

موقع الدفاع العربي – 9 يونيو 2026: قررت ألمانيا وفرنسا بشكل مشترك التخلي عن مكوّن المقاتلة ضمن نظام القتال الجوي المستقبلي المعروف باسم FCAS، وذلك بعد سنوات من الخلافات الصناعية بين شركتي “إيرباص” Airbus و”داسو للطيران” Dassault Aviation أثبتت أنها غير قابلة للحل، وفقًا لصحيفة ديلي ميرور.
توصل المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى قناعة مشتركة بأن شركتي إيرباص وداسو للطيران لم تتمكنا من إيجاد أرضية توافق لبناء مقاتلة قتالية من الجيل الجديد بشكل مشترك. وقد أوصى ميرتس ماكرون بوقف متابعة مشروع المقاتلة المشتركة، ووافق الأخير على ذلك.
هذا القرار لا يعني إلغاء برنامج FCAS بالكامل، إذ تؤكد الحكومتان عزمهما مواصلة العمل على مكوّن “السحابة القتالية” (Combat Cloud)، وهو نظام شبكي يهدف إلى ربط مختلف أنظمة الأسلحة والمنصات وأجهزة الاستشعار ضمن صورة عملياتية موحدة. لكن الطائرة نفسها، وهي العنصر المركزي والأغلى في ما كان يُفترض أن يكون أكبر برنامج دفاعي في تاريخ أوروبا، قد انتهت فعليًا.
تم إطلاق FCAS في يوليو 2017 من قبل المستشارة الألمانية آنذاك أنغيلا ميركل وماكرون كرمز رئيسي للتعاون الدفاعي الفرنسي–الألماني والسعي نحو “الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي”. وكان الهدف من البرنامج استبدال أسطول ألمانيا من مقاتلات “يوروفايتر تايفون” Eurofighter Typhoon والمقاتلات الفرنسية “رافال” Rafale بحلول عام 2040 تقريبًا، عبر إدخال مقاتلة مأهولة من الجيل السادس تعمل بالتعاون مع طائرات مسيّرة مرافقة هجومية وغير هجومية، وتُدعَم بشبكة إدارة معارك رقمية تُعرف بـ Combat Cloud. كما انضمت إسبانيا وشركة الصناعات الدفاعية Indra كشريك ثالث في البرنامج. وقد قُدّرت التكلفة الإجمالية بأكثر من 110 مليارات دولار، ما جعله أكبر مشروع دفاعي أوروبي على الإطلاق.


السبب المباشر لانهيار المشروع كان خلافًا غير قابل للتسوية بين إيرباص، التي تقود الجانب الصناعي الألماني والإسباني، وداسو للطيران، الشركة الفرنسية الرئيسية لصناعة المقاتلات ومصنّعة طائرة رافال. فقد طالبت داسو بحصة أكبر من العمل الصناعي وبقيادة البرنامج ككل، بينما أصرت ألمانيا على الالتزام باتفاقات سابقة تقضي بتقاسم متساوٍ للأعمال بين الشركات. هذا الخلاف حول توزيع العمل تكرر منذ المراحل الأولى للمشروع دون حل نهائي، ما تسبب في تأخيرات وخلق حالة من عدم اليقين السياسي في كل مرحلة رئيسية.
إلى جانب الخلاف الصناعي، رأى ميرتس أن هناك مشكلة أعمق تتمثل في أن ألمانيا وفرنسا تحتاجان فعليًا إلى متطلبات مختلفة لطائراتهما المستقبلية. ففرنسا تحتاج مقاتلة قادرة على حمل أسلحة نووية، بما يتماشى مع عقيدتها الردعية المستقلة، كما يجب أن تعمل من على متن حاملات الطائرات، وهو ما لا تحتاجه ألمانيا. في المقابل، لا تتطلب القوات الألمانية أيًا من هاتين القدرتين. وقد اقترحت برلين حل هذا التباين عبر تطوير طائرتين مختلفتين ضمن إطار FCAS، واحدة تلبي متطلبات فرنسا وأخرى تلبي متطلبات ألمانيا مع مشاركة أنظمة مشتركة قدر الإمكان، لكن باريس رفضت ذلك. وبدون مفهوم موحّد لجسم الطائرة، فقد المشروع أساسه.
الأثر السياسي لهذا الفشل يتجاوز الجانب الصناعي بكثير. فقد سعى ماكرون لسنوات إلى تقديم نفسه كأبرز داعم للاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية وتطوير قدرة دفاعية أوروبية مستقلة تقلل الاعتماد على التكنولوجيا العسكرية الأمريكية. وكان FCAS أبرز تجسيد لهذه الرؤية، كمقاتلة أوروبية من الجيل السادس تُطوَّر دون مشاركة أمريكية وتُبقي الصناعة الدفاعية الأوروبية في طليعة التكنولوجيا لعقود. لكن انهيار المشروع بسبب خلاف صناعي بين الشركتين الفرنسية والألمانية حول نسب العمل والمتطلبات الوطنية، يُعد انتكاسة سياسية شخصية مهمة لماكرون باعتباره أحد مؤسسي المبادرة.


بالنسبة لألمانيا، يضيف هذا الفشل تعقيدات جديدة. فقد كانت برلين تحاول الموازنة بين تفضيلها التقليدي للتعاون الدفاعي الأوروبي متعدد الأطراف، وبين الحاجة العملية المتسارعة لإعادة التسلح بعد الحرب في أوكرانيا. وكان المستشار ميرتس أكثر صراحة من سلفه بشأن ضرورة تسريع بناء القدرات العسكرية الألمانية، وقد يؤدي انهيار FCAS إلى تسريع دراسة خيارات بديلة، من بينها مواصلة تطوير اليوروفايتر تايفون أو تعميق التعاون مع برنامج إف-35 الأمريكي الذي تستخدمه بالفعل عدة دول في الناتو.
أما إسبانيا، التي شاركت صناعيًا عبر شركة Indra، فلم تُعلن بعد عن موقفها من القرار الفرنسي–الألماني. ويبقى غير واضح ما إذا كانت ستواصل العمل على “السحابة القتالية” مع الشريكين، أو تبحث عن ترتيبات ثنائية بديلة، أو تتجه إلى خيارات مختلفة تمامًا.
ومع ذلك، فإن “السحابة القتالية” التي تسعى الدول الثلاث إلى مواصلة تطويرها لا يمكن اعتبارها بديلاً مكافئًا أو تعويضًا مباشرًا عن مشروع المقاتلة. فإقامة شبكة عملياتية متكاملة تربط بين أنظمة الاستشعار والأسلحة ومنظومات القيادة والسيطرة في القوات الجوية الأوروبية قد يوفّر بالفعل مكاسب تشغيلية مهمة حتى في غياب طائرة موحدة، كما أن ما تحقق من أعمال برمجية وتكامل تقني ضمن إطار FCAS لا يزال يحمل قيمة استراتيجية معتبرة.
لكن من دون العنصر الجوي المركزي، أي المقاتلة نفسها، يتحول المشروع إلى برنامج أقل طموحًا بكثير مقارنةً بالرؤية الأصلية لـFCAS. وفي هذا السياق، من المرجح أن تُسد الفجوة في قدرات المقاتلات الأوروبية خلال مرحلة الانتقال نحو الجيل السادس عبر مزيج غير متجانس من برامج وطنية مستقلة، ومنصات أمريكية، إضافة إلى ترتيبات ثنائية أو إقليمية لم تكن جزءًا من التصور الذي أُعلن قبل تسع سنوات من قبل ميركل وماكرون.
/* Shares”}};
/* ))> */
المصدر الأصلي: www.defense-arabic.com



