صدر الصورة، عربيان
أخرج ميجي ألابي عدداً من ألبومات الموسيقى الأكثر مبيعاً حول العالم لمشاهير من أمثال بيونسيه، وبورنا بوي، ودافيدو وستورمزي؛ ورغم فوزه بجائزة غرامي، وجد ألابي نفسه أمام تحدٍ كبير عندما شرع في عمله الوثائقي الجديد بخصوص الحرب الأهلية النيجيرية.
** تحذير: المقال ينطوي على تفاصيل ربما يجدها البعض مزعجة.
أنتجت بي بي سي وثائقياً بعنوان “ناجون من بيافرا: أصوات من الحرب الأهلية النيجيرية”. هذا الوثائقي يحتوي على صور ومقاطع فيديو لم تُعرَض من قبل، كانت عيون الكاميرا التقطتْها على جبهات القتال إبان هذه الحرب المدمِرة التي امتدتْ من عام 1967 إلى عام 1970 – حينما هددتْ توترات عرقية بتمزيق أوصال نيجيريا.
مُخرِج الوثائقي ميجي ألابي يبلغ من العمر 37 عاماً، وهو من مواليد لندن، لأبوين نيجيريين، قبل أن تنتقل الأسرة بعد ذلك إلى ولاية تكساس الأمريكية – حيث تلقّى ألابي دروسه.
يقول ألابي: “بالنسبة لي، فتّح هذا الوثائقي عيني على هذه الحرب التي كنت أجهل من أمرها الكثير”.
وقبل خمس سنوات، أحرز ميجي ألابي انتصاراً في مجال عمله، عندما فاز بجائزة غرامي عن مشاركته في إخراج فيديو أغنية “براون سْكين غيرل” للنجمة بيونسيه.
ثم تعاون ميجي ألابي مع عمّه ليكَي ألابي-إيساما، والذي يعمل في صناعة الأفلام كما أنه شريك مؤسس مع ميجي لشركة إنتاجهما التي تتخذ من لاغوس مقراً لها تحت اسم “برايورغولد بيكتشرز”، لتولَد من رحِم هذا التعاون فكرة هذا الوثائقي التاريخي الذي يسبر أغوار ماضي نيجيريا الأليم.
وكان ميجي وعمّه ليكَي يعلمان الشيء القليل من أمر هذه الحرب الأهلية، ممّا رواه لهما غودوين ألابي-إيساما (والد ليكَي وجدّ ميجي) والذي كان ضابطاً كبيراً في صفوف الجيش الحكومي في مواجهة انفصاليّي الإيغبو الذين كانوا يسعون للاستقلال بإقليم بيافرا جنوب شرقي نيجيريا.
صدر الصورة، جودوين ألابي عصام
يقول ليكَي: “السردية التي وصلتني كانت من وجهة نظر حكومية فقط؛ فلم أسمع أبداً عن الفظائع، ولم أعرف شيئاً عن معاناة الجانب الآخر وآلامه”.
الناجون من هذه الحرب، والذين تتراوح أعمارهم الآن بين السبعين والثمانين، يحكون لبي بي سي في هذا الوثائقي ما شاهدوه وعاينوه بأنفسهم خلال فترة رسمتْ حياة ملايين ولا تزال أصداؤها تتردّد حتى اليوم.
عُرف هذا الصراع كذلك باسم “حرب بيافرا”، وكان قد اشتعل في أعقاب سلسلة من الانقلابات العسكرية، وبعد أشهُر من المجازر بحقّ كثيرين من عرقية الإيغبو كانوا موجودين في شمال نيجيريا؛ ليضطر نحو مليون من هؤلاء الإيغبو إلى العودة إلى موطنهم الأصلي في جنوب شرقي البلاد – حيث سعتْ ثلاث ولايات إلى الانفصال عن الدولة النيجيرية تحت اسم “جمهورية بيافرا المستقلة”.
من جانبها، أعلنت الحكومة النيجيرية الحرب – لتخوض أحد أكثر الصراعات دمويةً في تاريخ القارة السمراء.
وتشير التقديرات إلى سقوط ما بين 500 ألف إلى ثلاثة ملايين قتيل في هذه الحرب – معظمهم من الأطفال.
وفي هذه الحرب، حدث أن قامت شاشات التليفزيون حول العالم لأول مرة ببثّ كارثة إنسانية.
صدر الصورة، وكالة فرانس برس عبر غيتي إيماجز
نقلت الشاشات للمرة الأولى مشاهد حيّة لأطفال يموتون جوعاً، قبل أن تعلن بيافرا الاستسلام بعد 30 شهراً من القتال.
معظم النيجيريين لا يعرفون من أمر هذا الفصل في كتاب تاريخ بلادهم إلا ما يُروَى لهم من قصص عبر الآباء والأجداد؛ عِلماً بأنه قبل نحو عشرة أعوام، لم تكن مادة التاريخ من المقررات الرسمية المعتمدة في المدارس القومية بنيجيريا.
وفي ذلك، يقول ليكَي، البالغ من العمر 44 عاماً، والمولود في ولاية أوغون جنوب غربي نيجيريا، إنّ حرب بيافرا هذه كانت تُختصَر في سطر واحد أو سطرين على الأكثر في الكتب.
ويضيف ليكَي: “حتى اليوم، لم تحظَ هذه الحرب بالتغطية الكافية، لا سيما فيما يتعلق بحجم المعاناة. وفي اعتقادي أن نيجيريا إنما تخشى مواجهة حقيقتها في مرآة هذه الحرب”.
ويقول ليكَي إنه، هو وإخوته الـ 23، لا يعرفون من أمر هذه الحرب إلا ما رواه لهم أبوهم غودوين ألابي-إيساما الذي كان ضابطاً كبيراً بالجيش الحكومي إبان هذه الحرب.
ويضيف ليكَي أنه كان ينظر إلى أبيه كأحد أبطال هذه الحرب الذين أسهموا في تحرير قُرى ومُدن هذه البلاد.
وبعد أن نيّف ليكَي على الثلاثين، شرع في تقصّي وقائع هذه الحرب التي سمع عن أهوالها، وعن دور والده فيها – في سبيل الوقوف على حجم المعاناة.
ويواجه الجيش الحكومي، بما في ذلك الوحدة التي خدم فيه والد ليكَي، اتهامات بارتكاب جرائم حرب في بيافرا – بما في ذلك إعدام مدنيين.
يقول ليكَي: “صُدمت لدى مشاهدتي لأول مرة هذه اللقطات الحيّة لأشخاص وأطفال يموتون من الجوع، وأظنها كانت لحظة إدارك للحقيقة بالنسبة لي .. عندما تكتشف ذلك، تعرف أنه ليس بإمكان أحد احتكار الحقيقة – في لحظة تُعلّم المرء التواضع”.
ويؤكد ليكَي وميجي أنهما لا يفهمان سبب غياب أفلام نيجيرية عن هذه الحرب الأهلية، مشيرَين إلى صعوبة العثور على رواية مُنصِفة لما وقع بالفعل.
كان هذا أحد الدوافع وراء إقدام هذا الثنائي، الذي عمل مع نجوم موسيقيين عالميين، على القيام بعمل هذا الوثائقي – “ناجون من بيافرا: أصوات من الحرب الأهلية النيجيرية”.
صدر الصورة، عربيان
ميجي، الذي أسهم في وصول الموسيقى النيجيرية للعالمية مُحققاً عشرات الملايين من المشاهدات، يقول إن “هذا الموضوع لم يخضع لتناوُل مباشر من قبل، كما لم يحظَ بفضول جيل الشباب التوّاق للمعرفة”.
شهد الوثائقي تعاوناً بين مواهب إقليمية – بينها الموسيقار الغاني راي مايكل دجان جونيور، مؤلف الموسيقى التصويرية لفيلم “بلاك بانثر: واكاندا فورإيفر”.
كما اعتمد الوثائقي على خبرات في خدمة “بي بي سي إيغبو”، مستعيناً كذلك بباحثين في تاريخ شعب الإيغبو، فضلاً عن شهادات ناجين من الحرب، بعضهم لم يتحدث من قبل عما شاهد من ويلات.
يقول ليكَي: “شمسُ ذلك الجيل الذي شهد الحرب آخذة في الغروب، وإذا لم نوثق شهاداته فإننا نخاطر بفقدان هذه الذاكرة .. إنها فرصة لتوثيق هذا التاريخ على نحو يُسهم في الفهم والعلاج”.
من بين هؤلاء الناجين، سيدتان كانتا جنديتين إبان تلك الحرب – كل منهما في خندق مُعادٍ للآخر.
كما يحتوي الوثائقي على شهادة لأحد عُمّال الإغاثة وكذلك لمراسل بي بي سي السابق مارتن بِل، حيث ينتقد كلاهما الاستجابة الدولية لتلك الأزمة.
وحينما كان كل من ليكَي وميجي يستمعان للعديد من القصص على لسان غودوين ألابي-إيساما، لم يكن في وسعهما أن يطرحا أسئلة حادّة أو قاسية.
وحرصاً على الحيادية فيما يتعلق بدور الضابط السابق غودوين في جرائم الحرب المزعومة، رأى فريق التحرير في بي بي سي أن يقود الحوار في هذا الوثائقي.
وفي أثناء تلك الحرب، فرضت الحكومة النيجيرية حصاراً على بيافرا، لتمنع الطعام من الدخول إلى الإقليم، ما أفضى إلى مجاعةٍ راح ضحيّتها مئات الآلاف من البشر.
يحكي ليكَي قائلاً إنه لأول مرّة طوال عمره البالغ 43 عاماً، يسمع صوت أبيه مرتجفاً، عندما جعله يشاهد مقطع فيديو (بالأبيض والأسود) يظهر فيه أطفال يفتك بهم الجوع.
ويضيف ليكَي: “عندما أصلُ إلى هذه النقطة كلما عاودتُ مشاهدة الوثائقي، يقشعرّ جسدي”.
وفي ثنايا الحوار، يحكي غودوين كيف أنه ذاق – بدون أن يعلم – طعم اللحم البشري؛ موضحاً أن قرويين في منطقة مُحتلة من إقليم بيافرا إبان الحرب قدّموا إلى وحدته في الجيش طعاماً كان يتضمن لحوماً بشرية.
من جانبها، علّقت الحكومة النيجيرية الحالية على هذا الوثائقي، مُعربة عن أملها في أن يكون بمثابة مُنوّه عن مدى الشوط الطويل الذي قطعتْه نيجيريا على مدار 59 عاماً منذ نهاية هذه الحرب.
وشدّدت الحكومة النيجيرية على أهمية الحوار والمصالحة المجتمعية والمشاركة في بناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة، وهذا وأكثر منه كلّ ما يتمناه ليكَي وميجي.
يقول ليكَي: “أملي أن يشجّع هذا الوثائقي النيجيريين على مواجهة النقاط الحالكة في تاريخهم المشترَك، بروحٍ من الأمانة والتدبُّر والتعاطُف”.
ويتفق ميجي: مضيفاً: “نأمل كذلك في أن يشجّع هذا الوثائقي المزيد من الناجين من هذه الحرب على الإدلاء بما لديهم من شهادات لتوثيق تاريخنا، فهذه قصتّنا نحن لا غيرنا”.
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.bbc.com
بتاريخ: 2026-06-02 16:48:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
