الوزراء السابق نوري المالكي لرئاسة الحكومة. وبعد الخضوع للضغوط، أصبح علي الزيدي رئيس الوزراء المكلّف منذ 27 أبريل (نيسان).

وفي الأول من مايو (أيار)، تلقى الزيدي اتصالاً مباشراً من ترمب، وهي المرة الأولى في التاريخ السياسي العراقي الحديث، كما دُعي لزيارة البيت الأبيض. كذلك أجرى وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث اتصالاً مع الزيدي.

الشلل الاقتصادي – مضيق هرمز وخصومات النفط

ألحق الصراع ضربة قاسية بالاقتصاد العراقي المعتمد على النفط. فمضيق هرمز، الشريان الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، لا يزال مغلقاً إلى حد كبير، مما يخنق صادرات العراق البحرية. ووفقاً لوكالتي بلومبرغ ورويترز، اضطرت شركة تسويق النفط العراقية “سومو” إلى تقديم خصومات غير مسبوقة لجذب المشترين، حيث عُرض النفط الخام العراقي للبيع بأقل من سعر السوق بما يصل إلى 30 دولاراً للبرميل.

ورغم هذه الخصومات الكبيرة، لا تزال المخاطر مرتفعة للغاية. وتكشف بيانات بلومبرغ أن ناقلتي نفط فقط تمكنتا من التحميل في ميناء البصرة خلال أبريل (نيسان)، مقارنة بمتوسط شهري معتاد يبلغ نحو 80 سفينة. ومع امتلاء مرافق التخزين، كان العراق من أوائل منتجي “أوبك” الذين خفّضوا الإنتاج مع بداية الأزمة.

حكومة الزيدي – دور وساطة عالي المخاطر

في ظل هذا الضغط العسكري والاقتصادي، يحاول رئيس الوزراء المكلّف علي الزيدي تقديم العراق كوسيط محايد. وخلال اتصال تهنئة من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أكد الزيدي قدرة العراق على ردم الهوة بين طهران وواشنطن.

إلا أن الزيدي، أصغر رئيس وزراء في تاريخ العراق، يواجه حقلاً من الألغام من الالتزامات الداخلية والخارجية.

فالميليشيات العراقية المقرّبة من إيران تصر على الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية.

كما تطالب الأقلية السنية بحل ملف النازحين.

في المقابل، تستخدم واشنطن الضغط المالي على بغداد للحد من تدفق السلاح غير الشرعي ونفوذ الميليشيات.

وفي 4 مايو (أيار)، بدأت الولايات المتحدة عمليات لمرافقة السفن “المحايدة” عبر مضيق هرمز، وهو ما اعتبرته طهران انتهاكاً لوقف إطلاق النار المعلن في 8 أبريل (نيسان).

هدنة هشة على شفا الانهيار

لا يزال الوضع شديد التقلب. فبينما أشار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى وجود “تقدم” في المفاوضات التي تتوسط فيها باكستان، حذر في الوقت نفسه الولايات المتحدة من أن تُجرّ إلى “الفوضى” من قبل جهات سيئة، في إشارة واضحة إلى إسرائيل.

وفي الوقت ذاته، لا يزال المسرح العسكري مشتعلاً. فقد أعلنت القيادة المركزية الأمريكية مؤخراً اعتراض طائرات مسيّرة وصواريخ وزوارق هجومية سريعة إيرانية أثناء عبور سفن تحمل العلم الأمريكي. كما زعم الرئيس دونالد ترمب تدمير سبع سفن إيرانية خلال الاشتباكات الأخيرة.

ومع استمرار حصار الموانئ الإيرانية، وبقاء مضيق هرمز نقطة اشتعال رئيسية، يقف العراق عند مفترق طرق. وستحدد قدرة رئيس الوزراء علي الزيدي على موازنة هذه المصالح المتنافسة ما إذا كان العراق سيتمكن من لعب دور الموازن الإقليمي، أم أنه سينجرف أكثر نحو دوامة حرب إقليمية آخذة في الاتساع.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: eurasiaar.org

تاريخ النشر: 2026-05-08 06:31:00

الكاتب: ستيفن صهيوني

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-05-08 06:31:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

Exit mobile version