مع اقتراب التاسع من مايو (أيار)، عيد الروس الأقدس للانتصار على ألمانيا النازية، ممثلة الغرب الأوروبي الأبيض المستعلي دائماً وأبداً على باقي خلق الله، عادت ماكينة الإعلام الغربي للعمل بأقصى طاقتها حول روسيا.
لكن، وللأسف، ليس عبر التحليل أو النقد المبني على معلومات دقيقة وتحقيقات تمتلك ولو ذرة من الواقع، وإنما عبر بث خليط مألوف من التسريبات الغامضة نقلاً عن أجهزة استخبارات أوروبية مجهولة، وباستخدام عناوين مثيرة ولغة نفسية تقترب من الصحافة الصفراء، وتبتعد كثيراً، بكيلومترات وأميال، عن الصحافة المهنية التي صدعوا رؤوسنا بها طوال عقود.
فجأة، ودون سابق إنذار، امتلأت الصحف الأوروبية، البريطانية تحديداً، وربيبتها الأمريكية، بتقارير رنانة تتحدث عن “بوتين المختبئ”، ويا للعجب، وعن بوتين الخائف من الاغتيال، والقلق من انقلاب داخلي يقف على أبواب الكرملين بانتظار لحظة الانفجار.
بوتين يعزز الحماية حول الكرملين، الذي نتجول فيه مع الأصدقاء تحت نوافذ مكتب بوتين نفسه، خصوصاً هذه الأيام بعد عودة الشمس أخيراً إلينا في موسكو، وروعة طقسها الدافئ الذي يكسوها جمالاً وبهاءً بعمارتها وناسها.
ومن يقرأ هذا الهراء يشعر وكأن موسكو على وشك الانهيار، أو أن الدولة الروسية، التي أعاد بوتين قوتها وعافيتها، تعيش ساعاتها الأخيرة، بل تلفظ أنفاسها.
يا للعجب، إنه كلام، بل تضليل، يجعل الحليم حيران.
وما يزيد الطين بلة أن هذه الروايات المخيفة تُقدَّم بوصفها معلومات استخباراتية، وهي بالطبع صيغة مقصودة، لأنها مثالية بحيث تسمح بتمرير أي استنتاج تقريباً دون الحاجة إلى تقديم أدلة قابلة للتحقق. مصدر أوروبي مجهول. هكذا يكتبون: “تقرير استخباراتي غير منشور”، “مسؤول غربي رفض الكشف عن اسمه”.
هل ركزتم معي؟ هل تلتقطون خيط التضليل؟ إنه عمل صحافة صفراء، لكنها متدربة جيداً.
ثم تبدأ عملية البناء فوق هذه الطبقة الضبابية من “المعلومات”، لتتحول بعد ساعات إلى “حقيقة سياسية” تتناقلها القنوات والمنصات وكأنها وقائع ثابتة. حتى إن يوزف غوبلز نفسه كان ليرفع لهم القبعة.
المشكلة هنا، بالنسبة لي كمراقب من قلب موسكو، وعلى بعد مئات قليلة من الأمتار من الكرملين، ليست في وجود إجراءات أمنية حول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من عدمها. لأن هذا التأمين أمر طبيعي تماماً، وخصوصاً لشخصية كبوتين، بما فعله ولا يزال يفعله في الغرب وأوروبا خلال العقدين الماضيين.
أضف إلى ذلك أن هذا هو رئيس الدولة التي تخوض حرباً مفتوحة مع حلف الناتو بكل آلته العسكرية الجبارة، وأجهزة استخباراته بكل ما تمتلكه من أدوات وشبكات عملاء حول العالم، فضلاً عن أن العاصمة الروسية تعرضت بالفعل خلال الأشهر الأخيرة لهجمات بطائرات مسيّرة، إلى جانب تهديدات زيلينسكي العلنية باستهداف موسكو خلال احتفالات التاسع من مايو (أيار). فأين السر في كل ذلك؟
أي دولة في العالم، وعلى رأسها أكبر دول العالم الآن، الولايات المتحدة نفسها، كانت ستتخذ إجراءات أمنية استثنائية في ظروف مشابهة.
لكن الإعلام الغربي لا يستطيع التعامل مع هذه الإجراءات بوصفها أمراً طبيعياً في سياق الحرب، لأنها تجري في روسيا، وبالتالي يجب تحويلها فوراً إلى قصة عن “رئيس خائف”، وتحديداً بوتين بالاسم، و”نظام مرتبك”، بل و”دولة تعيش بأكملها داخل البونكر”.
هل هذا إعلام مهني؟ أم إن من يلجأ إلى ذلك يخرج بوضوح خارج مساحة التغطية المهنية، التي تسمح بالفعل بطرح افتراضات، وإجراء تحقيقات صحفية، والبحث عن مصادر حقيقية، وكشف ما توصلت إليه للناس كي تعرف وتفهم؟
لكن لا، فهدف الإعلام الغربي، البريطاني والأمريكي في المقام الأول، هو صناعة الصورة النفسية. فهو يعرف أن الآخرين ينقلون عنه دون تفنيد، لأنه السيد الذي لا تُرد له كلمة.
ولو أردنا قدراً من النزاهة المهنية، فعلينا أن نسأل: هل كانت هذه الصحافة الغربية ستتعامل بالطريقة نفسها لو كانت الإجراءات الأمنية تتعلق بالرئيس الأمريكي، أو بملك بريطانيا، أو حتى برئيس وزرائها المنبوذ من حزبه هذه الأيام في انتخابات المحليات، بعدما وصل بهم الأمر إلى طرده ومسح اسمه من قوائم الحزب؟
هل تم تقديم تشديد الحماية حول البيت الأبيض بعد اقتحامه بقيادة أنصار ترمب في يناير (كانون الثاني) 2021 باعتباره دليلاً على خوف بايدن من انقلاب؟ بالطبع لا.
فما لكم كيف تحكمون؟
الصورة واضحة وتتحدث عن نفسها. فعندما يتعلق الأمر بروسيا، يتغير الميزان بالكامل. وهنا لا يعود الهدف نقل الخبر، فالإعلام الغربي كل همه هو إنتاج رواية متكاملة تقول إن روسيا خائفة، وبوتين معزول، والنخبة منقسمة، والانهيار على الأبواب.
وهي الرواية المكررة نفسها التي تكررت عشرات المرات منذ بداية الحرب في أوكرانيا، ومع ذلك لم يتحقق منها شيء، سوى انخداع السذج والبسطاء بكلام الإعلام الغربي الذي يتلاقى مع الرغبات والأمنيات والأحلام والأوهام، وليس فقط في حالة روسيا بالمناسبة، لكننا لسنا بصدد الخوض في الحالات المشابهة في هذه السطور، فقد خصصناها لبوتين وكيف يتحول الغرب أمامه إلى صحافة صفراء.
قولوا لي بربكم، أعزائي القراء، كم مرة منذ بدء الحرب في أوكرانيا بشركم هذا الإعلام الغربي بقرب انهيار الاقتصاد الروسي؟ مرة يقول خلال أشهر، وأخرى يبشركم بأنها مجرد ثلاثة أسابيع وسيسقط اقتصاد حرب بوتين هامداً يترنح. ثم يحدثكم عن انهيار الروبل بشكل لا يمكن السيطرة عليه، ثم عن نفاد الصواريخ الروسية، ثم عن فقدان موسكو قدرتها على مواصلة الحرب.
وها نحن معكم في الشهر الثالث من العام الخامس للحرب، وما زالت صواريخ موسكو تؤرق عواصم أوروبا خوفاً من أن تصل إليها يوماً ما، وها هو الاقتصاد الروسي لا ينهار فحسب، بل يحقق معدلات نمو، بشهادة مؤسسات الغرب نفسه، تفوق ما تحققه اقتصادات دول هذا الإعلام الذي ضحك علينا عشرات المرات بقرب انهيار اقتصاد بوتين.
الدولة الروسية لم تتفكك يا سادة، وليست على وشك التفكك، والجيش الروسي ما زال يتقدم. نعم، ببطء، لكنه يتقدم. والأخطر من ذلك أن خبرته القتالية باتت مخيفة بالفعل، فأنتم لا ترون ما نرى، ولا تسمعون ما نسمع.
وحتى لا يتشكل لديكم انطباع بأنني أحاول رسم صورة وردية لروسيا أو لبوتين أو لجيشه، حاشا لله، إنما أبحث عن الحقيقة، وأكتب من منطق “الرأي يصدق أهله”.
فأقول إن كل ما ذكرته أعلاه لا يعني أن روسيا بخير، أو أنها لا تواجه مشكلات حقيقية وجدية. بل على العكس تماماً، فروسيا تعيش استنزافاً طويلاً ومكلفاً اقتصادياً وعسكرياً واجتماعياً وبشرياً.
لكن الفرق بين التحليل الجاد والدعاية، هو أن الأول يحاول فهم نقاط القوة والضعف معاً، بينما الثانية تكتفي ببناء صورة كاريكاتورية عن “الدب الروسي المرتبك”. وهذا كذب محض وهراء وضحك على عقول الناس.
في الواقع، ما يجري اليوم يكشف، بلا شك وبلا جدال، عن أزمة عميقة داخل هذا الإعلام الغربي الذي كان الناس، ولا يزال بعضهم في بلاد العرب، يتخذونه منارة وصنماً يُعبد بدلاً من الحقيقة.
فلا تجد، فيما يخص التغطية المتعلقة بروسيا، قدراً من الموضوعية يهدف إلى فهم روسيا أو فهم ما يجري فيها بحق. وإنما جل ما تقرأه أو تشاهده أو تسمعه يرمي إلى خدمة المزاج السياسي الغربي تجاهها. بمعنى آخر، المطلوب من كثير من هذه التقارير ليس تفسير ما يحدث، وإنما تأكيد ما يريد الجمهور الغربي سماعه أصلاً، أي العيش مجدداً في عالم الرغبات والتمنيات.
ولذلك، عندما تقرأ ما يكتبونه، تقفز أمام عينيك هذه العناوين: “بوتين خائف”، “الكرملين مذعور”، “النخبة تستعد للانقلاب”، “الرئيس الروسي يختبئ في بونكر”.
هل هذا، بربكم، تحليل استراتيجي يستند إلى تقارير استخباراتية تهدف إلى فهم ما يحدث في دولة خصم بحجم روسيا وقدراتها العسكرية والنووية؟
الأخطر، في رأيي، أن هذه المقاربة لا تشوه صورة روسيا فحسب، بل تشوه فهم الغرب نفسه للحرب ذاتها. لأن التعامل مع الخصم بوصفه ضعيفاً ومنهاراً دائماً يؤدي غالباً إلى أخطاء في الحسابات. وهل حدث غير ذلك منذ فبراير (شباط) 2022؟ هذا ما حدث بالفعل، وأكثر من مرة، حين بُنيت الرهانات العسكرية الغربية على فرضية أن روسيا لن تستطيع الصمود طويلاً تحت وطأة العقوبات أو الضغط العسكري.
لكن ما حدث عملياً كان العكس. فقد أعادت روسيا توجيه اقتصادها سريعاً، ووسعت تعاونها مع الصين والهند ودول الجنوب العالمي، بل وزادت الإنفاق العسكري، وحولت الحرب تدريجياً إلى اقتصاد تعبئة جزئية.
صحيح أن الثمن كبير، بل باهظ، لكن فكرة الانهيار السريع لم تتحقق، وليست واردة في الأفق. الأمر نفسه يتكرر الآن مع قصة “بوتين الخائف”، والخوف من “الاغتيال والانقلاب”. إنه هراء وصحافة صفراء. فبدلاً من قراءة الإجراءات الأمنية المشددة، ولأسباب مفهومة ومنطقية كما شرحت أعلاه، باعتبارها جزءاً من واقع الحرب، يجري تقديمها كدليل نفسي على هشاشة السلطة الروسية.
إن الحقيقة الأوضح من شمس الظهيرة في يوم صيفي في بلد شرق أوسطي، هي أن الحرب نفسها غيّرت طبيعة الدولة الروسية وأولوياتها الأمنية، وكل ما يجري فعلياً قبل 9 مايو (أيار)، وما سيجري بعده، هو جزء لا يتجزأ من هذه الحقيقة.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير
نشر لأول مرة على: eurasiaar.org
تاريخ النشر: 2026-05-08 06:34:00
الكاتب: سعد خلف
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-05-08 06:34:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
