إعادة هندسة النفوذ الأمريكي في آسيا الوسطى.. محورية كازاخستان في ولاية ترمب الثانية

بعد أكثر من عام على عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض بولاية ثانية، وما تحمله هذه العودة من إعادة صياغة لأولويات السياسة الخارجية الأمريكية وفق مقاربة براغماتية، تبرز كازاخستان بوصفها الدولة الأكبر والأهم في آسيا الوسطى، ليس فقط بحكم موقعها الجيوسياسي الرابط بين روسيا والصين وآسيا الغربية، وإنما كذلك لامتلاكها مخزونًا استراتيجيًا من الموارد الطبيعية، خاصة النفط واليورانيوم والمعادن الحرجة، بما يجعلها نقطة ارتكاز أساسية في إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية وتقليل الاعتماد الأمريكي والغربي على الخصوم الاستراتيجيين. كما تتجاوز أهمية كازاخستان البعد الاقتصادي إلى بعدها الجيوسياسي، باعتبارها ساحة اختبار للتوازن الأمريكي في مواجهة النفوذ الروسي التقليدي والتمدد الصيني المتسارع ضمن مبادرة الحزام والطريق.

وفي ضوء ذلك، تشهد العلاقات الأمريكية–الكازاخستانية في المرحلة الراهنة إعادة تموضع استراتيجية تعكس التحولات المتسارعة في بنية التنافس الدولي على آسيا الوسطى، ما يثير جملة من التساؤلات البحثية المتعلقة بمستقبل هذه العلاقة ومسارات تطورها، ولعل أبرزها: إلى أي مدى تمثل كازاخستان ركيزة في استراتيجية الولايات المتحدة لإعادة هندسة نفوذها في آسيا الوسطى؟ وما طبيعة المصالح الأمريكية الحاكمة لهذا التوجه، خاصة فيما يتعلق بأمن الطاقة والمعادن الحرجة واحتواء النفوذ الصيني والروسي؟ وفي المقابل، كيف تنظر كازاخستان إلى تعميق شراكتها مع واشنطن؟ وما المكاسب السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي تسعى إلى تحقيقها من هذا الانفتاح؟ وكيف يمكن فهم الأبعاد المتشابكة للعلاقة بين الطرفين؟ وأخيرًا، ما المحددات الرئيسية التي ستؤثر في صلابة واستدامة هذه الشراكة خلال السنوات المقبلة في ظل بيئة تتسم بتصاعد التنافس بين القوى الإقليمية والدولية وإعادة رسم خرائط النفوذ العالمي؟ وهل ستتحول هذه الشراكة إلى منظومة متجذرة في المصالح والمؤسسات، أم ستظل رهينة للزخم الظرفي الذي أوجدته الحسابات السياسية لإدارة ترمب الثانية؟

أبعاد العلاقات الأمريكية–الكازاخستانية في عهد ترمب

تمتد جذور العلاقة بين الولايات المتحدة وكازاخستان إلى مطلع تسعينيات القرن الماضي، حين سارعت واشنطن إلى تعزيز علاقاتها مع الجمهوريات السوفيتية المستقلة حديثًا، مدفوعة باعتبارات نزع التسلح النووي وضمان استقرار الفضاء ما بعد السوفيتي. وقد جاء الملف النووي في مقدمة المشتركات الأولى، إذ تنازلت كازاخستان طوعًا عن ترسانتها النووية الموروثة عام 1992 في إطار معاهدة لشبونة، لتعيد بذلك رسم صورتها الدولية بوصفها دولة مسالمة وموثوقة. بيد أن العلاقة تطورت لاحقًا نحو شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، بلغت انعطافًا جوهريًا مع وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية.

وتجاوزت العلاقة بين أستانا وواشنطن في الولاية الثانية لترمب أطرها التقليدية المرتكزة على قضايا مكافحة الإرهاب وأمن الممرات اللوجستية، لتتمحور حول منظومة مركبة من المصالح الاقتصادية والجيوسياسية والتكنولوجية. وقد صرح ترمب بأن إدارات أمريكية سابقة أهملت هذه المنطقة إهمالًا تامًا، مؤكدًا إدراكه لأهميتها الاستراتيجية البالغة، خاصة وأن الولايات المتحدة تُعد الشريك الاستثماري الأكبر لكازاخستان، بنحو 80% من إجمالي الاستثمارات الأمريكية في منطقة آسيا الوسطى بأكملها، فيما تمثل كازاخستان ما يزيد على 60% من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة، وهو ما يجعلها حجر الزاوية في أي استراتيجية أمريكية تسعى إلى موازنة الحضور الصيني والروسي في ذلك الفضاء الإقليمي الحيوي.

ولعل الصفقات الكبرى التي أُبرمت على هامش قمة نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 بين الولايات المتحدة وقادة دول آسيا الوسطى الخمس رسمت ملامح مرحلة جديدة من التشابك الاقتصادي بين واشنطن وأستانا، حيث أسفرت عن حزمة اتفاقيات استثمارية وتجارية غير مسبوقة، بما يعكس إعادة صياغة للدور الكازاخستاني من منظور استراتيجي بالغ الأهمية. إذ تتجه أستانا نحو التحول إلى نواة لاقتصاد أوراسي جديد تتقاطع فيه الشبكات اللوجستية والرقمية، في حين يتيح هذا التموضع للولايات المتحدة ممرات توريد موثوقة وولوجًا إلى مبادرات تكنولوجية في منطقة أقل عرضة للمخاطر الجيوسياسية الحادة.

كما جسدت كازاخستان تصاعد أولوية العلاقة مع واشنطن بقرار تاريخي يقضي بتعيين ممثل رئاسي خاص للإشراف على المفاوضات الثنائية مع الولايات المتحدة، إذ صدر مرسوم رئاسي في يناير (كانون الثاني) الماضي بتكليف السفير يرزحان قازيخان بهذه المهمة، بوصفها أولوية خاضعة للإشراف المباشر لرئيس الجمهورية. وتعكس هذه الخطوة إدراكًا من الجانب الكازاخستاني بأن العلاقة مع واشنطن باتت تستدعي إدارة سياسية من أعلى مستويات الدولة، لا مجرد تراتبية دبلوماسية اعتيادية. فإخضاع إدارة هذه العلاقة للمستوى الرئاسي لا يعيد هيكلة الدبلوماسية الكازاخستانية فحسب، بل يُحكم السيطرة السياسية على ملف متسارع النمو ومتشعب الأبعاد، يمتد ليشمل الاستثمار والمعادن الحيوية والأمن الإقليمي.

المصالح الأمريكية من تعزيز العلاقات مع كازاخستان

  • ضمان سلاسل إمداد المعادن الاستراتيجية:

يشكل الملف المعدني الركيزة الأساسية للمصلحة الأمريكية في كازاخستان في سياق التنافس الأمريكي–الصيني المحتدم على السيطرة على مواد الطاقة النظيفة والتقنيات المتقدمة، حيث تمتلك كازاخستان 19 من أصل 50 عنصرًا حيويًا للصناعات المتقدمة، من بينها التنجستن والكوبالت والغاليوم والجرمانيوم، فضلًا عن إنتاجها ما يقارب 40% من اليورانيوم عالميًا، وتزويدها الولايات المتحدة بربع وارداتها منه. وتكشف هذه الأرقام عن أهمية استراتيجية تتجاوز أي بعد تجاري محض.

وفي هذا السياق، وقع وزير التجارة الأمريكي مع وزير الصناعة الكازاخستاني مذكرة تفاهم خاصة بالتعاون في مجال المعادن الحيوية، في إطار قمة C5+1 التي استضاف خلالها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قادة دول آسيا الوسطى الخمس في البيت الأبيض خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المنصرم.

كما يدعم هذا التوجه الاتفاق الذي أبرمته الولايات المتحدة وكازاخستان لتطوير أحد أكبر احتياطيات التنجستن غير المستغلة في العالم، بقيمة 1.1 مليار دولار، تحوز فيه شركة Cove Kaz Capital Group الأمريكية حصة بنسبة 70%، والمرتبطة باستثمارات أبناء ترمب، فيما أصدر بنك الاستيراد والتصدير الأمريكي خطاب اهتمام بتمويل يصل إلى 900 مليون دولار، في إطار منع الشركات الصينية من السيطرة على هذا الاحتياطي الاستراتيجي.

  • موازنة النفوذين الروسي والصيني في الفضاء الأوراسي:

تنظر واشنطن إلى كازاخستان باعتبارها ورقة جيوسياسية محورية في مواجهة التمدد الروسي والصيني في قلب القارة الأوراسية، حيث تقع كازاخستان في منطقة تماس وتأثير بين روسيا والصين. وتسعى واشنطن، من خلال تعميق علاقتها مع أستانا، إلى تعزيز وصولها إلى منطقة طالما اعتبرتها موسكو وبكين فضاءهما الحيوي الحصري.

  • توسيع نطاق الفرص الاقتصادية للشركات الأمريكية:

أُعلن في سبتمبر (أيلول) المنصرم عن صفقات ضخمة مع كبرى الشركات الأمريكية، تضمنت شراء طائرات بوينغ بقيمة 7 مليارات دولار، وطلبية قاطرات من شركة Wabtec بقيمة 4.2 مليار دولار، وصفها ترمب بأنها الأكبر في تاريخ صناعة السكك الحديدية، فضلًا عن شراكات تقنية مع NVIDIA وHP وCisco وOracle وStarlink بقيمة تصل إلى 3.7 مليار دولار، وهو ما يجسد توجه إدارة ترمب نحو الربط الاستراتيجي بين الانخراط الجيوسياسي وخلق الفرص التجارية لصالح القاعدة الصناعية الأمريكية.

  • توسيع اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل:

انضمت كازاخستان، أكبر كتلة سكانية مسلمة في آسيا الوسطى، إلى الاتفاقيات الإبراهيمية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، لتصبح أول دولة تنخرط فيها خلال ولاية ترمب الثانية، في خطوة وصفتها واشنطن بأنها تقدم نحو بناء جسور السلام والرخاء. ويحقق هذا الانضمام مصالح أمريكية مزدوجة؛ إذ يدعم، من ناحية، مصداقية ترمب السياسية وتقديم الاتفاقيات الإبراهيمية بوصفها إطارًا عابرًا للمنطقة العربية، يرمي إلى تعزيز دور إسرائيل في آسيا الوسطى عبر كازاخستان لتكون نموذجًا قابلًا للتطبيق على نطاق جمهوريات آسيا الوسطى الخمس. ومن ناحية أخرى، يوسع الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وكازاخستان في منطقة غنية بالطاقة والموارد المعدنية.

  • أمن الطاقة والتحول نحو المصادر النووية النظيفة:

تصور واشنطن تعاونها في مجال الطاقة مع أستانا بوصفه أداة لتعزيز أمن الطاقة الغربي، إذ تعد الموارد الكازاخستانية النووية والمعدنية ركيزة للاستقلال الطاقوي للولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين واليابانيين الساعين إلى خفض اعتمادهم على المصادر الروسية والصينية. لذا وقعت الولايات المتحدة وكازاخستان في ديسمبر (كانون الأول) 2025 اتفاقية تعاون في مجال المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية (SMRs)، تشمل تزويد معهد الفيزياء النووية في ألماتي بمحاكي لهذه المفاعلات، وإجراء دراسة جدوى لبناء وحدات نووية صغيرة على الأراضي الكازاخستانية.

وتكتسب هذه الاتفاقية أهمية استراتيجية استثنائية، لكون كازاخستان وقعت بالفعل اتفاقيات مع روسيا والصين لإنشاء مفاعلات نووية تقليدية كبيرة الحجم، على غرار إطلاق شركة روساتوم الروسية في 8 أغسطس (آب) 2025 أعمال بناء أول محطة نووية في كازاخستان قرب قرية أولكن على بحيرة بالكاش، ما يجعل الدخول الأمريكي في هذا الملف ضربًا من التنافس المباشر على النفوذ النووي في قلب آسيا.

المكاسب الكازاخستانية من تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة

  • استقطاب الاستثمارات الأمريكية في الصناعة المتقدمة:

يأمل الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف في أن تضخ الشركات الأمريكية استثماراتها في الموارد المعدنية الهائلة لكازاخستان وصناعاتها التقنية الناشئة، إذ إن الانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية كان، في جوهره، خطوة براغماتية لاستقطاب اهتمام واشنطن وتحفيز تدفق الاستثمارات الحكومية والخاصة الأمريكية. وتنتهج أستانا استراتيجية تقوم على تحويل مواردها الطبيعية إلى أداة لاستقطاب التقنية ورأس المال الغربي، بدلًا من الاكتفاء بتصدير المواد الخام.

وفي هذا السياق، يعد مشروع فولت الأمريكي، الذي أُعلن عنه في فبراير (شباط) المنصرم، تحولًا نوعيًا في المقاربة الأمريكية تجاه آسيا الوسطى، من مجرد شراكات طاقوية تقليدية إلى بناء موطئ قدم مباشر داخل منظومة المعادن الاستراتيجية المرتبطة بالصناعات الدفاعية والتكنولوجية المتقدمة، بما يعزز قدرة واشنطن على إعادة تشكيل خرائط الاعتماد العالمي في المواد الخام الحيوية، ويمنح كازاخستان هامشًا أكبر للمناورة بين القوى الكبرى ضمن معادلة التوازنات الجيواقتصادية الجديدة.

  • الانفتاح التجاري على الغرب:

منح كازاخستان صفة اقتصاد السوق، والتحضير للحصول على وضع العلاقات التجارية الطبيعية الدائمة  (PNTR) من الكونجرس الأمريكي، سيعمق هذا التعاون ويرسخه، فاتحًا أبوابًا أوسع للمستثمرين الأمريكيين. فلطالما شكل تعديل جاكسون–فانيك عقبة أمام العلاقات التجارية الطبيعية مع الدول غير ذات الاقتصاد السوقي، ومن بينها كازاخستان، لذا تطمح أستانا إلى التخلص من هذا القيد القانوني الموروث عبر انفتاحها على الاقتصاد الأمريكي.

  • نقل التكنولوجيا وتنويع الاقتصاد:

تسعى كازاخستان إلى التحول من نموذج الاقتصاد الريعي القائم على تصدير المواد الخام نحو نموذج اقتصادي متنوع يرتكز على الابتكار وتقنيات المعلومات والقيمة المضافة، مستهدفة بذلك بلوغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي مستويات الدول المتقدمة. وتمثل الشراكة التقنية مع شركات مثل NVIDIA وOracle وStarlink مداخل عملية لتحقيق هذا التحول، فضلًا عن صفقة شركة جون دير الأمريكية البالغة 2.5 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) المنصرم، التي تعد نموذجًا للتعاون الصناعي والتقني في القطاع الزراعي بين كازاخستان والولايات المتحدة.

  • تعزيز الموقع الكازاخستاني في الممرات التجارية الدولية:

ترتبط المصالح الكازاخستانية بموقعها داخل شبكات التجارة العالمية البديلة، خاصة في إطار تطوير الممر الأوسط وممر ترمب للسلام والازدهار العابر لبحر قزوين، بوصفه بديلًا للمسارات التقليدية عبر روسيا. وفي هذا السياق، يوفر التقارب مع واشنطن فرصة للحصول على دعم سياسي واقتصادي لتطوير البنية التحتية اللوجستية الكازاخستانية وتعزيز دورها كمحور عبور بين آسيا وأوروبا، بما يرفع من أهميتها الجيواقتصادية في المعادلات التجارية الجديدة.

  • تعظيم القدرة التفاوضية في النظام الدولي:

يمنح تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة كازاخستان قدرة تفاوضية أكبر في إدارة علاقاتها مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، إذ يسمح لها بتوسيع خياراتها الخارجية وتقوية موقعها في التفاعلات الدولية. فكلما اتسعت شبكة الشراكات الدولية لأستانا، ازدادت قدرتها على حماية مصالحها الوطنية في بيئة تتسم بتزايد التنافس بين القوى الإقليمية والدولية، وهو ما يجعل العلاقة مع واشنطن جزءًا من استراتيجية أوسع لتعظيم النفوذ والمرونة الاستراتيجية.

مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة وكازاخستان في عهد ترمب

يشكل التنافس مع الصين أكثر ديناميكيات المنافسة تأثيرًا على مستقبل العلاقة الأمريكية–الكازاخستانية. ففي مطلع 2025، أطلقت كازاخستان والصين خطًا للشحن بالسكك الحديدية يتجاوز روسيا، يمتد من مدينة تشنغدو عبر كازاخستان وتركمانستان وإيران وتركيا حتى حدود الاتحاد الأوروبي، فيما نمت التجارة الكازاخستانية–الصينية بمعدلات ضخمة، إذ ارتفع الشحن البري بنحو 82%، وتوسع الشحن بالسكك الحديدية بنسبة 13%، بما يعكس عمق الاعتماد الاقتصادي الكازاخستاني على الصين.

وفي المقابل، أتاحت التداعيات الاقتصادية للحرب الروسية–الأوكرانية فرصة استراتيجية للولايات المتحدة، إذ دفعت دول آسيا الوسطى نحو مسارات تجارية بديلة تتخطى روسيا وتسعى إلى تأمين وصول مستقل إلى الأسواق الغربية. وقد سارعت كازاخستان منذ 2022 إلى تقليص اعتمادها على خط أنابيب قزوين الروسي (CPC)، وتعزيز صادراتها النفطية عبر مسار باكو–تبليسي–جيهان.

غير أن روسيا لا تزال تحتفظ بأدوات ضغط هيكلية على كازاخستان، تمتد من البنية الاقتصادية المشتركة الموروثة عن الحقبة السوفيتية إلى الأقلية الروسية الكبيرة داخل كازاخستان والبنية التحتية للطاقة النووية. ومن ثم، يبقى اندفاع كازاخستان نحو الولايات المتحدة محكومًا بحدود ضمنية تفرضها اعتبارات الجوار الجغرافي والتشابك الاقتصادي مع موسكو.

ولعل تركيا، التي تمثل أحد أكبر خمسة شركاء تجاريين لكازاخستان، وتعمل نحو 5 آلاف شركة تركية على أراضيها ضمن مشاريع مشتركة تتجاوز قيمتها 3.8 مليار دولار، تنافس واشنطن في كازاخستان، وإن كانت طبيعة هذا التنافس مختلفة. إذ تعمل تركيا عبر أدوات الهوية الثقافية المشتركة والتضامن التركي واللغة والروابط التاريخية العميقة، وليس فقط عبر أدوات الاستثمار الاقتصادي.

ويكشف مقياس الثقة الشعبية في كازاخستان عن تفوق تركي لافت، إذ تحظى تركيا بنظرة إيجابية جدًا لدى 31% من الكازاخستانيين، مقارنة بـ14% لروسيا و13% فقط للولايات المتحدة. بيد أن العلاقة الكازاخستانية–التركية تشوبها بعض التوترات، خاصة فيما يتعلق بموقف أستانا من قضية شمال قبرص، حين عينت كازاخستان وأوزبكستان سفراء لدى قبرص وأقرتا بقرارات مجلس الأمن الدولية المتعارضة مع الموقف التركي، بما يكشف حدود البراغماتية الصريحة للتضامن التركي حين تتعارض مع مصالح كازاخستان في الانفتاح على الدول الأوروبية.

الخاتمة

يمكن القول إن مستقبل العلاقات الأمريكية–الكازاخستانية تحكمه مجموعة من المتغيرات التي تحدد درجة صلابة واستدامة الشراكة بين الطرفين على المدى البعيد، وفي مقدمتها حجم ونوعية تدفقات الاستثمار الأمريكي في القطاعات الاستراتيجية داخل كازاخستان، لا سيما في مجالات التعدين والمعادن الحرجة والطاقة؛ ومدى استقرار واستمرارية التعاون في سلاسل توريد اليورانيوم والمعادن النادرة باعتبارها ركيزة للأمن الصناعي الأمريكي؛ إضافة إلى تطور البنية اللوجستية للممر الأوسط عبر بحر قزوين من حيث الكفاءة والربط والقدرة التنافسية في مواجهة المسارات الروسية والصينية؛ فضلًا عن مستوى التنسيق السياسي في إدارة التوازنات الأوراسية الحساسة، لا سيما العلاقات مع روسيا والصين وتركيا؛ وأخيرًا مدى تحول العلاقة من تعاون انتقائي قائم على المصالح القطاعية إلى إطار مؤسسي مستدام متعدد المستويات، يتجاوز حدود الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: eurasiaar.org

تاريخ النشر: 2026-05-09 07:32:00

الكاتب: غدي قنديل

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-05-09 07:32:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

Exit mobile version