الدفاع والامن

من مستورد إلى مكتفٍ ذاتياً: كيف أغلقت الصين باب السلاح الروسي؟

لم يكن أحد يتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد، إذ باتت قيمة تجارة السلاح بين الصين وروسيا تقترب تدريجياً من الصفر، في تطور يطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كانت بكين قد وضعت فعلاً نهاية لحقبة استيراد الأسلحة الروسية.

موقع الدفاع العربي – 31 مايو 2026: في معرض الدوحة الدولي للدفاع البحري 2026، استحوذ ظهور المقاتلة الشبحية J-35A على الاهتمام، لكنه في الوقت نفسه أحدث ارتباكاً داخل أوساط الصناعات الدفاعية الغربية. بالتوازي مع ذلك، برزت أيضاً منظومات صينية أخرى مثل J-10CE والمروحية Z-20، في خطوة تستهدف بوضوح سوق الشرق الأوسط، وعلى رأسه قطر. وفي التوقيت نفسه تقريباً، جاءت بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) لتشكل صدمة واضحة: بين عامي 2021 و2025، انخفضت واردات الصين من الأسلحة التقليدية الرئيسية بنسبة 72% مقارنة بالسنوات الخمس السابقة، لتتراجع من قائمة أكبر عشرة مستوردين إلى المرتبة 21 عالمياً، وهو أدنى مستوى لها منذ عام 1994.

من جهة، تتجه المقاتلات الشبحية الصينية المصنَّعة محلياً إلى الأسواق الدولية وتوقّع عقوداً متزايدة، ومن جهة أخرى، تكاد تختفي من سجل مشتريات الصين من روسيا أي صفقات كبرى جديدة. هذا “التباين الحاد” أصبح محور اهتمام مراكز التفكير في واشنطن، حيث خلص باحثو مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن عصر الاستيراد الكثيف للسلاح الروسي من قبل الصين قد انتهى بالفعل. غير أن هذه القراءة، وفق منتقدين، تتجاهل نصف الصورة الآخر، والمتمثل في تنامي اعتماد روسيا نفسها على المكوّنات والمعدات الصينية إلى مستوى يصعب التراجع عنه.

وأشارت صحيفة “نيكي” اليابانية، في قراءتها لتقرير SIPRI، إلى احتمال أن تصبح الصين خلال خمس إلى عشر سنوات أول دولة في العالم لا تحتاج إلى استيراد أي منظومات تسليح أو حتى قطع غيار عسكرية.

وعند التعمق في التفاصيل، تتضح ملامح التحول بشكل أدق. ففي الدورة الخمسية الماضية (2017–2021)، استوردت الصين من روسيا 24 مقاتلة من طراز سو-35 بقيمة تقارب ملياري دولار، إضافة إلى ست منظومات دفاع جوي بعيدة المدى من طراز إس-400 بقيمة تقارب ثلاثة مليارات دولار، أي أن إجمالي الصفقات تجاوز خمسة مليارات دولار مقابل أنظمة قتالية جاهزة للاستخدام المباشر. أما بين عامي 2021 و2025، فلا تظهر تقريباً أي صفقات منظمة لشراء منظومات كاملة، بل تقتصر العمليات على مشتريات محدودة من قطع غيار ومحركات وعناصر صيانة، بما يجعلها أقرب إلى خدمات دعم تقني منها إلى تجارة سلاح بالمعنى التقليدي.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف حدث هذا التحول؟ الإجابة تبدأ من داخل الصناعة العسكرية الصينية نفسها.

من مستورد إلى مكتفٍ ذاتياً: كيف أغلقت الصين باب السلاح الروسي؟من مستورد إلى مكتفٍ ذاتياً: كيف أغلقت الصين باب السلاح الروسي؟
مقاتلات صينية

على مستوى البحرية، تتجلى ملامح الاستقلال الصناعي بوضوح. فحتى نهاية 2025، كانت الصين قد أدخلت الخدمة 14 مدمرة من طراز Type 055، إلى جانب 39 مدمرة من طراز Type 052D، ما يعكس تغطية شبه مكتملة لأساطيلها الثلاثة. هذه القطع البحرية تعتمد كلياً على مكونات محلية، سواء في أنظمة الرادار أو الدفع أو التسليح أو خلايا الإطلاق العمودي. وفي عام 2025 دخلت حاملة الطائرات “فوجيان” الخدمة، بوصفها أول حاملة في العالم تعمل بالدفع التقليدي مع نظام إطلاق كهرومغناطيسي، وقد نجحت خلال تجاربها في تنفيذ عمليات إطلاق متعددة للطائرات دون أعطال تُذكر، في إيقاع بناء بحري لا يوازيه أي نموذج عالمي حالياً.

في سلاح الجو، يشهد القطاع الأكثر حساسية تاريخياً، أي محركات الطائرات، تحولاً تدريجياً لكنه بالغ الأهمية. إذ اعترف مركز CSIS نفسه بأن محرك WS-15 يُستخدم في بعض نسخ J-20، بينما يُرجَّح أن تعتمد النسخ الأحدث من J-35/FC-31 على محركات WS-13E محلية الصنع. وعلى المدى المتوسط، يُتوقع إدخال محركات أكثر تقدماً مثل WS-19. كما تعمل الصين على استبدال محركات D-30KP-2 الروسية في طائرات Y-20 وH-6K بمحركات WS-20 المحلية بشكل تدريجي. ومع اكتمال هذه السلاسل، ستتقلص حتى الحاجة إلى قطع الغيار الخارجية إلى الحد الأدنى.

أما القوات البرية، فالصورة أكثر وضوحاً. المدفعية، والأنظمة غير المأهولة، وسلاسل الإمداد العسكرية باتت تعتمد بصورة شبه كاملة على الإنتاج المحلي.

فبينما أسهمت صفقات السلاح السابقة في تعزيز التقارب العسكري بين موسكو وبكين، فإن الواقع الحالي يعكس مساراً مختلفاً. إذ تراجعت روسيا، التي كانت تحتل المرتبة الثانية عالمياً في صادرات السلاح، بنسبة 64% بين 2021 و2025، وانخفضت حصتها من السوق العالمية من 21% إلى 6.8%. والأكثر دلالة أنها تحولت نفسها إلى مستورد للأسلحة، تعتمد على إيران في الطائرات المسيّرة وعلى كوريا الشمالية في الذخائر.

في الاتجاه المقابل، تواصل الصين توسيع صادراتها الدفاعية مع تحول نوعي واضح، من تصدير الأسلحة التقليدية مثل بنادق AK إلى تصدير الطائرات المسيّرة، وصولاً إلى مقاتلات متقدمة مثل J-35A. وفي مايو 2025، سجلت مقاتلة J-10CE أول “انتصار قتالي” لها في اشتباك فعلي دون خسائر، بينما حصلت طائرة JF-17 (FC-1) على 164 طلباً وتعهد شراء خلال فترة قصيرة، ما يعكس انتقال الصين من موقع المستورد إلى لاعب تصدير متصاعد التأثير.

أما احتمال أن تبدأ روسيا بشراء منظومات تسليح صينية بشكل منظم، فيبقى محدوداً على المدى القصير، نظراً لاعتبارات سياسية ورمزية تتعلق بصورة روسيا كقوة مصدّرة تقليدياً للسلاح، رغم أن الواقع الصناعي يمضي في اتجاه مختلف تماماً.

من مستورد إلى مكتفٍ ذاتياً: كيف أغلقت الصين باب السلاح الروسي؟من مستورد إلى مكتفٍ ذاتياً: كيف أغلقت الصين باب السلاح الروسي؟
المقاتلة الشبحية الصينية المتقدمة J-20، معروضة في الدورة الرابعة عشرة من المعرض الدولي للطيران والفضاء، الذي افتُتح في مدينة تشوهاي بمقاطعة قوانغدونغ جنوب الصين، يوم 8 نوفمبر 2022. /Cfp

فبعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، وسّعت الصين صادراتها إلى روسيا ضمن فئة “السلع ذات الأولوية العالية”، التي تضم 50 نوعاً من المواد ذات الاستخدام المزدوج. وتشير البيانات إلى أن الجزء الأكبر منها يقع ضمن المستوى الثالث، ويشمل مكونات إلكترونية وميكانيكية تدخل في الأنظمة العسكرية، بينما شهد المستوى الرابع نمواً هائلاً، إذ ارتفعت صادرات فئة 4B، بما في ذلك آلات التشغيل والمكونات الدقيقة، بأكثر من 3000% مقارنة ببداية 2021، وهو ما يترجم عملياً إلى مكونات أساسية في المدفعية والرادارات وأنظمة الصواريخ.

كما رصد مركز “ميركاتور” الألماني تجاوز صادرات الصين ذات الاستخدام المزدوج إلى روسيا حاجز 40 مليار دولار في 2024، مع استمرارها فوق هذا المستوى في 2025 رغم بعض التذبذبات المؤقتة.

أما مركز CSIS فيذهب أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن روسيا ستظل تعتمد على الصين وإيران وكوريا الشمالية كمصادر دعم حيوية، مع تزايد اعتماد قطاعها الدفاعي على المكونات الإلكترونية الصينية الخاضعة لقيود التصدير. كما أشار إلى تسجيل أكثر من 500 شكوى روسية بين 2002 و2019 تتعلق بانتهاكات الملكية الفكرية من جانب شركات صينية.

الخلاصة أن ما يبدو تراجعاً في تجارة السلاح لا يعكس فتوراً في العلاقة، بل تحولاً جذرياً في طبيعتها. فالصين لم تعد بحاجة إلى الاستيراد العسكري، بينما باتت روسيا تعتمد بشكل متزايد على الصين في عناصر حيوية من بنيتها الدفاعية.

وعلى مستوى أوسع، تشير المعطيات إلى أن العلاقة بين البلدين لا تتجه نحو التفكك، بل نحو إعادة تشكيل أعمق لشراكة استراتيجية متعددة الأبعاد. ففي ديسمبر 2025، خلال الجولة العشرين من المشاورات الأمنية الاستراتيجية في موسكو، أكد الطرفان التزامهما بتعزيز التعاون الأمني وتنفيذ التفاهمات العليا، مع إعادة تأكيد روسيا لموقفها الداعم لمبدأ “الصين الواحدة” ومواقف بكين بشأن تايوان والتبت وشينجيانغ وهونغ كونغ.

اقتصادياً، تعكس الأرقام زخماً متصاعداً، إذ بلغ حجم التبادل التجاري الثنائي في 2024 نحو 244.8 مليار دولار، وهو مستوى قياسي جديد، بينما وصل خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025 إلى 203.67 مليار دولار. وفي قطاع الطاقة، اقتربت صادرات الغاز الروسي إلى الصين عبر الأنابيب من 39 مليار متر مكعب، بزيادة 24.8%، في سابقة تاريخية تتجاوز لأول مرة الإمدادات الروسية إلى أوروبا.

وبجمع هذه المؤشرات، يتضح أن تراجع تجارة السلاح لا يمثل مؤشراً على التراجع في العلاقات، بل دليلاً على انتقالها إلى مرحلة أكثر نضجاً، حيث يتراجع نموذج “المشتري والبائع” لصالح شراكة استراتيجية متعددة المستويات.

باتت الصين اليوم في موقع مختلف تماماً على خريطة القوة العسكرية العالمية، بعد مسار طويل بدأ من تفكيك التكنولوجيا السوفيتية ودراستها، مروراً باستيعاب مقاتلات Su-27 وتطويرها إلى J-11 وJ-16، وصولاً إلى إنتاج منظومات متقدمة مثل Type 055 والمقاتلات الشبحية J-20 وJ-35A، إضافة إلى حاملة الطائرات “فوجيان”. وهو ما يعكس تحولاً بنيوياً عميقاً في منظومة القوة الصينية، من الاعتماد على الخارج إلى بناء دورة تسليح مكتملة ذاتياً.


■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: www.defense-arabic.com

تاريخ النشر: 2026-05-31 11:38:00

الكاتب: نور الدين

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.defense-arabic.com بتاريخ: 2026-05-31 11:38:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *