موقع الدفاع العربي – 29 مايو 2026: تداولت مصادر روسية في 15 مايو، معلومات تفيد بأن مقاتلة روسية من طراز سو-35 تابعة لقوات الجو والفضاء الروسية نجحت في إسقاط مقاتلة أوكرانية من طراز إف-16 فوق أجواء مقاطعة سومي باستخدام صاروخ جو-جو بعيد المدى من نوع R-37M. وإذا تأكدت صحة هذه الرواية، فسيكون ذلك أول إسقاط قتالي موثق لمقاتلة غربية على يد سو-35 في ظروف عملياتية حقيقية.
ورغم أن الحادثة تبدو للوهلة الأولى مجرد اشتباك جوي جديد ضمن الحرب الروسية الأوكرانية، فإنها قد تعكس في الواقع تحولاً مهماً في طبيعة القتال الجوي الحديث.
وبحسب الرواية الروسية، كانت المقاتلة “سو-35 إس” (Su-35S) متمركزة قرب مدينة ريلسك في مقاطعة كورسك الروسية، على بعد يتراوح بين 30 و40 كيلومتراً فقط من المناطق الخاضعة لسيطرة أوكرانيا. وخلال الهجوم الأوكراني السابق على كورسك، وصلت القوات الأوكرانية إلى مسافة لا تتجاوز 20 كيلومتراً من ريلسك.
ويُعرف هذا المحور بكثافة الدفاعات الجوية الأوكرانية، إذ تمتلك كييف منظومات باتريوت وتتبنى أسلوباً مرناً في نشر دفاعاتها الجوية. وتؤكد أوكرانيا أنها أسقطت ما لا يقل عن ثلاث قاذفات روسية من طراز سو-34 فوق كورسك، كما أعلنت في 7 يونيو 2025 إسقاط مقاتلة سو-35. كذلك تكبدت روسيا خسائر في مروحيات Ka-52 وMi-8. ولهذا السبب تتجنب مقاتلات سو-35 التوغل العميق داخل المجال الجوي الأوكراني، وتعمل غالباً بالقرب من قواعدها داخل الأراضي الروسية.
إلا أن البقاء داخل المجال الجوي الروسي لا يعني العجز عن الاشتباك مع الطائرات الأوكرانية. فمقاتلة سو-35 مزودة برادار «إيربيس-إي» (Irbis-E) القادر على اكتشاف الأهداف من مسافات بعيدة.
ويُعد «إيربيس-إي» راداراً من نوع المصفوفة الممسوحة إلكترونياً السلبية (PESA)، وهو أقل تقدماً بجيل كامل مقارنة برادارات المصفوفة النشطة (AESA) المنتشرة على نطاق واسع في الولايات المتحدة والصين. وقد لجأ الروس إلى حل مباشر لتعويض هذا الفارق يتمثل في رفع قدرة الإرسال بشكل كبير لتحقيق مدى كشف أطول. ووفق البيانات الروسية المعلنة، يستطيع الرادار اكتشاف مقاتلة ذات مقطع راداري يبلغ ثلاثة أمتار مربعة من مسافة تتراوح بين 350 و400 كيلومتر عند المواجهة الأمامية. غير أن هذا الرقم يتحقق في ظروف خاصة وباستخدام نمط المسح الضيق المركّز، بينما ينخفض المدى بشكل ملحوظ عند استخدام أنماط البحث واسعة النطاق.
وبذلك، ورغم أن التكنولوجيا الأساسية للرادار ليست الأحدث عالمياً، فإنه يمتلك قدرة معتبرة على الرصد بعيد المدى. وفي ظروف الحرب الروسية الأوكرانية، حيث لا تُشغّل أعداد كبيرة من الطائرات في الوقت نفسه، لا تمثل قدرة معالجة الأهداف المتعددة العامل الأكثر أهمية، بل تكمن القيمة الحقيقية في قدرته على توجيه صواريخ R-37M بعيدة المدى.
ويُعتبر R-37M أطول صاروخ جو-جو خدمةً في الترسانة الروسية حالياً، وقد صُمم أساساً لمهاجمة الأهداف الجوية عالية القيمة من مسافات فائقة البعد.
وكانت أهدافه الأصلية تتمثل في طائرات الإنذار المبكر والتزود بالوقود والقاذفات الاستراتيجية، إلا أن أوكرانيا لا تمتلك مثل هذه المنصات، ما جعل المقاتلات الأوكرانية هي الهدف الرئيسي لهذا السلاح. ويبلغ وزن الصاروخ بين 510 و600 كيلوغرام، ويمكن أن يصل مداه إلى ما بين 300 و400 كيلومتر عند استخدام مسار اعتراض مرتفع، وهو مدى يتوافق تقريباً مع أقصى قدرة كشف لرادار «إيربيس-إي».
وقد استحضر مراقبون المقارنة مع اشتباكات السابع من مايو بين الهند وباكستان، حيث تمكنت مقاتلات J-10CE الباكستانية من إسقاط طائرات هندية باستخدام صواريخ PL-15 من مسافات قاربت 200 كيلومتر. في البداية اعتقد كثيرون أن العملية اعتمدت على تكتيكات معقدة مثل «الإطلاق من منصة والتوجيه من أخرى» (A-Shot B-Guide) أو على دعم مباشر من طائرات الإنذار المبكر، لكن التقديرات اللاحقة أشارت إلى أن نجاح العملية اعتمد بالدرجة الأولى على قدرة الرادار على الرصد البعيد ودقة الصاروخ نفسه. ويبدو أن الهجوم الروسي المزعوم نفذ وفق المبدأ ذاته، أي الاعتماد على التفوق في المدى والأداء بدلاً من المناورات التكتيكية المعقدة. والفارق الوحيد أن مقاتلات J-10CE تمتلك القدرة على استخدام تلك التكتيكات المتقدمة وإن لم تكن بحاجة إليها، بينما تفتقر سو-35 عملياً إلى هذه الإمكانات.
وفي ما يتعلق بالتوجيه، يستخدم صاروخ R-37M نظام ملاحة بالقصور الذاتي مع تحديثات عبر وصلة بيانات خلال المرحلة الوسطى من الطيران، قبل أن ينتقل إلى باحث راداري نشط في المرحلة النهائية. ومن الناحية النظرية يستطيع الصاروخ تنفيذ مفهوم «الإطلاق من منصة والتوجيه من أخرى»، لكن هذه الإمكانية لا تُستثمر عملياً داخل القوات الجوية الروسية بسبب محدودية عدد طائرات الإنذار المبكر وغياب شبكة بيانات متكاملة بالمستوى المطلوب.
ورغم ذلك، فإن خصائص الصاروخ الأخرى تمنحه قدرة عالية على القتل من مسافات بعيدة. فسرعته النهائية تتجاوز ستة أضعاف سرعة الصوت، بينما تعتمد أوكرانيا على مقاتلات F-16A/B القديمة نسبياً، والتي لا تمتلك أنظمة إنذار راداري متطورة بما يكفي لاكتشاف التهديد مبكراً. وغالباً ما يدرك الطيار الخطر عندما يكون الوقت قد فات للمناورة أو الإفلات. كما أن الصاروخ يعتمد على التوجيه الراداري، ما يجعل الشراك الحرارية عديمة الفائدة ضده. وعند دخوله منطقة القتل وانفجار رأسه الحربي شديد الانفجار البالغ وزنه نحو 60 كيلوغراماً، تصبح فرصة نجاة هيكل إف-16 الخفيف محدودة للغاية.
ويرى بعض المحللين أن هذه الحادثة، إذا ثبتت صحتها، قد تؤدي إلى تغيير أسلوب القتال الجوي في أوكرانيا. فروسيا كانت قد جربت بالفعل في 12 مايو استخدام صواريخ بعيدة المدى ضد الطائرات الأوكرانية. وإذا نضج هذا التكتيك، فلن يكون الهدف بالضرورة إسقاط أعداد كبيرة من الطائرات، بل فرض حالة ردع نفسي تجعل الطيارين الأوكرانيين يدركون أنهم قد يتعرضون للاستهداف بصواريخ تُطلق من مسافة تتجاوز 200 كيلومتر بمجرد إقلاعهم. وعندما يصبح الخصم متردداً في دخول مناطق التهديد، يتحقق قدر من السيطرة الجوية دون الحاجة إلى إسقاط كل طائرة معادية على حدة، وهو نهج أكثر كفاءة بكثير.
(مصدر الصورة: Live Journal – Andrei-bt)
وتحمل القضية بعداً أعمق من ذلك. فعملية الإسقاط المزعومة نُفذت بواسطة رادار المقاتلة نفسها وصاروخها الخاص، رغم افتقار القوات الجوية الروسية إلى شبكة متكاملة من طائرات الإنذار المبكر وقدرات «A-Shot B-Guide» وروابط البيانات المتطورة. وإذا كانت قوة جوية ذات بنية غير مكتملة نسبياً قادرة على تحقيق مثل هذه النتائج باستخدام الصواريخ فائقة المدى، فكيف سيكون الحال بالنسبة لقوة جوية تمتلك منظومة شبكية متكاملة؟
ومن هذا المنطلق، يعتقد بعض المحللين أن مهمة إطلاق الصواريخ الجوية بعيدة المدى قد لا تبقى مستقبلاً حكراً على المقاتلات المأهولة.
وهنا يبرز مشروع «الطائرات القتالية التعاونية» (CCA) الأمريكي، الذي يقوم على إرسال طائرات مسيرة إلى الخطوط الأمامية بينما تبقى الطائرات المأهولة في الخلف لتنسيق العمليات وإدارتها. ويعتقد بعض المراقبين أن الصين ربما قطعت شوطاً أبعد في هذا الاتجاه. ففي عرض النصر عام 2025، كشفت بكين عن مجموعة من المنصات المسيرة المتقدمة.
كما بدأت الطائرة الشبحية المسيرة «جي جي-11» تجارب تشغيلية على متن سفن هجومية برمائية وفي مطارات حدودية. وعند دمج هذه الطائرات مع طائرات الإنذار المبكر KJ-500، بحيث تتولى الأخيرة مهمة الكشف والرصد بينما تتقدم الطائرات المسيرة لتنفيذ الهجوم، مع تحديث بيانات الهدف عبر الشبكات الرقمية ثم انتقال الصواريخ إلى التوجيه الذاتي في المرحلة النهائية، تتشكل سلسلة عمليات متكاملة للقتل بعيد المدى باستخدام منصات غير مأهولة.
ويشير عدد من المحللين الذين ناقشوا حادثة سو-35 إلى أن هناك اتجاهاً واضحاً في تطور الحروب الجوية الحديثة: فالحصول على المعلومات بات يعتمد بشكل متزايد على الشبكات والأنظمة المترابطة أكثر من اعتماده على قدرات منصة واحدة. وبالتالي أصبحت هوية المنصة المنفذة أقل أهمية من قدرتها على الاندماج ضمن شبكة قتالية واسعة. ومن ينجح في الربط الفعال بين القدرة على «الرؤية البعيدة» والقدرة على «الضرب البعيد» سيكون الأوفر حظاً في حروب الجو المقبلة.
ولتحقيق قتال جوي شبكي حقيقي، ينبغي أن يتجاوز مدى الصاروخ مسافة الإنذار المبكر لدى الخصم، بحيث يكون السلاح في طريقه إلى الهدف قبل أن يدرك الأخير وجود تهديد أصلاً. ويتطلب ذلك الجمع بين خصائص التخفي للمنصة الحاملة، والمدى الحركي الكبير للصاروخ، إضافة إلى قدرات التصحيح والتوجيه خلال مرحلة الطيران الوسطى.
وحتى الآن، تُعد صواريخ PL-15 الصينية من أبرز النماذج التي أثبتت هذه الفكرة عملياً وفق ما يورده أنصار هذا التوجه، خصوصاً بعد اشتباكات السابع من مايو. أما الصاروخ الأوروبي “ميتيور” Meteor، فعلى الرغم من سمعته التقنية الجيدة، فإنه لم يحظ بعد بفرصة كافية لإثبات قدراته في مواجهة قتالية فعلية. وفي المقابل، تواصل الولايات المتحدة تطوير صاروخ AIM-260 أملاً في سد الفجوة في مجال الاشتباكات الجوية فائقة المدى.
وإذا ثبتت صحة إسقاط المقاتلة إف-16 على يد سو-35، فسيُعد ذلك دليلاً على تنامي قدرات روسيا والصين في ميدان الاشتباكات الجوية فائقة المدى، وهو ميدان يشهد سباقاً متسارعاً بين القوى الكبرى، فيما تواصل الولايات المتحدة والدول الأوروبية تطوير منظوماتها وتقنياتها للحفاظ على التوازن في هذا المجال خلال السنوات القادمة.
نشر لأول مرة على: www.defense-arabic.com
تاريخ النشر: 2026-05-29 18:42:00
الكاتب: نور الدين
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.defense-arabic.com بتاريخ: 2026-05-29 18:42:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
