الدفاع والامن

الاتفاق الأمريكي الإيراني المحتمل.. بين إدارة التصعيد وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية

الاتفاق الأمريكي الإيراني المحتمل.. بين إدارة التصعيد وإعادة تشكيل التوازنات الإقليميةالاتفاق الأمريكي الإيراني المحتمل.. بين إدارة التصعيد وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية

تشهد العلاقات الأمريكية–الإيرانية خلال الفترة الراهنة حراكًا دبلوماسيًا متسارعًا يعكس وجود إرادة سياسية لدى الطرفين للانتقال من مرحلة المواجهة المفتوحة إلى مرحلة إدارة الصراع وضبط إيقاعه. وقد اكتسبت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن استمرار المفاوضات مع إيران أهمية خاصة، ليس فقط بسبب ارتباطها بالملف النووي الإيراني، وإنما أيضًا بسبب تزامنها مع مجموعة من المتغيرات الإقليمية والدولية التي فرضت ضغوطًا متزايدة على جميع الأطراف المعنية.

ولا يبدو أن ما يجري حاليًا يهدف إلى إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 بصيغته السابقة، وإنما يعكس توجهًا نحو بناء تفاهم مرحلي محدود يركز على احتواء التوترات الأمنية، وضمان استقرار الممرات البحرية الحيوية، وتخفيف احتمالات الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة قد تؤثر بصورة مباشرة على أمن الطاقة العالمي واستقرار الأسواق الدولية.

ويمكن النظر إلى التحركات الأمريكية والإيرانية باعتبارها محاولة متبادلة لإدارة الأزمة، وليس لتسويتها بشكل نهائي. فواشنطن تسعى إلى منع تحول التصعيد الحالي إلى صراع إقليمي شامل، مع الحفاظ على ضغوطها السياسية والاقتصادية تجاه طهران، في حين تسعى الأخيرة إلى تخفيف آثار العقوبات الاقتصادية والحفاظ على مكتسباتها الاستراتيجية دون تقديم تنازلات جوهرية في الملفات الحساسة.

ومما سبق، تطرح التطورات الحالية تساؤلات مهمة حول طبيعة الاتفاق المحتمل، والدوافع الحقيقية التي تدفع الطرفين نحو التفاوض في هذه المرحلة، ومدى قدرة أي تفاهم مرحلي على إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني وأمن الخليج ومستقبل العقوبات الأمريكية.

ولذلك، نسعى هنا إلى تحليل أبعاد الاتفاق الأمريكي–الإيراني المحتمل، واستشراف انعكاساته على مختلف الأطراف الإقليمية والدولية المعنية.

الاتفاق الأمريكي الإيراني المحتمل

تشير المعطيات المتاحة إلى أن الاتفاق المطروح حتى الآن لا يبدو اتفاقًا نوويًا شاملًا يشبه خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، وإنما هو أقرب إلى تفاهم مرحلي أو مذكرة محدودة تهدف إلى خفض التصعيد وفتح المجال أمام مفاوضات أوسع في مرحلة لاحقة.

ووفقًا للتقارير المتداولة، فإن أساس هذا التفاهم المحتمل يدور حول وقف أو تخفيف بعض مظاهر المواجهة، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، ورفع أو تخفيف بعض القيود المرتبطة بالموانئ والصادرات النفطية الإيرانية، في مقابل التزامات إيرانية تتعلق بعدم التصعيد، ومواصلة التفاوض حول القضايا النووية الأكثر تعقيدًا.

وتكمن أهمية هذا المسار في أنه يعكس محاولة من الطرفين للفصل بين الملفات العاجلة والملفات المؤجلة؛ فالولايات المتحدة تريد تهدئة التوتر وحماية الملاحة ومنع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية، في حين تسعى إيران إلى تخفيف الضغط الاقتصادي، والحصول على موارد مالية، والحفاظ في الوقت نفسه على أوراقها التفاوضية في الملف النووي.

دلالات الاتفاق بالنسبة للولايات المتحدة

من الناحية السياسية، تعكس الأحاديث الأمريكية المتكررة عن قرب الاتفاق رغبة إدارة ترمب في تحقيق اختراق سياسي في ملف ظل من أكثر الملفات تعقيدًا في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. فواشنطن تدرك أن استمرار المواجهة المفتوحة مع إيران يفرض عليها أعباء سياسية وعسكرية واقتصادية، خاصة في ظل اتساع نطاق الأزمات الدولية وتعدد بؤر التوتر.

كما أن الإدارة الأمريكية تحاول تقديم نفسها بوصفها قادرة على الجمع بين الضغط العسكري والدبلوماسية؛ فهي لا تتخلى عن خطاب الردع، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام اتفاق يمكنها تسويقه داخليًا باعتباره اتفاقًا يحقق المصالح الأمريكية، ويمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، ويحمي الملاحة الدولية.

ومن الناحية السياسية أيضًا، يسعى ترمب إلى إظهار أن نهجه التفاوضي مختلف عن الاتفاق النووي السابق، من خلال التركيز على أن أي اتفاق جديد يجب أن يكون جيدًا للولايات المتحدة، وأن يتضمن خطوطًا حمراء واضحة، وفي مقدمتها عدم امتلاك إيران سلاحًا نوويًا.

أما من الناحية الاقتصادية، فترتبط الحسابات الأمريكية في هذا الملف باستقرار أسواق الطاقة العالمية، خاصة أن التوتر حول مضيق هرمز ينعكس سريعًا على أسعار النفط وحركة التجارة الدولية وثقة الأسواق.

كما أظهرت تقارير الطاقة الأخيرة أن أي مؤشرات على توقف المحادثات أو احتمال تعطيل الملاحة تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، في حين تؤدي الأخبار المتعلقة بقرب الاتفاق أو تمديد الهدنة إلى تراجع الأسعار وهدوء الأسواق.

ولذلك، فإن واشنطن لا تنظر إلى الاتفاق المحتمل باعتباره ملفًا سياسيًا فقط، بل تنظر إليه بوصفه أداة لإدارة المخاطر الاقتصادية العالمية، خاصة أن مضيق هرمز يظل أحد أهم الممرات البحرية المرتبطة بتدفقات النفط والغاز نحو آسيا وأوروبا.

ومن الناحية الأمنية، تسعى الولايات المتحدة إلى تقليل احتمالات المواجهة المباشرة مع إيران، خاصة بعد تكرار الضربات والهجمات المتبادلة. كما تريد واشنطن منع تحول التوتر إلى حرب إقليمية شاملة تشمل الخليج والعراق ولبنان واليمن والبحر الأحمر.

ولذلك يمكن فهم الاتفاق المحتمل بوصفه محاولة لإعادة ضبط قواعد الاشتباك، وليس لإنهاء الخلافات جذريًا. فالولايات المتحدة تريد تهدئة الساحات الأكثر خطورة، لكنها لا تزال تربط أي اتفاق دائم بملفات البرنامج النووي، والصواريخ، والسلوك الإقليمي لإيران.

دلالات الاتفاق بالنسبة لإيران

اقتصاديًا، ظلت إيران تعاني منذ سنوات من آثار العقوبات الأمريكية والغربية، بالإضافة إلى الضغوط الداخلية المتراكمة المرتبطة بالتضخم، وتراجع القدرة الشرائية، وصعوبة الوصول إلى الموارد المالية المجمدة، والقيود المفروضة على الصادرات النفطية.

ولذلك فإن أي اتفاق محدود يمكن أن يمنح طهران متنفسًا اقتصاديًا مهمًا. وتسعى إيران من خلال التفاوض إلى الحصول على تخفيف جزئي للعقوبات، أو إعفاءات مرتبطة بتصدير النفط، أو فتح مسارات مالية تسمح لها بالحصول على جزء من أموالها المجمدة.

وهذه المكاسب لا تعني بالضرورة حل الأزمة الاقتصادية الإيرانية، لكنها قد تمنح النظام فرصة لاحتواء الضغوط الداخلية، وشراء الوقت، وتحسين موقعه في المفاوضات اللاحقة.

وسياسيًا، تريد إيران أن تظهر بمظهر الدولة التي لم تخضع للضغوط الأمريكية، وأن أي اتفاق يتم التوصل إليه سيكون نتيجة لصمودها وليس نتيجة لتراجعها. ولذلك تركز التصريحات الإيرانية على رفض المطالب المتناقضة من واشنطن، وعلى ضرورة أن تكون المواقف الأمريكية واضحة ونهائية.

كما تسعى طهران إلى ربط الملف النووي بالبيئة الإقليمية الأوسع، وخاصة ما يتعلق بالهجمات الإسرائيلية في لبنان وغزة، والدور الأمريكي في دعم إسرائيل.

ومن هنا يظهر أن إيران لا تريد اتفاقًا فنيًا ضيقًا فقط، بل تريد إدخال عناصر أمنية وسياسية تضمن عدم تعرضها أو تعرض حلفائها لمزيد من التصعيد.

فيما يتعلق بالبرنامج النووي

تحاول إيران الحفاظ على حقها في امتلاك برنامج نووي سلمي، مع تجنب تقديم تنازلات كبرى قبل الحصول على مكاسب اقتصادية وسياسية ملموسة. وفي المقابل، تتمسك الولايات المتحدة بعدم امتلاك إيران قدرة على إنتاج سلاح نووي.

كما تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن الملف النووي الإيراني لا يزال يمثل مصدر قلق دولي، خاصة فيما يتعلق بمستويات التخصيب والرقابة والتفتيش.

ولذلك فإن أي اتفاق محدود لن يكون كافيًا لإنهاء الأزمة النووية، لكنه قد يمهد لجولة تفاوضية أوسع حول القيود الفنية والضمانات وآليات التفتيش.

دلالات الاتفاق بالنسبة للعلاقات الأمريكية–الإيرانية

إذا تم التوصل إلى الاتفاق المحتمل، فسوف يمثل ذلك تحولًا نسبيًا في مسار العلاقات الأمريكية–الإيرانية. وهو لا يعني تطبيعًا للعلاقات، لكنه قد يعيد فتح قنوات تواصل أكثر انتظامًا بين الطرفين بعد مرحلة طويلة من انعدام الثقة.

كما يمكن أن يؤدي الاتفاق إلى خلق نمط جديد من إدارة الصراع بدلًا من حل الصراع. فواشنطن وطهران لا تبدوان مستعدتين لتسوية شاملة لكل الملفات، ولكنهما قد تكونان مستعدتين لتفاهمات جزئية تمنع الانفجار الكامل وتؤجل القضايا الأكثر تعقيدًا.

ولكن من الناحية العملية، يُعد هذا النوع من الاتفاقات المرحلية أكثر قابلية للتحقق من الاتفاقات الشاملة، لكنه في الوقت نفسه أكثر عرضة للانهيار، لأن أي تصعيد في لبنان أو الخليج أو العراق أو البحر الأحمر قد يعيد الطرفين سريعًا إلى المواجهة.

الاتفاق المحتمل ومضيق هرمز

يُعد مضيق هرمز أحد أهم عناصر الضغط في المفاوضات الحالية. فإيران تدرك أن قدرتها على التأثير في حركة الملاحة عبر المضيق تمنحها ورقة تفاوضية بالغة الأهمية، كما ترى الولايات المتحدة أن حرية الملاحة في هذا الممر تمثل خطًا أحمر للأمن الاقتصادي العالمي.

ولذلك فإن أي تفاهم أمريكي–إيراني سيكون مرتبطًا بدرجة كبيرة بضمان عدم تعطيل حركة السفن وناقلات النفط. وقد يكون فتح المضيق أو ضمان حرية العبور أحد البنود المركزية في أي مذكرة تفاهم، في مقابل رفع بعض القيود الأمريكية على الموانئ أو صادرات النفط الإيرانية.

وتكمن خطورة هذا الملف في أن مضيق هرمز لا يرتبط فقط بالعلاقات الأمريكية–الإيرانية، بل يرتبط أيضًا بمصالح الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا ودول الخليج. ولذلك فإن استقرار المضيق يمثل مصلحة دولية كبرى، وليس مصلحة أمريكية فحسب.

الاتفاق المحتمل ومستقبل العقوبات على إيران

تريد إيران رفعًا ملموسًا للعقوبات، أو على الأقل تخفيفًا يسمح لها بالحصول على عوائد اقتصادية واضحة، في حين تريد الولايات المتحدة ربط أي تخفيف للعقوبات بسلوك إيراني قابل للتحقق. ولذلك يظل ملف العقوبات المحور الأكثر حساسية في أي اتفاق محتمل.

ومن الممكن أن يكون الاتفاق، إذا تم، قائمًا على تخفيف تدريجي ومحدود للعقوبات، وليس رفعًا شاملًا لها. فقد يشمل ذلك السماح بقدر معين من الصادرات النفطية، أو الإفراج الجزئي عن أموال مجمدة، أو تخفيف القيود المرتبطة بالموانئ، مع بقاء العقوبات الأساسية كورقة ضغط أمريكية في المفاوضات التالية.

وهنا تظهر معضلة أساسية؛ فإيران لا تثق في استمرارية التعهدات الأمريكية، خاصة بعد تجربة الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي السابق، كما أن واشنطن لا تثق في التزامات إيران النووية والإقليمية. ولذلك فإن الضمانات وآليات التنفيذ ستكون من أهم القضايا التي تحدد فرص نجاح الاتفاق.

المواقف الدولية

روسيا

تتابع روسيا المفاوضات الأمريكية–الإيرانية من زاوية تأثيرها في شراكتها مع طهران وفي توازنات الشرق الأوسط. فلا تعارض موسكو مبدئيًا أي مسار دبلوماسي يقلل احتمالات التصعيد، خاصة إذا كان يحافظ على حق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية.

ومن جهة أخرى، تنظر روسيا بحذر إلى أي تقارب أمريكي–إيراني واسع قد يقلل اعتماد طهران عليها اقتصاديًا وسياسيًا. كما أن موسكو ترى في الملف الإيراني جزءًا من صراع أوسع مع الغرب حول العقوبات والنظام الدولي ودور مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ولذلك فإن موقف موسكو سيظل داعمًا للحلول الدبلوماسية، لكنه في الوقت ذاته سيظل حريصًا على ألا يتحول الاتفاق إلى أداة أمريكية لإعادة تشكيل موقع إيران بعيدًا عن الشراكة مع روسيا.

ويبرز هنا سؤال مهم: هل يضر نجاح الاتفاق بالمصالح الروسية؟

فعلى الرغم من الترحيب الروسي المعلن بأي مسار دبلوماسي يحد من احتمالات التصعيد، فإن موسكو لا تنظر بالضرورة إلى أي تقارب أمريكي–إيراني واسع بوصفه تطورًا إيجابيًا بالكامل. فاستمرار العقوبات الغربية على إيران أسهم خلال السنوات الأخيرة في تعميق الشراكة الاقتصادية والعسكرية بين موسكو وطهران، بينما قد يؤدي أي انفتاح اقتصادي إيراني على الغرب إلى خفض مستوى الاعتماد الإيراني على روسيا في بعض المجالات الاستراتيجية.

الصين

بالنسبة للصين، فإن أي اتفاق يقلل التوتر في الخليج ويضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز يُعد تطورًا إيجابيًا. فبكين ترتبط بمصالح واسعة في قطاع الطاقة الإيراني، كما تعتمد على استقرار الممرات البحرية في الخليج لضمان أمن إمدادات الطاقة.

ولذلك فمن المرجح أن تدعم الصين أي تسوية تخفف العقوبات وتعيد الاستقرار إلى المنطقة، لكنها في الوقت نفسه ستعارض أي ترتيبات تؤدي إلى تصعيد عسكري أو فرض عزلة كاملة على إيران.

أوروبا

تنظر الدول الأوروبية إلى الاتفاق المحتمل باعتباره فرصة لإحياء المسار الدبلوماسي المتعثر مع إيران، وتجنب العودة إلى التصعيد الشامل في الملف النووي.

كما أن أوروبا معنية باستقرار أسواق الطاقة، ومنع اتساع الحرب في الشرق الأوسط، والحفاظ على دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الرقابة والتفتيش.

لكن الدول الأوروبية ستظل حذرة من أي اتفاق لا يتضمن ضمانات واضحة بشأن البرنامج النووي الإيراني، خاصة في ظل المخاوف المتراكمة من مستويات التخصيب والقيود المفروضة على الرقابة الدولية.

انعكاسات الاتفاق المحتمل على التوازنات الإقليمية

لا تقتصر أهمية الاتفاق الأمريكي–الإيراني المحتمل على طبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران، بل تمتد لتشمل معظم التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط. فالتطورات المرتبطة بالملف الإيراني ترتبط بصورة مباشرة بمستقبل الصراعات الإقليمية، وأمن الطاقة العالمي، وموازين القوى بين الفاعلين الإقليميين والدوليين.

إسرائيل ومخاوف تخفيف الضغوط على إيران

تُعد إسرائيل من أكثر الأطراف متابعة لمسار المفاوضات الأمريكية–الإيرانية، حيث تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني باعتباره التهديد الاستراتيجي الأبرز لأمنها القومي.

ومن هنا تبدي تل أبيب تحفظات متكررة تجاه أي تفاهمات لا تتضمن قيودًا صارمة على أنشطة التخصيب الإيرانية، أو لا تعالج القدرات الصاروخية الإيرانية وشبكة الحلفاء الإقليميين المرتبطين بطهران.

وتخشى إسرائيل أن يؤدي أي تخفيف للعقوبات إلى تعزيز القدرات الاقتصادية الإيرانية، بما يسمح لطهران بزيادة دعمها لحلفائها في لبنان وسوريا والعراق واليمن. ولذلك فقد تسعى تل أبيب إلى التأثير في مسار المفاوضات من خلال الضغوط السياسية على واشنطن، أو من خلال مواصلة العمليات الأمنية والعسكرية التي تستهدف الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة.

دول الخليج بين الترحيب والحذر

من المرجح أن تنظر دول الخليج العربية إلى أي اتفاق يؤدي إلى خفض التوتر في الخليج العربي ومضيق هرمز باعتباره تطورًا إيجابيًا يسهم في حماية التجارة الدولية وضمان استقرار صادرات الطاقة. فالدول الخليجية تدرك أن أي مواجهة عسكرية واسعة بين الولايات المتحدة وإيران ستنعكس بصورة مباشرة على أمنها الاقتصادي والاستثماري.

ولا تخلو المواقف الخليجية من بعض التحفظات المرتبطة بإمكانية أن يؤدي تخفيف الضغوط الاقتصادية على إيران إلى تعزيز نفوذها الإقليمي. ولذلك فإن العديد من دول الخليج تفضل أن يتضمن أي اتفاق ترتيبات أمنية واضحة تضمن عدم توظيف المكاسب الاقتصادية الإيرانية في توسيع نطاق النفوذ الإقليمي أو دعم الجماعات المسلحة الحليفة لطهران.

العراق وسوريا ولبنان

من الممكن أن ينعكس نجاح الاتفاق بصورة إيجابية على عدد من الساحات الإقليمية التي تشهد تداخلًا بين المصالح الأمريكية والإيرانية. ففي العراق قد يسهم خفض التوتر بين الطرفين في تقليل احتمالات المواجهة غير المباشرة بين القوات الأمريكية والفصائل المسلحة المرتبطة بإيران.

كما قد يسهم الاتفاق في تخفيف حدة الاستقطاب داخل الساحة اللبنانية، خاصة إذا ترافق مع ترتيبات إقليمية أوسع تهدف إلى احتواء التصعيد العسكري على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية.

أما في سوريا، فيمكن أن يؤدي تراجع احتمالات المواجهة الأمريكية–الإيرانية إلى تعزيز فرص التهدئة النسبية، دون أن يؤدي بالضرورة إلى تسوية سياسية شاملة.

البحر الأحمر وجماعة الحوثيين

تمثل التطورات المرتبطة بأمن البحر الأحمر أحد أهم المتغيرات المؤثرة في الحسابات الأمريكية الحالية، حيث تدرك واشنطن جيدًا أن استمرار الهجمات على حركة الملاحة الدولية يفرض تكاليف اقتصادية وأمنية متزايدة على التجارة العالمية.

وفي حال نجاح التوصل إلى الاتفاق الأمريكي–الإيراني، فقد يؤدي ذلك إلى خلق بيئة إقليمية أقل توترًا، ومن الممكن أن ينعكس بصورة غير مباشرة على مستوى التهديدات التي تواجه الممرات البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن.

كما أن تحقيق هذا الهدف سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الأطراف المختلفة على الفصل بين الملف النووي الإيراني والملفات الإقليمية الأخرى الأكثر تعقيدًا.

إعادة تشكيل معادلات النفوذ الدولي

قد يؤدي الاتفاق المحتمل إلى إعادة ترتيب بعض معادلات النفوذ بين القوى الكبرى في المنطقة. فمن المرجح أن تسعى الولايات المتحدة إلى توظيف أي نجاح دبلوماسي لتعزيز موقعها الإقليمي وإثبات قدرتها على إدارة الأزمات المعقدة.

كما ستراقب كل من روسيا والصين انعكاسات الاتفاق على علاقاتهما الاستراتيجية مع إيران. فمن الممكن أن ترحب موسكو وبكين بأي تطور يحد من احتمالات الحرب الإقليمية ويضمن استقرار أسواق الطاقة، لكنهما ستبقيان حذرتين من أي تقارب أمريكي–إيراني واسع قد يفتح المجال أمام إعادة دمج إيران تدريجيًا في النظام الاقتصادي الدولي بصورة تقلل من اعتمادها على الشراكات الحالية مع روسيا والصين.

العقبات التي قد تواجه الاتفاق

وبرغم المؤشرات التي تتحدث عن قرب الاتفاق، فإن هناك عقبات كبيرة قد تحول دون التوصل إلى تفاهم نهائي، أو قد تجعل الاتفاق هشًا وقابلًا للانهيار، ومنها:

  • التحديات المتعلقة بالملف النووي، وخاصة مستويات تخصيب اليورانيوم، ومصير المخزون الإيراني، وآليات التفتيش، ودور الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
  • العقوبات المفروضة على إيران؛ فإيران تريد مكاسب اقتصادية ملموسة وسريعة، لكن الولايات المتحدة تريد الاحتفاظ بآليات ضغط تضمن التزام طهران.
  • التحديات المتعلقة بمضيق هرمز، لأن أي حادث بحري أو عسكري قد يؤدي إلى انهيار سريع للتهدئة.
  • التحديات المتعلقة بإسرائيل والجبهات الإقليمية، فاستمرار التصعيد في لبنان أو غزة أو العراق قد يجعل إيران ترى أن التفاوض لا يحقق لها ضمانات أمنية كافية.
  • التحدي المتعلق بالثقة السياسية، وهي شبه غائبة بين الطرفين، خاصة بعد تجربة الاتفاق النووي السابق، وانسحاب الولايات المتحدة منه، ثم توسع إيران في أنشطتها النووية ردًا على ذلك.

وختامًا، تشير التصريحات الأمريكية الأخيرة إلى أن الولايات المتحدة وإيران تقتربان من صيغة تفاهم مرحلية تهدف بالدرجة الأولى إلى إدارة التصعيد واحتواء المخاطر الأمنية والاقتصادية المتزايدة في المنطقة، أكثر مما تهدف إلى التوصل إلى تسوية شاملة للخلافات الممتدة بين الطرفين.

فالقضايا الأساسية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الأمريكية، والنفوذ الإقليمي، والضمانات الأمنية المتبادلة، لا تزال تمثل ملفات شديدة التعقيد يصعب حسمها في إطار اتفاق محدود أو قصير المدى.

ولكن يبدو أن الطرفين توصلا إلى قناعة مشتركة مفادها أن كلفة التصعيد أصبحت أعلى من كلفة التفاوض، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، وحساسية أسواق الطاقة العالمية، وتزايد المخاوف من اضطراب حركة الملاحة في الممرات البحرية الاستراتيجية.

ولذلك، فإن التفاهم المحتمل يمثل محاولة لتجميد عناصر الأزمة الأكثر إلحاحًا دون معالجة جذورها الأساسية.

لكن فرص استدامة أي اتفاق سوف تظل مرهونة بمدى قدرة واشنطن وطهران على بناء حد أدنى من الثقة السياسية المتبادلة، وبقدرتهما على تحييد تأثير الأزمات الإقليمية الأخرى، خاصة فيما يتعلق بملفات مثل لبنان وغزة والعراق والبحر الأحمر.

كما أن مواقف الأطراف الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها إسرائيل ودول الخليج وروسيا والصين، ستظل عاملًا مؤثرًا في تحديد مستقبل هذا المسار.

ومما سبق، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال المرحلة المقبلة لا يتمثل في عودة كاملة إلى نموذج الاتفاق النووي لعام 2015، وإنما في ظهور نموذج جديد قائم على التفاهمات المرحلية المتدرجة، بما يسمح للطرفين بإدارة الصراع وخفض احتمالات الانفجار الإقليمي، مع إبقاء الملفات الخلافية الكبرى مفتوحة أمام جولات تفاوضية لاحقة.

ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: eurasiaar.org

تاريخ النشر: 2026-06-03 16:56:00

الكاتب: أسماء مجدي

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-06-03 16:56:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *