الدفاع والامن

من مقاتلة سيادة جوية إلى قاذفة صواريخ.. كيف غيرت حرب أوكرانيا دور سو-57؟

موقع الدفاع العربي – 31 مايو 2026: عندما كشفت روسيا عن المقاتلة الشبحية “سو-57″، جرى تقديمها باعتبارها منصة جوية قادرة على منافسة المقاتلات الأمريكية المتقدمة مثل إف-22، وقادرة على تنفيذ مهام التفوق الجوي العميق واستهداف طائرات الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة من مسافات بعيدة. لكن الواقع الذي فرضته الحرب في أوكرانيا رسم صورة مختلفة تماماً لدورها العملياتي.

فبدلاً من خوض معارك جوية معقدة أو فرض السيطرة على الأجواء، باتت سو-57 تُستخدم في كثير من الأحيان كمنصة لإطلاق صواريخ كروز بعيدة المدى. تقلع الطائرة محملة بصواريخ Kh-69، تقترب إلى مسافة آمنة تبعد مئات الكيلومترات عن خط الجبهة، تطلق حمولتها ثم تعود إلى قواعدها. وهي مهمة يمكن نظرياً تنفيذها بواسطة طائرات أقدم بكثير مثل سو-24 أو حتى عبر وسائل أقل تكلفة في بعض الحالات.

وهنا تظهر المعضلة الأساسية: الكلفة. فالمقاتلة نفسها تُعد من أغلى الطائرات التي تمتلكها روسيا، بينما تبلغ تكلفة الصاروخ الواحد أرقاماً مرتفعة أيضاً. وعندما تُستخدم هذه المنظومة المكلفة لضرب أهداف ميدانية سبق أن تعرضت للقصف مراراً، يبرز التساؤل حول الجدوى الاقتصادية والعسكرية لهذا النمط من الاستخدام.

لكن القوات الروسية لا تعتمد هذا الأسلوب اختياراً بقدر ما تفرضه الظروف الميدانية. فوجود منظومات الدفاع الجوي الغربية المتطورة، وعلى رأسها منظومة “باتريوت Patriot”، جعل اقتراب الطائرات غير الشبحية مثل سو-34 وسو-35 من مناطق القتال أمراً بالغ الخطورة. ومع الخسائر التي تكبدتها روسيا خلال مراحل مختلفة من الحرب، أصبحت المهام القريبة من نطاق الدفاعات الجوية تُسند غالباً إلى سو-57 باعتبارها الطائرة الأكثر قدرة على تقليل احتمالات اكتشافها واستهدافها.

بمعنى آخر، لم تُكلَّف سو-57 بهذه المهام لأنها الأنسب لها من الناحية النظرية، بل لأن البدائل المتاحة تواجه مخاطر أكبر بكثير. وهكذا تحولت المقاتلة الشبحية التي صُممت لتكون صياداً جوياً متقدماً إلى ما يشبه “شاحنة شبحية” تنقل الصواريخ إلى نقطة الإطلاق ثم تعود أدراجها.

من مقاتلة سيادة جوية إلى قاذفة صواريخ.. كيف غيرت حرب أوكرانيا دور سو-57؟من مقاتلة سيادة جوية إلى قاذفة صواريخ.. كيف غيرت حرب أوكرانيا دور سو-57؟
لذا-57

وكان من المفترض، وفق العقيدة الأصلية لتشغيل الطائرة، أن تتولى اختراق المجال الجوي المعادي، وتدمير طائرات الإنذار المبكر والحرب الإلكترونية، وإضعاف شبكة القيادة والسيطرة المعادية، ثم الاشتباك مع مقاتلات الجيل الخامس المنافسة وفتح الطريق أمام الطائرات الأخرى. هذه هي المهام التي بُنيت حولها فلسفة تطوير الطائرة.

إلا أن البيئة العملياتية في أوكرانيا لم توفر لها مثل هذه الفرص. فالقوات الجوية الأوكرانية تجنبت إلى حد كبير الدخول في مواجهات جوية مباشرة مع المقاتلات الروسية المتفوقة عدداً وتسليحاً، واعتمدت بدلاً من ذلك على الحفاظ على أصولها الجوية داخل قواعد محصنة واستخدامها بشكل محدود، مع التركيز على الدفاع الجوي واعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة.

ونتيجة لذلك، تجد سو-57 نفسها في كثير من الأحيان دون أهداف جوية مناسبة للاشتباك معها. فبدلاً من حمل الصواريخ جو-جو بحثاً عن مقاتلات معادية، ينتهي بها الأمر إلى حمل ذخائر موجهة وأسلحة هجومية ضد أهداف أرضية. وليس السبب في ذلك ضعف قدراتها، بل غياب الخصم الذي صُممت أساساً لمواجهته.

إلى جانب ذلك، تعاني الطائرة من مشكلة أخرى لا تقل أهمية، وهي محدودية أعدادها. فبحسب تقديرات غربية ومراكز أبحاث دفاعية مختلفة، لا يزال حجم الأسطول التشغيلي من سو-57 محدوداً مقارنة بما كان مخططاً له عند إطلاق البرنامج. وبينما كانت الخطط الروسية تستهدف إدخال عشرات الطائرات إلى الخدمة بوتيرة أسرع، أدت العقوبات الغربية ومشكلات سلاسل التوريد والتحديات الصناعية إلى إبطاء الإنتاج والتسليم.

هذا العدد المحدود يجعل من الصعب تخصيص الطائرات لمهام دورية أو عمليات استنزاف طويلة الأمد. لذلك تُحتفظ بها للمهام التي تعتبرها موسكو ذات أولوية قصوى، وعلى رأسها استهداف الدفاعات الجوية المعادية والأهداف المحمية بشدة، وهي مهام تتطلب مزايا التخفي التي تتمتع بها الطائرة.

من مقاتلة سيادة جوية إلى قاذفة صواريخ.. كيف غيرت حرب أوكرانيا دور سو-57؟من مقاتلة سيادة جوية إلى قاذفة صواريخ.. كيف غيرت حرب أوكرانيا دور سو-57؟
روسيا تختبر نسخة ثنائية المقعد Su-57D من المقاتلة الشبح “سو-57”

ومن هذه الزاوية، فإن استخدام سو-57 في أوكرانيا لا يعكس بالضرورة فشلاً في التصميم أو قصوراً في القدرات، بل يعكس إلى حد كبير واقعاً فرضته طبيعة الحرب والموارد المتاحة. فالمقاتلة أثبتت قدرتها على تنفيذ ضربات بعيدة المدى والعمل في بيئات تهديد معقدة نسبياً، كما أظهرت قدرتها على تقليل احتمالات الرصد والاستهداف مقارنة بالطائرات التقليدية.

لكن في المقابل، لم تتح لها الفرصة لإثبات نفسها في السيناريو الذي صُممت من أجله أساساً: مواجهة مقاتلات الجيل الخامس ضمن حرب جوية متكاملة بين قوى عظمى. فأقوى التهديدات التي واجهتها حتى الآن كانت منظومات دفاع جوي متطورة، وليس شبكة جوية متكاملة تضم مقاتلات شبحية وطائرات إنذار مبكر وحرب إلكترونية.

ولو وجدت نفسها مستقبلاً في مواجهة مباشرة مع قوات حلف شمال الأطلسي، فإن التحدي سيكون مختلفاً تماماً. عندها ستضطر للتعامل مع مقاتلات مثل  الإف-35 و الإف-22 رابتور، إلى جانب طائرات الحرب الإلكترونية EA-18G Growler وطائرات الإنذار المبكر Boeing E-3 Sentry. عندها فقط يمكن الحكم بصورة حقيقية على مدى قدرة الطائرة على خوض حرب جوية من الجيل الخامس.

وتبدو قصة سو-57 انعكاساً لواقع أوسع يواجهه قطاع الصناعات الدفاعية الروسي. فالمقاتلة التي صُممت لتكون رأس الحربة في معارك السيطرة الجوية وجدت نفسها تؤدي مهام أقرب إلى مهام القاذفات التكتيكية. ليست المشكلة بالضرورة في الطائرة ذاتها، بل في ظروف إنتاجها المحدود، وطبيعة الحرب التي تخوضها روسيا، وغياب الخصم الجوي الذي يسمح لها بإظهار كامل قدراتها. وهكذا تحولت إحدى أكثر المقاتلات طموحاً في الترسانة الروسية إلى أداة متخصصة في تنفيذ المهام الخطرة ضد الأهداف الأرضية، بدلاً من لعب الدور الذي رُسم لها كـ”سيدة للسماء”.


■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: www.defense-arabic.com

تاريخ النشر: 2026-05-31 10:59:00

الكاتب: نور الدين

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.defense-arabic.com بتاريخ: 2026-05-31 10:59:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *