ترامب وسيف ديموقليدس – مركز الدراسات العربية الأوراسية

في القرن الرابع قبل الميلاد عاش الملك اليوناني ديونيسيوس، وكان يعيش معه حاشية ضخمة، وبين هذه الحاشية كان هناك شخص يُدعى “ديموقليدس”، لا يتورع عن الحديث عن غنى وثراء الملك ديونيسيوس، ومدى الرخاء والراحة اللذين يبدو عليهما. وأراد الملك ديونيسيوس أن ينقل إلى ديموقليدس حجم المعاناة والمسؤولية والضغوط اليومية والقرارات المصيرية التي يتوجب على الملك اتخاذها يوميًا، فسمح له بأن يكون الملك لمدة يوم واحد. وجلس ديموقليدس على عرش من الذهب، وحوله الحاشية والخدم الذين يقدمون له كل وسائل الراحة، إلا أنه عندما رفع رأسه إلى الأعلى وجد “سيفًا” ثقيلاً معلقًا “بشعرة من ذيل حصان”، وهنا شعر ديموقليدس بالرعب والخوف وخطورة الوضع الذي يعيشه الملك، وطلب أن يعود كما كان.

هذه الرواية، التي يحمل جزء كبير منها طابعًا خياليًا، تتشابه مع “الوضع السياسي” للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، فالتعقيدات الداخلية والخارجية التي تحيط بالرئيس الأمريكي نتيجة الحرب في إيران لا تقل خطورة عن وضعية “السيف” الذي كان مسلطًا على الملك ديونيسيوس، لأن سيد البيت الأبيض كان يأمل في دخول حرب “سريعة وخاطفة” ضد إيران، لكن الحرب طالت 39 يومًا، ورغم الزخم الجديد في المفاوضات، والحديث المطول عن اتفاق “الصفحة الواحدة” المطروح حاليًا على الطاولة، فإنه يظل حديثًا عن “اتفاق إطاري” فقط، وأن المفاوضات قد تستمر حتى شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، حين يحل موعد الانتخابات النصفية للكونجرس، الأمر الذي يشكل كارثة انتخابية حقيقية للرئيس ترمب والجمهوريين، حيث بدأت الحاضنة السياسية للحزب، من “حركة ماغا”، والمستقلين “المتأرجحين”، في التراجع بشكل حاد قبل أشهر قليلة من انتخابات الكونجرس، التي ستُجرى يوم الثلاثاء التالي لأول يوم اثنين من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وليس هذا فقط، فالإنتقادات الداخلية من الديمقراطيين وبعض المستقلين تؤرق نوم الرئيس ترمب، لأن إجابات فريقه حول مسار الحرب في إيران لا تقنع الكثيرين منهم، بما فيهم بعض الجمهوريين الذين يرغبون في إنهاء الحرب حتى لا يتحول الشرق الأوسط إلى مستنقع جديد للولايات المتحدة الأمريكية، على غرار الحرب على ما يسمى “الإرهاب”، التي استمرت نحو 20 عامًا.

ولا تقل التحديات الخارجية المرتبطة بالحرب الإيرانية–الأمريكية–الإسرائيلية عن التحديات الداخلية التي تحدق بالرئيس الأمريكي، فمنذ 28 فبراير (شباط) الماضي، عندما اندلعت الحرب في إيران، تراجعت علاقة الولايات المتحدة مع كثير من حلفائها الذين يرفضون الانخراط معها في الحرب، ويعتبرون أنها حرب “ترمب” وليست حرب الاتحاد الأوروبي أو دول حلف شمال الأطلسي “الناتو”. وحتى حلفاء واشنطن الآسيويون، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام والفلبين وأستراليا ونيوزيلندا، يدفعون ثمن هذه الحرب مرتين؛ الأولى من خلال ارتفاع أسعار النفط والغاز، بما أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم ووقوف المستهلكين في طوابير طويلة للحصول على البنزين في كثير من دول شرق وجنوب آسيا، والثانية عندما سحب الجيش الأمريكي مئات الأطنان من الأسلحة والذخائر من المخازن الآسيوية ليستعين بها في الحرب على إيران، وهو ما يخلق ثغرة دفاعية في هذه الدول الحليفة لواشنطن.

فما أبرز الضغوط والتحديات التي يمكن أن تعصف بالرئيس ترمب والجمهوريين بسبب الحرب في الشرق الأوسط؟ وهل يمكن أن ينجو ترمب من “سيف” كل هذه الضغوط التي تزداد وتيرتها مع كل يوم يمر دون الوصول إلى تسوية نهائية في الخليج العربي؟ وإلى أي مدى يمكن أن تتحول الحرب في إيران إلى “سيف ديموقليدس” يطيح بكل إرث ترمب الداخلي والخارجي؟

التحديات الأربعة

يطرح البعض أسئلة عن الأسباب الحقيقية التي تدفع الرئيس الأمريكي للتمسك بالهدنة مع إيران، التي بدأت يوم 8 أبريل (نيسان) الماضي، والتي كان من المفترض أن تستمر أسبوعين فقط، لكنها استمرت أكثر من شهر، وكل المؤشرات تؤكد أنها ستستمر لحين التوافق على خطة مقبولة من الجانبين. كما يثار التساؤل حول أسباب تراجع ترمب عن “مشروع الحرية”، الذي بدأ يوم 3 مايو (أيار) الجاري، وكان الهدف منه فتح مضيق هرمز، قبل أن يتراجع عنه بعد يوم واحد من إطلاقه.

وكل ذلك يؤكد أن الرئيس ترمب “عالق” في هذه الحرب، فهو لا يستطيع الانسحاب منها دون تحقيق “الحد الأدنى” من الأهداف المعلنة، خصوصًا ما يتعلق بالبرنامج النووي وفتح مضيق هرمز، كما لا يستطيع الاستمرار في الحرب بتكلفتها المالية والسياسية والعسكرية والجيوسياسية، وهو ما يفسر تردد الرئيس الأمريكي أو تراجعه عن كثير من الأهداف التي أعلنها في بداية الحرب، مثل تغيير النظام أو حتى تغيير “وجه النظام”. ويتجلى “سيف ديموقليدس” بالنسبة للرئيس ترمب في مجموعة من الأخطار الداخلية والخارجية، وهي:

أولاً – مضيق هرمز

كان مضيق هرمز قبل الحرب مفتوحًا في الاتجاهين، لكن بعد 39 يومًا من الحرب، وإغلاق المضيق من جانب إيران، وفرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، تطرح طهران “مقاربة جديدة” وفق بروتوكول خاص لتشغيل المضيق بعد نهاية الحرب، يسمح لها بفرض رسوم مرور تصل إلى مليوني دولار على كل سفينة تجارية، وهو ما تعتبره وسائل الإعلام المؤيدة للديمقراطيين، مثل “سي إن إن” و”نيويورك تايمز”، فشلًا لحرب ترمب على إيران، نظرًا لأن أقصى طموحات ترمب حاليًا هو فتح المضيق كما كان قبل الحرب.

كما أن عدم تجاوب البيت الأبيض مع مطالب إيران في مضيق هرمز يهدد بالعودة مجددًا إلى الحرب، ولهذا يجد ترمب نفسه “عالقًا” بين رغبته في إنهاء الحرب وفتح المضيق من جانب، وبين الوسائل التي يمكن من خلالها منع إيران من التحكم في المضيق وفرض رسوم على السفن التجارية من جانب آخر.

ثانيًا – الحاضنة السياسية

وصل الرئيس دونالد ترمب والجمهوريون إلى البيت الأبيض، وحصلوا على الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب، والمحكمة الدستورية العليا، بفضل دعم القاعدة العريضة من الطبقة الوسطى التي غازلها ترمب بوعود تتعلق بجودة الحياة، وانخفاض الضرائب، وتوفير الوظائف، وخفض التضخم.

وقبل الحرب في إيران، كان الاقتصاد الأمريكي يسير على المسار الصحيح في ظل تدفق تريليونات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية، وتوفير مئات الآلاف من الوظائف، لكن مع طول أمد الحرب في إيران، و”عدم اليقين” بشأن فتح مضيق هرمز، والارتفاع الحاد في أسعار الغاز والنفط، بدأ المواطن الأمريكي يشكو من زيادة التضخم، خصوصًا أسعار الطاقة والبنزين، بعد أن تجاوز متوسط سعر البنزين 4.5 دولار للجالون الواحد، الذي يساوي نحو 3.8 لتر، ما يعني أنه ثاني أعلى سعر للبنزين في التاريخ الأمريكي.

وكل ذلك يطيح بالسردية التي جاء بها الرئيس ترمب بأنه سيخفض “تكاليف المعيشة” على المواطن الأمريكي، وهو ما دفع كبار المقربين منه إلى نصيحته بالمرونة مع إيران، وعدم تجديد القصف، ومنح باكستان الفرصة الكاملة لتقديم أفكار تساهم في حل النزاع. وتقود سوزي وايلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض، وجي دي فانس، نائب الرئيس، هذا الاتجاه خوفًا من خسارة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، بعد أن أشارت كثير من استطلاعات الرأي إلى تراجع دعم المواطنين للاستمرار في هذه الحرب، التي توصف داخل الولايات المتحدة بأنها “الحرب الأقل شعبية”.

وهو ما يجعل الرئيس ترمب يواجه “معادلة مستحيلة” للجمع بين ضمان الدعم السياسي الداخلي لسياسات الجمهوريين، وبين حاجته للحفاظ على موقف حازم تجاه إيران.

ثالثًا – شبح أوباما

منذ الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية عام 2016، بنى ترمب موقفه من إيران على انتقاد ورفض “اتفاق 5+1″، الذي تم التوصل إليه بين إيران والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا في يوليو (تموز) 2015.

ولهذا، عندما وصل ترمب إلى البيت الأبيض في ولايته الأولى، انسحب من اتفاق يوليو (تموز) 2015 في 8 مايو (أيار) 2018، وفرض في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه أشد العقوبات على إيران، وقام بضرب المنشآت النووية الكبرى في نطنز وفوردو وأصفهان في 22 يونيو (حزيران) العام الماضي ضمن “عملية مطرقة منتصف الليل”، قبل أن يعود ويقصف هذه المفاعلات من جديد في 28 فبراير (شباط) الماضي ضمن عملية “الغضب الملحمي”.

لكن بعد كل ذلك، يخشى ترمب ألا يحصل على أكثر مما حصل عليه أوباما عام 2015، حيث يقول الديمقراطيون إن “اتفاق الورقة الواحدة” المطروح على الطاولة يتضمن حق إيران في التخصيب، رغم استعدادها لتجميد هذا الحق لنحو 12 عامًا، بينما كان الإطار الزمني لاتفاق أوباما 10 سنوات فقط، وهو ما يعني أن الفارق بين ما سيحصل عليه ترمب واتفاق أوباما ليس كبيرًا.

كما ينظر البعض إلى خروج اليورانيوم المخصب بنسبة 60% من إيران باعتباره “ليس إنجازًا” لترمب، بل دليلًا على ضعف رؤيته، حيث رفعت إيران نسبة التخصيب من 3.7% في اتفاق أوباما إلى 60% بعد انسحاب ترمب من الاتفاق عام 2018.

ويعدد الديمقراطيون إخفاق ترمب في تحقيق كل الأهداف التي أعلنها في بداية عملية “الغضب الملحمي”، ومنها إسقاط النظام أو تفكيك إيران أو القضاء التام على برنامجها النووي والصاروخي، ولهذا يروج الديمقراطيون للاتفاق المطروح حاليًا، “الصفحة الواحدة”، باعتباره سيجعل من إيران “مشكلة أكبر” للولايات المتحدة وإسرائيل بعد نهاية الحرب الحالية، وأن تجديد اتفاق أوباما بعد يوليو (تموز) 2025 – لو لم ينسحب منه ترمب عام 2018 – كان سيكون الخيار الأفضل.

وكل ذلك يشكل ضغطًا غير مسبوق على الرئيس ترمب، الذي لا يترك فرصة لتوجيه النقد اللاذع إلى أوباما ونائبه آنذاك جو بايدن.

رابعًا – داعية سلام أم مصاص دماء؟

عندما فاز في الانتخابات الرئاسية الأخيرة يوم 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بفارق كبير على كامالا هاريس، وعد ترمب بأنه سيكون “رئيسًا للسلام”، وسعى للحصول على جائزة نوبل للسلام، لكنه وجد نفسه في العام الأول من حكمه يشن حربًا على إيران ضمن “عملية مطرقة منتصف الليل” في يونيو (حزيران) 2025، وفي يناير (كانون الثاني) 2026 شن حربًا على فنزويلا، وخطف رئيسها وزوجته، وفي 28 فبراير (شباط) الماضي بدأ حربًا لم تنته فصولها بعد مع إيران، مع استعدادات لحرب محتملة مع كوبا.

لذلك، لم يعد الرئيس ترمب قادرًا على تقديم نفسه بوصفه “داعية سلام” أو “رئيسًا للسلام”، بينما يصوره خصومه في الخارج ومنافسوه في الداخل بأنه “يتعطش للحرب” و”مصاص دماء”.

والمؤكد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في موقف لا يُحسد عليه، فهو لا يستطيع الانسحاب من الحرب، كما لا يستطيع إنهاءها بالشروط والأهداف التي بدأ بها. وكل يوم يمر دون نهاية واضحة للحرب تزداد معه وتيرة الغضب الداخلي والخارجي، وهو ما يجعله بالفعل واقعًا تحت حسابات معقدة لا تقل خطورة عن الأخطار التي كان يشكلها “سيف ديموقليدس”.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: eurasiaar.org

تاريخ النشر: 2026-05-09 07:51:00

الكاتب: أيمن سمير

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-05-09 07:51:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

Exit mobile version