كيف حصلت الصين على مقاتلة J-20؟ البنتاغون الأمريكي: الصين أخفت الأمر عن العالم لمدة 15 عامًا

موقع الدفاع العربي – 27 مايو 2026: في 11 يناير 2011، وفي فترة ما بعد الظهر، كانت إحدى القواعد الجوية في مدينة تشنغدو تشهد لحظة غير عادية: مقاتلة سوداء الطلاء تقلع على المدرج، تتسارع، ترتفع في السماء ثم تختفي داخل الغيوم. كانت تلك أول رحلة علنية لما سيُعرف لاحقًا باسم “تشينغدو جي-20” (Chengdu J-20).

في التوقيت نفسه، كان وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس حينها جالسًا في بكين على طاولة مفاوضات رسمية. فقبل عامين فقط، كان قد أكد أمام الكونغرس الأمريكي بثقة أن الصين لن تكون قادرة على إنتاج مقاتلة شبحية من الجيل الخامس قبل عام 2020. لكن تلك العبارة سقطت عمليًا في يوم زيارته للصين، بعدما ظهرت المقاتلة بالفعل.

ورغم الصدمة السياسية والإعلامية، فإن الأمر لم يكن مجرد “فشل تقدير شخصي”، بل كان انعكاسًا لاختلال أوسع في منظومة التقييم الاستخباراتي الأمريكية نفسها.

فالولايات المتحدة كانت تعتمد في تتبع البرامج العسكرية على مؤشرات تقليدية: حرارة المدارج، نقل الأجزاء الضخمة في العراء، وحركة المعدات والأفراد داخل مصانع التجميع. هذا النموذج كان ناجحًا مع الاتحاد السوفيتي، لأن منشآته كانت مكشوفة نسبيًا، والطائرات تُرصد بسهولة من الأقمار الصناعية.

لكن هذا المنطق لم يعد فعالًا مع الصين. ففي مجمعات شركة “تشينغدو للطائرات”، كانت اختبارات الديناميكا الهوائية تُجرى داخل منشآت مغلقة، واختبارات الرادار داخل غرف معزولة، وتجارب المواد في مختبرات سرية، وحتى تحركات الطائرات على المدرج كانت تتم ليلًا. النتيجة: مدارج “نظيفة” لا تكشف شيئًا تقريبًا. وعلى مدار سنوات طويلة، راقبت الأقمار الصناعية الأمريكية هذه المنشآت دون أن تلتقط أي مؤشر حاسم.

لم تكن صدمة أول طيران للمقاتلة محصورة في الإحراج الذي أصاب واشنطن فحسب، بل امتدت آثارها بشكل مباشر إلى آسيا. ففي اليابان، عُقد اجتماع طارئ في الليلة ذاتها، وهو ما ساهم في تسريع حسم قرار اقتناء مقاتلات إف-35، بعدما كان النقاش الداخلي لا يزال يدور حول كلفة الصفقة. وقد عكست هذه التطورات رسالة واضحة مفادها أن ظهور المقاتلة الصينية أحدث تأثيرًا فوريًا على مستوى الردع النفسي والاستراتيجي في المنطقة.

لكن السؤال الأساسي الذي طُرح بقوة كان: كيف وقعت أجهزة الاستخبارات الأمريكية في هذا الخطأ بهذا الحجم؟

يرتبط الجواب بفرضية أساسية كانت خاطئة، مفادها أن الصين ليست سوى دولة تقوم بتقليد التكنولوجيا السوفيتية. وبناءً على هذا التصور، جرى توظيف نفس أدوات وأساليب المراقبة التي استُخدمت سابقًا مع الاتحاد السوفيتي، وكأن البيئة الاستراتيجية واحدة دون اختلاف. غير أن هذا النهج كان غير ملائم للواقع، إذ يمكن تشبيهه باستخدام شبكة مخصصة لصيد الحيتان من أجل اصطياد أسماك صغيرة؛ شبكة ضخمة من حيث الحجم، لكنها ضعيفة الجدوى أمام هدف مختلف تمامًا.

طائرة J-20 شبحية صينية تحلق في وضع الوحش بثمانية صواريخ جو-جو بعيدة المدى. عبر موقع “إكس” (تويتر سابقاً)

وفي مستوى أعمق، كانت تسعينيات القرن الماضي قد رسخت داخل دوائر القرار الأمريكية قناعة بأن الانفتاح الاقتصادي سيجعل الصين تتطور في الاتجاه الذي تريده واشنطن. هذا التفاؤل انعكس حتى على التقديرات الاستخباراتية، ما أدى إلى تقليل تقدير سرعة التطور الصيني. وفي هذا السياق جاءت عبارة غيتس الشهيرة: “لن تمتلك الصين مقاتلة من الجيل الخامس قبل 2020”.

للعودة إلى جذور البرنامج، يجب الرجوع إلى مشروع سابق لم يكتمل. ففي عام 1965 أطلقت الصين مشروع المقاتلة “J-9” في مصنع تشنغدو، واستمر لمدة 15 عامًا، مع ثلاث محاولات إطلاق وإيقاف، وتغييرات متكررة في المواصفات. في النهاية، لم يصل المشروع إلى إنتاج عملي، لكنه ترك خلفه خلاصة تقنية مهمة.

تضمنت تلك الخلاصة ثلاث ركائز أساسية: أولها أن تكوين الجناح المزدوج الأمامي (الدلتا مع الكانارد) يمتلك إمكانات ديناميكية واعدة، وثانيها أن اعتماد الحوسبة الرقمية في عمليات التصميم أصبح ضرورة حاسمة، وثالثها أن عملية اتخاذ القرار داخل برامج التطوير يجب أن تكون أكثر انضباطًا وصرامة بدل السماح بتغييرات متكررة وغير منهجية من الجهات المتعاقدة. ورغم أن المشروع انتهى بالفشل، فإن هذه الدروس لم تُهدر، بل تحولت لاحقًا إلى أساس غير مباشر شكّل أحد المكونات الفكرية والتقنية التي بُنيت عليها لاحقًا مقاتلة J-20 بعد نحو أربعة عقود.

تصميم الكانارد، أي الأسطح الصغيرة أمام الجناح الرئيسي، كان من الأفكار التي لم تكن مفهومة بالكامل عالميًا في ذلك الوقت. ورغم أن مشروع J-9 لم ينجح، فإن شركة تشنغدو عمّقت فهمها للديناميكا الهوائية الخاصة به بشكل كبير، وهو رصيد معرفي لم يكن متاحًا بسهولة للآخرين.

مقاتلة الشبح J-20 التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني. مصدر الصورة: الإنترنت الصيني

المصمم الرئيسي لمقاتلة J-20 هو يانغ وي، الذي التحق بالجامعة في سن الخامسة عشرة، غير أنه لم يتمكن من الالتحاق بمجال الطيران العسكري بسبب ضعف في القدرة على تمييز الألوان، ما دفعه إلى التخصص في هندسة الديناميكا الهوائية.

لاحقًا، وبعد انضمامه إلى شركة تشنغدو، اتخذ قرارًا حاسمًا تمثل في التخلي عن أساليب الرسم الثنائية التقليدية والتحول بالكامل إلى منظومة التصميم ثلاثي الأبعاد المعتمد على النمذجة الرقمية.

ورغم وجود اعتراضات واسعة واعتبار هذه الخطوة مخاطرة كبيرة، فإن منطقه كان يقوم على فكرة أن اللحاق بالتقدم الغربي باستخدام أدوات تقليدية لم يعد ممكنًا، وأن تحقيق قفزة نوعية يتطلب تغييرًا جذريًا في منهجية العمل نفسها.

لكن هذا التحول أنتج نتيجة غير متوقعة؛ إذ أصبحت جميع بيانات المشروع مخزنة داخل أنظمة رقمية مغلقة ومحكمة، ما جعل أساليب التجسس التقليدية—مثل سرقة المخططات أو تصوير الرسومات—غير فعالة عمليًا داخل بيئة تطوير J-20.

على مستوى الديناميكا الهوائية، اتبعت J-20 مسارًا غير تقليدي، حيث تتداخل تدفقات الهواء بين جسم الطائرة، والحواف الجانبية، والكانارد بطريقة معقدة ترفع كفاءة الرفع بشكل كبير، تصل إلى نحو 80% مقارنة بالتصاميم التقليدية. هذا التكوين أُطلق عليه لاحقًا “تصميم الكانارد والدلتا ذي الهيكل الرافع”، وتم الاعتراف به رسميًا كابتكار “أول من نوعه عالميًا”.

ومن التفاصيل التقنية المهمة أيضًا، أن مقاتلة F-22 عند إطلاق صواريخها في الاشتباك القريب تحتاج إلى فتح أبواب الحاضنة، ما يقلل من بصمتها الشبحية مؤقتًا. بينما تعتمد J-20 على حاضنة جانبية ذات آلية دوارة، تتيح إطلاق الصاروخ ثم إغلاق الباب فورًا، مما يحافظ على البصمة المنخفضة طوال العملية.

أما المحرك، فقد كان العقدة الأصعب. في البداية، اعتمدت J-20 على محركات روسية مؤقتة، وهو ما دفع بعض المراقبين الغربيين لوصفها بأنها “جسم جيل خامس بقلب من الجيل الثالث”. لم يكن هذا التوصيف دقيقًا بالكامل، لكنه لم يكن بعيدًا عن الواقع في تلك المرحلة.

طائرة J-20A محسّنة تعمل بمحرك Ws-15 محلي الصنع (عبر X)

محركات الدفع الصينية الثقيلة كانت قيد التطوير منذ ستينيات القرن الماضي، لكنها واجهت إخفاقات متكررة وتوقف مشاريع وانقطاع خبرات. إلى أن تمكّن برنامج “WS-15” من الوصول إلى مرحلة النضج، ودخل الخدمة في 2023، بقوة دفع تتجاوز 18 طنًا، ما جعل الصين واحدة من ثلاث دول فقط قادرة على إنتاج هذا المستوى من المحركات بشكل مستقل.

هناك تفصيل زمني لافت: أول طيران لـJ-20 كان في 11 يناير 2011، بينما آخر طائرة من طراز F-22 خرجت من خط الإنتاج في ديسمبر 2011، أي بعد 11 شهرًا تقريبًا من ذلك الحدث. أي أن الولايات المتحدة كانت قد شاهدت بالفعل المقاتلة الصينية، لكنها استمرت في إغلاق خط إنتاج F-22.

السبب لم يكن جهلًا بالتهديد، بل تقديرًا بأن التفوق التكنولوجي الأمريكي لا يزال كافيًا للحفاظ على الفجوة، إضافة إلى التكلفة المرتفعة جدًا لإنتاج F-22 التي وصلت إلى 3 إلى 4 مليارات دولار للطائرة، ما جعل الكونغرس غير راغب في استمرار التمويل.

إغلاق خط الإنتاج كان قرارًا نهائيًا. فشبكة الموردين التي تضم أكثر من 4000 شركة تفككت، وتحولت خطوط الإنتاج إلى مشاريع أخرى، وتكلفة إعادة التشغيل لاحقًا قُدرت بأكثر من 500 مليار دولار، ما جعل العودة إلى البرنامج شبه مستحيلة.

في المقابل، سارت الصين في الاتجاه المعاكس تمامًا. تم نقل خط إنتاج J-10 إلى منشآت أخرى في قويتشو، لتوفير القدرة الصناعية الكاملة لـJ-20. وارتفع الإنتاج تدريجيًا من نحو 20 طائرة سنويًا في البداية إلى أكثر من 100 طائرة سنويًا لاحقًا. واليوم، تجاوز عدد الطائرات العاملة فعليًا إجمالي إنتاج F-22 التاريخي، مع استمرار الزيادة.

وفي عام 2016، أنشأت الصين كيانًا مستقلًا لصناعة محركات الطائرات، يفصل هذا القطاع عن هيكل تصنيع الطائرات، بهدف معالجة الاختناقات التاريخية في تطوير المحركات، وهو قرار كان له تأثير مباشر على تسريع جاهزية WS-15.

في النهاية لا تبدو الإجابة معقدة، إذ توقفت الولايات المتحدة عند نقطة معينة، بينما واصلت الصين مسار التراكم. فقد اعتمدت واشنطن على منطق السوق والتكلفة والربحية، ما أدى إلى إيقاف برنامج مكلف بعد إنتاج 187 طائرة.

في المقابل، تحركت الصين بدافع منطق مختلف تمامًا، تشكل عبر عقود من الضغوط والأزمات العسكرية والسياسية، بدءًا من أزمة مضيق تايوان عام 1996، مرورًا بقصف السفارة الصينية في 1999…

وفي هذا السياق لم تكن J-20 مجرد مشروع عسكري، بل كانت نتاج مسار طويل من الذاكرة الاستراتيجية والتراكم الصناعي.


■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: www.defense-arabic.com

تاريخ النشر: 2026-05-27 11:44:00

الكاتب: نور الدين

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.defense-arabic.com بتاريخ: 2026-05-27 11:44:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

Exit mobile version