في اللحظة التي حاول فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تسويق الاتفاق المحتمل مع إيران بوصفه مخرجا من حرب مكلفة، بدأ الاتفاق يشقّ صفوف معسكره، إذ يرى الصقور الجمهوريون الذين دفعوا نحو الحرب أو أيدوا أهدافها في التسوية المرتقبة خطرا مزدوجا، بأن تمنح طهران وقتا تلتقط فيه أنفاسها، ومالا يخفف أزماتها، ونفوذا متجددا في مضيق هرمز، قبل أن تقدم أي تنازل حاسم في الملف النووي.
وتكشف تغطيات أمريكية أن جوهر الخلاف داخل واشنطن لا يتعلق بالاتفاق من حيث المبدأ، بل بما إذا كان سيحوّل كلفة الحرب إلى مكسب سياسي واضح، أم يبدد ما حصلت عليه الولايات المتحدة من ضغط عسكري واقتصادي قبل أن تُحسم ملفات هرمز والتخصيب والعقوبات.
اقرأ أيضا
قائمة من 3 عناصرنهاية القائمةوتحدث مسؤولون أمريكيون وإيرانيون -حسب صحيفة نيويورك تايمز– عن إطار ناشئ قد يعيد فتح مضيق هرمز، على أن تبدأ بعده مفاوضات بشأن الملف النووي خلال فترة لاحقة، وتقول واشنطن إن إيران قد تلتزم بالتخلص من اليورانيوم عالي التخصيب، في حين يشير مسؤولون إيرانيون إلى أن القضايا النووية ستُبحث خلال 30 أو 60 يوما، لا ضمن الاتفاق الأولي نفسه.
اتفاق يؤجل العقد الكبرى
وتبدو الصيغة المطروحة في ظاهرها محاولة لصناعة تهدئة واسعة، كوقف الحرب، وتخفيف التوتر في هرمز، ثم ترحيل العقد النووية إلى طاولة لاحقة، لكن جوهر الخلاف يكمن في ترتيب الخطوات، إذ يخشى الصقور في واشنطن أن يؤدي وقف الضغط أولا، إلى إضعاف قدرة الولايات المتحدة على انتزاع تنازلات لاحقا، بينما يرى ترمب أن فتح نافذة تفاوضية هو الطريق الأسرع لخفض كلفة الحرب واستعادة زمام المبادرة.
وتقول مجلة نيوزويك إن التسريبات المتعلقة بالاتفاق تتحدث عن وقف طويل لإطلاق النار، وفترة تفاوض قد تمتد إلى 60 يوما لمعالجة الملف النووي، مع بحث إعادة فتح مضيق هرمز الذي تراجعت حركة السفن فيه بشدة منذ بداية الحرب.
كما نقلت المجلة عن تقارير أمريكية أن الإطار قد يسمح لإيران ببيع النفط من دون قيود خلال فترة الهدنة، وهو ما أثار اعتراضات واسعة بين الجمهوريين المتشددين.
أما إيران -وفق ما نقلته نيوزويك عن وسائل إعلام إيرانية- فتشكك في رواية ترمب عن قرب اكتمال الاتفاق، إذ أكدت تقارير إيرانية أن مضيق هرمز سيبقى من وجهة نظر طهران، تحت سيادة الجمهورية الإسلامية وتصرفها، وأن الملف النووي ليس جزءا محسوما من الاتفاق الأولي، بل سيُبحث في مفاوضات لاحقة.
وبهذا المعنى، يقرأ كل طرف الإطار من زاوية مختلفة، فتراه واشنطن بداية نهاية الحرب، وتراه طهران مسارا يحفظ أوراقها قبل أي تنازل جوهري.
اعتراض من قلب المعسكر
ومن اللافت أن أشد الانتقادات لم تصدر عن الديمقراطيين وحدهم، بل جاءت من داخل الحزب الجمهوري نفسه، فبحسب نيويورك تايمز، شكك عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين في جدوى الاتفاق، معتبرين أنه قد يقوّض أهداف الحرب التي أعلنها ترمب.
وقال السيناتور توم تيليس إن تعهد إيران بإعادة فتح هرمز يبدو موضع شك ما لم يُنجز اتفاق سلام نهائي، بينما وصف روجر ويكر، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، فكرة وقف إطلاق نار 60 يوما مع الرهان على حسن نية إيران بأنها “كارثة”.
أما ليندسي غراهام، أحد أقرب حلفاء ترمب وأكثر المدافعين عن الحرب، فحذر من أن عقد اتفاق الآن قد يعطي انطباعا بأن واشنطن تعترف بإيران قوة مهيمنة تحتاج إلى حل دبلوماسي، واصفا ذلك بأنه “كابوس لإسرائيل”، وذهب تيد كروز أبعد، معتبرا أن أي تسوية تُبقي لإيران السيطرة على هرمز والقدرة على تخصيب اليورانيوم ستكون “خطأ كارثيا”.
وكشف هذا الاعتراض مأزق ترمب داخل حزبه، لأن الرئيس الذي خاض الحرب تحت شعار منع إيران من امتلاك السلاح النووي يجد نفسه الآن مضطرا للدفاع عن اتفاق لم تظهر شروطه النهائية بعد، في حين يطالبه حلفاؤه بإثبات أن الحرب لم تنتهِ إلى نسخة مخففة من تسوية كان هو نفسه قد مزقها في ولايته الأولى.
هاجس إنقاذ طهران
أشارت افتتاحية صحيفة وول ستريت جورنال إلى قلب القلق الجمهوري، فقالت إن الحرب حققت مكاسب عسكرية، خصوصًا بعد ضرب منشآت مثل فوردو ونطنز وأصفهان، لكنها ترى أن “المهمة لم تنجز” بعد، وأن وقف الضغط قبل تفكيك البرنامج النووي قد يحول مكاسب الحرب إلى انتكاسة إستراتيجية.
وحذرت الافتتاحية من أن إعادة فتح هرمز وخفض أسعار النفط قد يريحان الأسواق، لكنهما يمنحان إيران أيضا فرصة اقتصادية قبل أن تقدم التنازلات المطلوبة، كما ترى أن ترك مسألة إزالة اليورانيوم عالي التخصيب أو خفض نسبته إلى مفاوضات لاحقة يفتح باب المماطلة، لاسيما إذا احتفظت طهران بكميات من اليورانيوم المخصب بنسب أدنى يمكن رفعها لاحقا إلى مستوى عسكري.
وفي قراءة الصحيفة، لا تكمن الخطورة في اتفاق ضعيف فحسب، بل في أن يتحول إلى “إنقاذ اقتصادي” للنظام الإيراني. فهي تقول إن طهران دخلت الحرب وهي تواجه أزمات سياسية واقتصادية داخلية، وإن تخفيف العقوبات أو السماح بعودة النفط الآن قد يكون في نظرها، تنازلا مجانيا يطيل عمر النظام بدل أن يقيّد سلوكه.
ترمب يدافع عن صفقته
في مواجهة هذا الضغط، اختار ترمب الهجوم، ورفض -حسب نيوزويك- المقارنات بين الاتفاق الجاري واتفاق أوباما النووي، وكتب على منصته أن ما يفاوض عليه هو “العكس تماما” من اتفاق 2015، وقال إن منتقديه لا يعرفون شيئا عن اتفاق لم يُستكمل بعد، مؤكدا أنه لا يصنع “صفقات سيئة”.
وتقول نيويورك تايمز إن ترمب رد كذلك على منتقديه الجمهوريين بوصفهم “خاسرين” ينتقدون ما لا يعرفونه، في محاولة لاستعادة زمام السرد داخل حزبه، بعد أن وجد دعما حذرا من بعض الجمهوريين، مثل رئيس مجلس النواب مايك جونسون، الذي قال إنه واثق بأن الاتفاق سيعالج ما يسميه ترمب “الغبار النووي”, ومن راند بول الذي دعا منتقدي الرئيس إلى منحه مساحة لإيجاد حل ينسجم مع شعار “أمريكا أولا”.
لكن دفاع ترمب لا يلغي التناقض السياسي، فهو يحتاج إلى اتفاق يخفض أسعار الطاقة ويفتح هرمز، ويمنحه صورة الزعيم الذي أنهى الحرب، وهو يحتاج في الوقت نفسه إلى إقناع قاعدة صقورية بأن الاتفاق لا يمنح إيران فرصة للتعافي بعد حرب لم تُحدث تغييرا حاسما في سلوك النظام.
مخرج اضطراري
ويقدم الكاتب ديفيد إغناتيوس في صحيفة واشنطن بوست قراءة أكثر براغماتية، يرى فيها أن ترمب يقترب من “مخرج” من الحرب، لكنه مخرج يقوم على رهان بعيد، وهو أن تختار القيادة الإيرانية “المنقسمة” -حسب وصفه- مسار التحديث والازدهار بعد الحرب بدل استمرار الصدام مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ولا يحقق الإطار المقترح –في رأيه- الاستسلام الذي أراده ترمب عند بدء الحرب، لكنه قد يكون الخيار العملي الوحيد المتبقي أمامه.
وبحسب إغناتيوس، يشمل الاتفاق وقف الأعمال العدائية، وإطلاق أموال مجمدة، ورفعا تدريجيا للعقوبات، مقابل فتح هرمز فورا ومن دون رسوم، وتعهدا إيرانيا بعدم السعي إلى سلاح نووي.
أما التفاصيل الحاسمة، مثل مصير اليورانيوم عالي التخصيب وحق التخصيب، فستبقى موضع تفاوض خلال 60 يوما، تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ويرى إغناتيوس أن استئناف الضربات لفرض شروط أقسى قد لا يكون خيارا واقعيا بسبب مخاطره على الاقتصاد العالمي وحظوظ ترمب السياسية.
ونقل الكاتب عن مصدر شارك في التخطيط للحرب قوله إن واشنطن تستطيع “قصف أي شيء”، لكن السؤال هو ما الذي يمكن فعله لتغيير حسابات إيران فعلا، وهكذا يصبح الاتفاق مقامرة، لكنها ربما أقل كلفة من حرب بلا نهاية واضحة.
إيران تقرأ الاتفاق بطريقتها
في هذا السياق، أشارت نيوزويك إلى أن طهران تتعامل بحذر مع تفاؤل ترمب، فهي تنفي -عبر مصادر نقلتها وسائل إعلام- أنها التزمت بتسليم اليورانيوم عالي التخصيب، وتقول إن الملف النووي سيُبحث في الاتفاق النهائي لا في الإطار الحالي، كما يؤكد مسؤولون إيرانيون أنهم يسعون إلى “السلام بقوة”، ويدافعون عن وحدة إيران واستقلالها وحقوقها.
هذا الموقف يوضح أن الاتفاق إن وُلد، لن يكون إعلان استسلام إيراني، لأن طهران تريد إنهاء الحرب ورفع بعض الضغوط، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى تثبيت سيطرتها على هرمز وحقها في برنامج نووي تقول إنه لأغراض مدنية.
وفي المقابل، تريد واشنطن فتح المضيق وتهدئة أسعار النفط والحصول على تعهدات نووية يمكن تسويقها داخليا.
وقد يبدو الاتفاق المحتمل مع إيران أقل من نصر أمريكي مكتمل، وأكثر من هدنة سياسية كبرى تُقاس بقوة شروطها اللاحقة لا بعناوينها الأولى، وإذا نجح ترمب في إخراج اليورانيوم عالي التخصيب، وتقييد التخصيب، وفتح هرمز بلا شروط، فسيقدم ذلك بوصفه انتصارا لا يشبه اتفاق أوباما، أما إذا اكتفى بوقف الحرب وتخفيف الضغط وتأجيل الملف النووي، فسيبدو في أعين خصومه وحلفائه الجمهوريين، وكأنه منح طهران طوق نجاة بعد حرب أرادها حاسمة.
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.aljazeera.net بتاريخ: 2026-05-25 21:27:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
