|آخر تحديث: 10:48 (توقيت مكة)
فقد نجح لفيف من السياسيين ونشطاء في المجتمع المدني، وبعض قيادات حزبية، من اليمين واليسار، في الآونة الأخيرة، في تنظيم مسيرة، هي الأضخم منذ انقلاب قيس سعيد، سواء من حيث حجم الحضور، أو المكونات السياسية والجمعياتية المشاركة، أو من جهة نوعية الشعارات التي رفعت خلالها، والهتافات التي تعالت من حناجر المتظاهرين، والتي كانت شبيهة إلى حد بعيد بالشعارات التي رددها التونسيون بين ديسمبر/ كانون الأول 2010، و14 يناير/كانون الثاني 2011، لحظة هروب الرئيس التونسي الراحل، زين العابدين بن علي، وإعلان نجاح أولى ثورات الربيع العربي.
فاجأ المحتجون، السلطة والأوساط السياسية، بحجم المسيرة، التي تميزت بحضور شبابي لافت، وبرفع شعارات جريئة وشجاعة، ترجمت حالة من كسر جدار الخوف من السلطة، ومن تهديداتها لمخالفيها ومعارضيها، وكان من بين الشعارات المرفوعة:
- “يا مواطن يا مقموع.. جاك الفقر، جاك الجوع”.
- “جوع واستبداد.. هايلة البلاد”.
- “حريات.. حريات.. دولة البوليس وفات”.
ولعل من أبرز اللافتات الضخمة والرمزية التي رفعها المتظاهرون، حملت شعار: “شعب جيعان.. والحبس شبعان”، كناية عن السجون التي امتلأت بالسياسيين والصحفيين والمدونين ورجال الأعمال ووزراء سابقين، مقابل استمرار حالة البؤس وازدياد الفقر في البلاد، في الوقت الذي كان الرئيس التونسي، قد ربط “الخيار الأمني القمعي”، بالبحبوحة الاقتصادية، أو ما يسميه بـ”حرب التحرير”، دون أن يتحقق من وعوده شيء على الإطلاق.
ولا شك أن هذا الحراك، عكس اتساع دائرة الرفض والممانعة، “للمسار التصحيحي” الذي رفعه قيس سعيد كشعار، منذ انقلابه في يوليو/تموز 2021، لتخترق حتى الجسم الموالي لهذا المسار، بل طال بعض “الرؤوس” من القريبين منه، حيث باتت صفحات كثيرة على “السوشيال ميديا”، تعرض غضبهم وإقرارهم بفشل سياسات الرئيس التونسي، معربين عن خشيتهم من “انفجار الأوضاع”، على حد تعبيرهم.
عوامل رئيسة
كيف تطورت الساحة السياسية في تونس في ظرف وجيز، لتصبح بهذا الزخم العددي اللافت؟ وكيف خرجت هذه الجموع ببضعة آلاف، فيما يشبه “السابقة” السياسية الميدانية منذ “انقلاب يوليو/تموز 2021″؟
5 عوامل سرعت نسق المسيرات والمظاهرات المعارضة للسلطة، بصوت عال، وبشجاعة واضحة، افتقدتها الشوارع والساحات التونسية، منذ العام 2021:
- أولها، حوارات وجدل بين أطياف المعارضة، أدت إلى قناعة لدى غالبيتها بضرورة الالتقاء على مشترك واحد على الأقل، وهو إنهاء
“منظومة الانقلاب”. - ثانيها، التدهور العام في حياة التونسيين في مستوى القدرة الشرائية، حيث باتت الأسعار، أعلى من ناطحات السحاب، كما قال أحدهم مازحا بسخرية، وبات سعر الأضاحي بالآلاف بعد أن كان ببضع مئات من الدنانير، فضلا عن الارتفاع الكبير في أسعار المواد الأساسية، وتردي الخدمات العمومية، وتفاقم الضغط الجبائي.
- ثالثها، تفاقم أعداد العاطلين عن العمل في صفوف الشباب، وفي أوساط الخريجين الجدد، وتطور عدد الباحثين عن لقمة العيش بين القمامات، الذين أصبح يقدر عددهم، بأكثر من 8 آلاف شخص بين طاعنين في السن، وشبان لا تتجاوز أعمارهم 25 عاما، وفق إحصائيات رسمية كشفت عنها منظمة “clean up” التونسية، ما يحيل على عطل اجتماعي، يزداد خطورة في ظل هجرة الكفاءات والأدمغة التونسية في قطاعات عديدة إلى الخارج، يقدر عددها بما يزيد عن 15 ألف شخص، بين أطباء ومهندسين ومقاولين وجامعيين وغيرهم.
- رابعها، استمرار الخطاب الرسمي، الذي ينفرد به الرئيس قيس سعيد، في الحديث عن “المؤامرة”، و”التخوين” واتهام (أطراف) و(أولئك)، و(هم)، بـ”الانقلاب”، وتأجيج الأوضاع، و”التآمر”، والعلاقة بالسفارات الأجنبية، والارتماء في أحضان الخارج، واللوبيات، وهي “مقولات”، يستخدمها الرئيس التونسي منذ نحو 7 سنوات؛ لتبرير ما تعتبره المعارضة في الداخل والخارج، إخفاقات في إخراج البلاد من أزماتها المتراكمة.
- الخامس، تحركات مثيرة لمعارضي الرئيس قيس سعيد في الخارج، الذين هاجروا بأعداد كبيرة إلى عواصم أوروبية وعربية عديدة؛ هربا من الأحكام القضائية القاسية، كما يصفونها، حيث باتوا يشكلون ورقة ضغط لافتة ضد السلطات التونسية، عبر “تدويل” الشأن التونسي لدى برلمانات ومنظمات حقوقية وسياسية، إقليمية ودولية عديدة، بينها الأمم المتحدة، بل بلغ الأمر حد رفع دعاوى قضائية لدى مؤسسات حقوقية مهمة، على غرار، المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والبرلمان الأوروبي، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، وغيرها من المؤسسات القضائية الدولية.
في مقابل ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي يهيمن على المشهد يتلخص في:
- الإيقافات والاعتقالات والإيداع بالسجون لكل من يعبر عن رأيه ويختلف مع السلطة وينتقدها.
- بضع زيارات للرئيس سعيد، لمحافظات ومؤسسات، لا تفعل في هذا المشهد، سوى أنها تفتح باب الجدل الفيسبوكي، بين “أنصاره” الذين لا أثر لهم في الواقع السياسي إطلاقا، وبين الطيف المعارض الذي يزداد اتساعا يوما بعد يوم.
لم تشهد تونس في تاريخها، حجم اعتقالات طالت جميع الأطياف السياسية، يسارها ويمينها، ويمين اليمين، بالشكل الذي تعرفه البلاد اليوم، كانت السلطة، تعتمد خصما سياسيا واحدا، طورا من اليسار، وفي أطوار أخرى يكون الخصم الإسلاميين، حتى في أعتى فترات استبداد بن علي، لكن الذي يحصل اليوم، هو تحويل الجميع إلى خصوم، ما جعل كافة طيف الطبقة السياسية التونسية في السجون.
بلاغ المؤسسة العسكرية زاد الطين بلة
وتزامن هذا الحراك السياسي، مع تسريبات على وسائل التواصل الاجتماعي، تشير إلى وجود “صراعات” داخل السلطة حول استحقاقات المرحلة المقبلة، فيما تعلن شخصيات تونسية مقيمة بالخارج، على فيسبوك، عن استعداداتها للرئاسة، وخلافة الرئيس الحالي.
كما يجري الإعلان عن أسماء مرشحين تونسيين، سيؤتى بهم من الخارج، ككفاءات من التكنوقراط (رجل الأعمال كمال الغربي نموذجا)، فيما يتحدث كثيرون، بعضهم كوادر أمنية سابقة، عن ترتيبات جارية لترشيح شخصية من داخل النظام (منذر الزنايدي، وزير بن علي الأسبق)، ستسنده الدولة العميقة، التي يتكثف الحديث عن تحركاتها في الآونة الأخيرة، لإنهاء حالة الانسداد السياسي، وكسر ما يصفه معارضو الرئيس قيس سعيد بـ”العبث”، و”الشلل التام”، وغياب الأفق السياسي للدولة.
وذلك وسط تسرب أنباء موثوقة من دوائر القرار السياسي في تونس، بأن شعارات كثيرة تتحدث عن التغيير، التي رفعتها إحدى المظاهرات السلمية مؤخرا، أحدثت رجة شديدة بصلب أجهزة الحكم، ولا يستبعد أن تكون قد تسببت فيما يشبه الشرخ بين بعض القوى المتحكمة في غرفة القيادة التونسية.
وفي الوقت الذي كان التونسيون، ينتظرون رد فعل من السلطة إزاء هذه التطورات، وخاصة الحديث عن الصراعات داخل السلطة، وعن سيناريوهات للتغيير السياسي، أصدر الجيش التونسي بيانا مقتضبا قبل أيام قليلة، تميز بالغموض من حيث توقيت صدوره، ومضمونه الذي زاد الطين بلة، ووسع من دائرة المخاوف على مستقبل البلاد، وأعطى الانطباع بوجود “شيء ما” يحدث فيما بين مؤسسات الدولة، دون أن يوضح البلاغ، اتجاهات ذلك، أو أفقه، ما جعل عدد غير قليل من المراقبين، يشيرون إلى أن النص الذي أصدرته المؤسسة العسكرية، يشي بتطورات مرتقبة، لا أحد يمكنه أن يتوقع مآلاتها، ولا اتجاهها، ولكن جميع القراءات اتفقت تقريبا، على أن “التغيير قادم”، وأن المؤسسة العسكرية ستكون فاعلا رئيسيا فيما سوف يحصل في البلاد خلال الفترة المقبلة.
ولا شك أن هذه التطورات الدراماتيكية المتسارعة في الشأن التونسي، أطلقت ألسن التونسيين في المقاهي والساحات العامة، التي بدأت تتحدث عن ضرورة التغيير، وبأن البلاد، تتدحرج في مستويات عديدة، بينها مقدرات عيش التونسيين، والعزلة الدبلوماسية للسلطة، وتضخم حجم الملف الحقوقي الذي بات يؤثر على صورة البلاد، التي كانت نموذجا في الانتقال الديمقراطي، وتحولت حاليا، إلى ما يشبه “حقل تجارب” لسياسات الرئيس قيس سعيد، دون أن يكون لها أي تأثير على أوضاع التونسيين، أو مؤشرات تغيير في المستوى الاقتصادي أو التنموي عموما.
والسؤال الذي يطرحه الجميع، علنا وفي كواليس الحكم أيضا، هو: متى سيحصل التغيير؟ ومن سيقوده؟ وكيف ستتم هندسته؟ وما هي حدود التدخل الخارجي فيه، لا سيما في ظل حراك للسفير الأمريكي بتونس، يثير الكثير من التساؤلات، وظهور “خلاف” بين الرئاسة التونسية، والقيادة الإيطالية، ترجمه مقال مثير للصحيفة الإيطالية، “لا كوريرا ديلا سيرا”، الذي تحدث عن سياقات التغيير في تونس، والفشل الراهن للسلطة.
من المؤكد، وفق هذه التطورات، أن المياه تتحرك في الوادي التونسي.. لكن لا أحد بإمكانه توقع مآلات الأمور، ولا اتجاه الريح.. الجميع “في انتظار قودو”.. كما تقول إحدى مسرحيات شكسبير.. و”قودو تونس”، لا يزال في خانة المجهول.. وتلك من المشكلات البنيوية للأزمة التونسية الراهنة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.aljazeera.net
بتاريخ: 2026-06-01 10:40:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
