“فورين بوليسي”: العالم لا يزال يسأل إيران السؤال الخطأ

يرى رئيس تحرير منصة “الجادة” علي هاشم أنه لا يمكن نوقع النجاح بفرض شروط على إيران كانت ترفضها خلال خمسة قرون من تماسكها السياسي، مضيفا في مقال بمجلة “فورين بوليسي” الأميركية أنّ إيران اتواجه اليوم بناءً على مبدأ القدرة على الاستمرار حتى تصبح واشنطن مضطرّةً لإيجاد مخرج.

في ما يلي الترجمة الكاملة للمقال من “الجادة”:

السؤال الذي نظّم معظم التحليلات الجادّة لإيران خلال نصف القرن الماضي هو: ماذا تريد الجمهورية الإسلامية؟

إنه سؤال منطقي، لكنه ليس السؤال الصحيح، فالجمهورية الإسلامية عمرها 47 عامًا، أما إيران، ككيان سياسي حديث ومتماسك، فعمرها خمسة قرون. إنّ الخلط بين الاثنين أنتج ما يقرب من نصف قرن من السياسات الأميركية الفاشلة، الاتفاقات المنهارة وحربًا لم يتوقّع كثيرون أن تأتي بهذا الشكل.

السؤال الأكثر فائدة هو: ماذا تريد إيران؟ ليس تلك الحكومة، وليس ذلك القائد الأعلى، بل الدولة التي تشكّلت غرائزها الاستراتيجية قبل الثورة بوقت طويل، والتي نجت من كل تغيير في النظام منذ ذلك الحين.
لقد عمل الصفويون، القاجاريون، البهلويون والجمهورية الإسلامية، جميعهم انطلاقًا من الإرث الجغرافي والتاريخي نفسه. تغيّرت الحكومات، لكنّ المنطق لم يتغيّر.

تُحاط الهضبة الإيرانية بجبال زاغروس من الغرب وجبال البرز من الشمال، وتخترقها بعض أكثر الصحارى قسوةً في العالم، وتقع عند تقاطع آسيا الوسطى وجنوب آسيا والشرق الأوسط. كل إمبراطورية برية كبرى كان عليها أن تتعامل معها، وكل قوة بحرية تطمح إلى النفوذ في المحيط الهندي كان عليها أن تحسب حساب المضيق الواقع في طرفها الجنوبي.
لقد أنتجت هذه الجغرافيا درسًا ثابتًا عبر السلالات الحاكمة: لا يمكنك تأمين الداخل عبر الدفاع عن الداخل فقط. الحكّام الذين حصروا استراتيجيّتهم داخل الهضبة انتهى بهم الأمر إلى خسارة أجزاء منها، أما الذين اتجهوا إلى الخارج، والذين حوّلوا الهضبة من هدف إلى مركز، فقد كانوا الأكثر قدرة على الاستمرار.
هرمز هو المكان الذي يصبح فيه هذا المنطق أكثر وضوحًا في الحاضر. يمرّ عبر ذلك المضيق نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. وعندما تحرّكت إيران لتقييد المرور في بداية حرب 2026، تفاعلت أسواق الطاقة قبل أن يتم إيقاف ناقلة نفط واحدة. فدولة لا تمتلك أسلحة نووية ولا تملك جيشًا تقليديًا قادرًا على مجاراة الولايات المتحدة، ما تزال قادرة على تحريك الأسواق العالمية بسبب موقعها الجغرافي. هذا إرث جغرافي، ولا ينهار بتغيّر الحكومة.

ثلاث قناعات تمرّ عبر السلوك الاستراتيجي الإيراني بغض النظر عمّن يمسك بالسلطة.

الأولى، هي أنّ الضعف يدعو إلى التدخّل. لقد جرّدت معاهدة غلستان عام 1813 ومعاهدة تركمانتشاي عام 1828 إيران من أراضيها في القوقاز، كما أنّ الاتفاقية الأنغلو – روسية لعام 1907 قسّمت البلاد إلى مناطق نفوذ من دون استشارة المسؤولين الإيرانيين.
ومنذ ذلك الحين، قرأت كل حكومة تلك الأحداث باعتبارها تحذيرًا بنيويًا: الدولة التي لا تستطيع إظهار الردع ستجد سيادتها تُدار من الخارج. والبرنامج النووي، الشبكة الإقليمية وترسانة الصواريخ، كلها — على مستوى معيّن — تمثل استجابة لذلك التحذير.

القناعة الثانية هي أنّ السيادة ليست قابلة للتفاوض. لقد كانت ثورة التبغ في أوائل تسعينيات القرن التاسع عشر، وتأميم شركة النفط الأنغلو – إيرانية عام 1951، ليستا حدثَيْن منفصلَيْن، بل كانتا الانعكاس ذاته في حقبتَيْن مختلفتَيْن.
وقد التقطت برقية دبلوماسية أميركية عام 1976، عندما كان سفير الولايات المتحدة لدى إيران هو ريتشارد هيلمز يقدّم إحاطة إلى هنري كسنجر هذه الفكرة بدقّة: التوتّر النووي موجود بسبب “رفض إيران القبول بأي تدخل خارجي قد ينتقص من سيادتها”. وكانت هذه الجملة لتناسب بالقدر نفسه كل رسالة أُرسلت خلال المفاوضات النووية في أعوام 2015، 2021 و2026.

أما القناعة الثالثة، وهي الأكثر تقليلًا من شأنها باستمرار: فإيران لا تنظر إلى نفسها بوصفها قوة إقليمية. غالبًا ما تُؤطّر ثورة 1979 ضمن إطار إقليمي: تمكين الحركات السياسية الشيعية، إعادة تنظيم أمن الخليج وظهور الإسلام السياسي كقوة حاكمة.
لكنّ التأثير من الدرجة الأولى كان عالميًا. ففي عام واحد، انتقلت إيران من كونها أحد أهمّ الشركاء الاستراتيجيين لواشنطن إلى دولة تسعى إلى طريق ثالث بين القوّتَيْن العظميَيْن. لقد غيّرت أزمة الرهائن السياسة الداخلية الأميركية لجيل كامل. كما جذبت الحرب الإيرانية – العراقية أجهزة الاستخبارات وصناعات السلاح لدى القوّتَيْن العظميَيْن ومعظم أوروبا. ووصلت طائرات شاهد الإيرانية المسيّرة إلى حرب أوروبية. أما صراع 2026، فقد حرّك أسواق الطاقة العالمية، وعطّل تأمين الشحن عبر عدة مسارات بحرية، وفرض إعادة حسابات في كل اقتصاد يعتمد على نفط الخليج — أي معظمها.

وقال القائد الأعلى الأسبق آية الله روح الله الخميني إنه سيصدّر الثورة إلى الجهات الأربع للعالم. وكان يعني ما قاله.
توضح ملاحظتان، يفصل بينهما نصف قرن، هذا الاستمرار بجلاء. جاءت الأولى من العقيد مجتبى باشايي، رئيس مديرية الشرق الأوسط في جهاز الشرطة السرية الإيرانية في ستينيّات القرن الماضي، وهو يشرح سبب دعم الشاه للأحزاب في لبنان:
“يجب أن نكافح ونحتوي هذا التهديد (الناصرية) على الساحل الشرقي للبحر المتوسط لمنع إراقة الدماء على الأراضي الإيرانية”.

أما الثانية، فجاءت من القائد الأعلى السابق علي خامنئي في كانون الثاني/ يناير 2016، خلال حديثه إلى عائلات الجنود الذين قُتلوا في سوريا والعراق:
“لو أنهم لم يذهبوا لقتال العدو هناك، لكان العدو قد جاء إلى داخل البلاد، ولكنّا اضطررنا إلى قتاله في كرمانشاه وهمدان”.

المنطق واحد تمامًا. الحكومات فقط هي التي لم تكن كذلك.

بدا التوجّه الغربي للشاه، من الخارج، وكأنه خروج عن هذا النمط، لكنه لم يكن كذلك، فقد سعى إلى امتلاك القدرة النووية بالمنطق نفسه الذي تتبعه الجمهورية الإسلامية. وسعى إلى الشراكة العسكرية مع إسرائيل. وعندما ضغطت واشنطن من أجل ضمانات نووية تتضمّن إشرافًا خارجيًا، قاوم ذلك — ليس بدافع أيديولوجي، بل لأنّ قبول مثل هذا الإشراف كان سيؤكّد وضعًا تابعًا لم يتمكّن أي حاكم إيراني عبر أي قرن من قبوله.
النمط نفسه ظاهر الآن. ففي محادثات باكستان، أوضح القائد الأعلى مجتبى خامنئي للمسؤولين الموجودين في القاعة إنّ إيران لن تتفاوض وفق شروط يضعها الآخرون.

دخلت واشنطن وتل أبيب حرب 2026 وهما تريدان شيئًا محدودًا: الضغط على البرنامج النووي، الصواريخ والشبكة الإقليمية، لكنّ إيران وسّعت إطار المواجهة. وعندما بلغ الضغط العسكري حدًّا معينًا، أغلقت طهران مضيق هرمز، محوّلةً المواجهة إلى أزمة اقتصادية عالمية. في كل مرّة تضع فيها واشنطن قواعد اللعبة، تغيّر طهران أرضية اللعب نفسها.
العقوبات الشاملة، العقوبات الموجّهة، حملات الاغتيال، الحرب السيبرانية، دعم الوكلاء والعمل العسكري المباشر — كل هذه الوسائل جرى استخدامها، ولم يُنتِج أيٌّ منها التحوّل الاستراتيجي الذي وعد به. بل إنها، وبثبات ينبغي اعتباره بحدّ ذاته مؤشّرًا، أنتجت تسارعًا في نواحٍ عدّة: تطويرًا نوويًا أسرع، شبكة إقليمية أعمق ونظامًا سياسيًا أكثر تماسكًا.

خطاب “محور الشر” عام 2002 هو أوضح دراسة حالة. ففي الأشهر التي أعقبت 11 أيلول/ سبتمبر، تعاونت طهران بشأن أفغانستان، وشاركت في مؤتمر بون عن المستقبل السياسي للبلاد، وفتحت قنوات غير مباشرة مع واشنطن.
وقد تحمّل التيّار الإصلاحي المحيط بالرئيس محمد خاتمي مخاطر سياسية داخلية حقيقية في سبيل ذلك. وكان المسؤولون الإيرانيون يعتقدون بأنهم مدّوا يدًا، وبأنّ المعاملة بالمثل ممكنة.
وقد أظهرت أبحاثي الخاصة عن هذه المرحلة في رويال هولواي روايات متّسقة تصف خطاب الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش بعبارات مشابهة لما قاله وزير الخارجية البريطاني السابق جاك سترو: “صفعة على الوجه مقابل المخاطر التي خاضوها”.
وفي وقت لاحق، وصف وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف كيف تحوّلت “سياسة التعاون” إلى “سياسة مواجهة” خلال أيام.

ما تلا ذلك كان متوقّعًا بنيويًا. لم تهتز قناعة خامنئي بأنّ هدف واشنطن هو تغيير النظام وليس التعايش معه، بل تأكدت. تسارع البرنامج النووي، تعمّقت الشبكة الإقليمية، واتسعت بنية الردع، ليس لأنّ المتشدّدين استغلّوا اللحظة، بل لأنّ المنطق الأساسي عاد ليفرض نفسه بمجرّد أن تُرك العرض من دون رد.
السلوك الذي يتعرّض للضغط ليس أيديولوجيًا في المقام الأول؛ إنه استراتيجي. إنّ مطالبة إيران بتفكيك بنية الردع الخاصة بها ليست مطالبة للجمهورية الإسلامية بالاعتدال؛ بل هي مطالبة لإيران بقبول الحالة التي ترى خمسة قرون من الخبرة أنها الحالة التي تنبع منها الكوارث.
ولا يمكن لأي حكومة إيرانية أن تقدّم ذلك، لأن تقديمه سيؤكد الدرس الأساسي: الضعف يدعو إلى التدخّل. وبالتالي، فإنّ الضغط الذي يُراد منه إنتاج تنازل، ينتج بدلًا من ذلك السلوك الذي صُمّم لإيقافه.

أمضى هنري كيسنجر سنوات يدير حرب فيتنام قبل أن يستنتج أن الفيتناميين الشماليين كانوا يقاتلون من أجل شيء مختلف تمامًا عما افترضه: الوقت، القدرة على التحمّل والتآكل التدريجي للإرادة السياسية الأميركية.
وطهران تعمل بالمنطق نفسه، فإيران لا تحاول الفوز بهذه الجولة، إنها تحاول أن تبقى قادرة على الاستمرار عندما تصبح الولايات المتحدة بحاجة إلى مخرج.
لم يكن خطأ كيسنجر في فيتنام هو التصعيد، بل افتراضه أنّ الطرف الآخر يشارك تعريفه للنصر. وتواجِهُ إدارة ترامب الآن المأزق نفسه: فهي لا تستطيع إنهاء الحرب بشروط يمكنها الدفاع عنها داخليًا، ولا تستطيع الخروج منها من دون إطار ترفض طهران حاليًا تقديمه.
وكلّما طال أمد المواجهة، انتشر الألم خارج إيران: إلى أسواق النفط، الشحن، سلاسل الإمداد والاقتصادات المعتمدة على استقرار الخليج. فهرمز لا يؤذي إيران وحدها.

إنّ خطر الانتشار النووي حقيقي، كما أنّ الشبكة الإقليمية أنتجت عنفًا حقيقيًا، لكن تصحيحًا تحليليًا لا يُلغي هذه المخاوف؛ بل يغيّر فقط الشروط التي يمكن معالجتها من خلالها.
إنّ ترتيبًا يوفّر ضمانات أمنية حقيقية، ويتعامل مع إيران باعتبارها طرفًا يملك مصالح ردع مشروعة لا مجرّد مشكلة ينبغي إدارتها، ولا يتطلّب من طهران قبول وضع تابع يجعل تاريخها ذلك مستحيلًا من الناحية البنيوية — مثل هذا الترتيب لديه فرصة للاستمرار.
أما الترتيب الذي يطلب من إيران قبول شروط رفضتها في كل قرن من تاريخها الحديث، فلن ينجح، بغض النظر عن الحكومة الموجودة في السلطة؛ لأن أي حكومة إيرانية لا تستطيع تقديم ما يمنعه منطقها الاستراتيجي الخاص.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: aljadah.media

تاريخ النشر: 2026-05-20 01:08:00

الكاتب: علي هاشم

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
aljadah.media
بتاريخ: 2026-05-20 01:08:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

Exit mobile version