تم النشر بتاريخ 1/6/2026
|آخر تحديث: 14:42 (توقيت مكة)
في دراسته “ترمب و”أمريكا 250”: “دولتية التاريخ” وصراع الذاكرة ومستقبل الأمة”، يتناول د. الحاج محمد الناسك، الباحث في مركز الجزيرة للدراسات، الجدل المتصاعد في الولايات المتحدة مع اقتراب الذكرى المئتين والخمسين للاستقلال عام 2026. وتتمحور الدراسة حول فكرة أن الاحتفال لم يعد مناسبة وطنية رمزية، بل تحول إلى ساحة صراع سياسي وثقافي على الذاكرة الوطنية، وعلى من يمتلك حق تعريف الأمة الأمريكية ورواية تاريخها وتحديد معالم هويتها المستقبلية.
الذكرى الوطنية تتحول إلى معركة سياسية
تنطلق الدراسة من ملاحظة أن الاحتفالات الكبرى في الولايات المتحدة لم تكن يومًا مجرد مناسبات احتفالية، بل ارتبطت دائمًا بإعادة إنتاج الشرعية الوطنية وصوغ السردية القومية.
اقرأ أيضا
قائمة من 2 العناصرنهاية القائمةومع عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض وإحيائه “لجنة 1776″، اكتسب الجدل بعدًا جديدًا، إذ أصبحت الذكرى المئتان والخمسون مناسبة لإعادة طرح أسئلة الهوية والذاكرة والتاريخ.
ويرى الباحث أن ترمب يسعى إلى تقديم رواية قومية محافظة للتاريخ الأمريكي، تركز على فكرة “العظمة الأمريكية” والإنجاز الوطني، وتبتعد عن التركيز على ملفات العبودية والعنصرية والاستعمار. ولهذا لم يعد الخلاف يدور حول الاحتفال نفسه، بل حول طبيعة الأمة التي يراد تمثيلها من خلال هذا الاحتفال.
“دولتية التاريخ” وصناعة الذاكرة الرسمية
تتوقف الدراسة عند مفهوم “دولتية التاريخ” الذي صاغه المؤرخ الهندي راناجيت غوها، ويقصد به إخضاع التاريخ والذاكرة لإشراف الدولة وتوجيهها بما يخدم تصورات معينة عن الهوية والشرعية السياسية.
ففي هذا التصور لا يبقى التاريخ مجالًا أكاديميًّا مستقلًّا، بل يتحول إلى أداة سياسية تُستخدم عبر المناهج التعليمية والمتاحف والنصب التذكارية والمؤسسات الثقافية لإنتاج رواية رسمية عن الماضي. ومن هذا المنطلق يقرأ الباحث سياسات إدارة ترمب تجاه التاريخ الأمريكي، معتبرًا أنها تمثل نموذجًا معاصرًا لهذا التوجه عبر السعي إلى ترسيخ سردية وطنية احتفائية تركز على الإنجازات والعظمة القومية.
ولهذا لا ينفصل الجدل حول “أمريكا 250” عن الصراع الدائر حول المناهج الدراسية والمتاحف والفضاء العام الأمريكي، لأن الخلاف يتعلق بالطريقة التي ينبغي أن تفهم بها الولايات المتحدة نفسها.
العودة إلى تجربة المئوية الثانية
لشرح جذور الصراع الحالي، تعود الدراسة إلى احتفالات المئوية الثانية للاستقلال عام 1976، مستندة إلى كتاب مارك شتاين “المئوية الثانية: تاريخ ثوري لسبعينات القرن العشرين”. ويبين الباحث أن تلك الاحتفالات لم تكن مناسبة إجماع وطني، بل تحولت بدورها إلى ساحة مواجهة بين السلطة والحركات الاجتماعية المختلفة.
ففي ذلك الوقت حاولت إدارة ريتشارد نيكسون توظيف المناسبة لتعزيز النزعة القومية المحافظة وربطها بفكرة “العظمة الأمريكية”، بينما استغلتها الحركات الحقوقية والاجتماعية للاحتجاج على العنصرية وعدم المساواة والحرب والإقصاء الاجتماعي. كما شهدت مدينة فيلادلفيا، مركز الاحتفالات آنذاك، صراعات حول مشاريع التجديد الحضري التي هددت أحياء السود، وتحولت المناسبة إلى مناسبة لمساءلة الحاضر بقدر ما كانت استدعاءً للماضي.
وتخلص الدراسة إلى أن الصراع الحالي ليس ظاهرة جديدة، بل امتداد لنمط متكرر من النزاع على معنى التاريخ والهوية في الولايات المتحدة.
ترمب وإعادة بناء السردية القومية
يرى الباحث أن ترمب يسعى إلى استعادة نموذج الاحتفال القومي المحافظ، لكن في ظروف أكثر استقطابًا من تلك التي عرفتها الولايات المتحدة في سبعينات القرن الماضي. فخطابه السياسي يقوم على فكرة أن صورة أمريكا تعرضت للتشويه على يد الليبراليين والحركات الحقوقية والأكاديميين النقديين، وأن الوقت قد حان لاستعادة “التاريخ الوطني الإيجابي”.
ولهذا يرفض المحافظون ما يسمونه “ثقافة الاعتذار” أو “التاريخ الكاره لأمريكا”، ويعتبرون أن التركيز المفرط على العبودية والعنصرية والإقصاء أضعف الشعور الوطني وأدى إلى زيادة الانقسام الثقافي داخل المجتمع الأمريكي.
وفي المقابل يرى عدد من المؤرخين أن هذا التوجه لا يهدف إلى إعادة التوازن بقدر ما يسعى إلى تهميش جوانب أساسية من التاريخ الأمريكي وإعادة تعريف الوطنية وفق منظور قومي محافظ.
العبودية والاستعمار في قلب المواجهة
توضح الدراسة أن القضية الأكثر إثارة للانقسام تتمثل في موقع العبودية والإرث الاستعماري داخل السردية الوطنية الأمريكية. فالمؤرخون والتيارات التقدمية يؤكدون أن فهم الولايات المتحدة يقتضي الاعتراف بالمكانة المركزية للعبودية والعنصرية في عملية تشكل الدولة والمجتمع.
في المقابل، يرى المحافظون أن المؤسسات الثقافية والتعليمية ذهبت بعيدًا في التركيز على هذه الجوانب، حتى أصبحت التجربة الأمريكية تُقدَّم من خلال منظور سلبي يختزل تاريخ البلاد في أخطائها وإخفاقاتها. ومن هنا جاء الدفاع عن “لجنة 1776” بوصفها محاولة لتعزيز التعليم الوطني وإعادة الاعتبار للإنجازات الأمريكية الكبرى.
وتستعرض الدراسة مواقف عدد من المفكرين المحافظين الذين انتقدوا “مشروع 1619” واتهموه بإعادة تفسير التاريخ الأمريكي من منظور أيديولوجي يضع العبودية في مركز كل السردية الوطنية، مقابل دفاعهم عن رواية أكثر احتفاءً بالآباء المؤسسين والتجربة الأمريكية.
المتاحف والمؤسسات الثقافية كساحات للصراع
لم يعد الجدل محصورًا في الكتب والمناهج الدراسية، بل امتد إلى المتاحف والمؤسسات الثقافية والمواقع التاريخية الفيدرالية، التي تحولت بدورها إلى ساحات مواجهة بين السرديتين المتنافستين.
فالمحافظون يدعون إلى أن تحتفي المؤسسات الممولة من الحكومة بتاريخ الولايات المتحدة وإنجازاتها، بينما تطالب التيارات النقدية بأن تعكس هذه المؤسسات الجوانب المعقدة والمظلمة من التاريخ الأمريكي، بما في ذلك الاستعمار والعنصرية والتمييز البنيوي.
وهكذا أصبحت الذاكرة العامة نفسها موضوعًا للنزاع، لا مجرد أداة لنقله.
بين الهيمنة والمقاومة
تؤكد الدراسة أن الاحتفالات الوطنية الكبرى لا تؤدي وظيفة رمزية واحدة، بل تتحول إلى فضاءات متنازع عليها بين السلطة والحركات الاجتماعية والتيارات الفكرية المختلفة. فبينما تسعى الدولة إلى إنتاج سردية موحدة عن الأمة، تستخدم الجماعات المهمشة والنشطاء والمؤرخون هذه المناسبات لإعادة مساءلة الماضي وكشف تناقضات التجربة الأمريكية.
ومن هذا المنظور لا يُنظر إلى احتجاجات السود والسكان الأصليين والحركات النسوية والمثليين – سواء في سبعينات القرن الماضي أو اليوم – باعتبارها اعتراضات هامشية، بل باعتبارها جزءًا من صراع أوسع على من يمتلك حق رواية التاريخ الأمريكي.
“أمريكا 250” وصراع المستقبل
يخلص الباحث إلى أن المعركة الدائرة حول الذكرى المئتين والخمسين ليست خلافًا حول الماضي فقط، بل حول المستقبل أيضًا. فالطريقة التي ستُروى بها قصة الولايات المتحدة ستؤثر في تصور الأجيال القادمة لمعاني الديمقراطية والمواطنة والعدالة والهوية الوطنية.
ولهذا يرى أن مشروع ترمب لإعادة تشكيل الذاكرة الوطنية عبر لجنة 1776 والاحتفالات الرسمية يمثل محاولة لإعادة تعريف الوطنية الأمريكية في إطار قومي محافظ يقوم على تمجيد الماضي وتقليص حضور السرديات النقدية، بينما تسعى التيارات الأكاديمية والحقوقية إلى جعل المناسبة فرصة لمراجعة تاريخ العبودية والاستعمار والعنصرية والإقصاء.
وفي النهاية، تكشف معركة “أمريكا 250” أن الصراع الحقيقي لا يدور حول قراءة حدث تاريخي مضى، بل حول السؤال الأعمق: أيُّ أمريكا يريد الأمريكيون أن يروها في ماضيهم، وأيُّ أمة يريدون بناءها في مستقبلهم؟
الدراسة كاملة
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.aljazeera.net بتاريخ: 2026-06-01 14:40:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
