ثمة أدباء لا يزيدهم الرحيل إلا حضورا متوهجا في فوانيس الذاكرة؛ إذ كلما ارتفع منسوب الغياب، يصبحون بمثابة أيقونات خالدة تظلل سيرة الممارسات الأدبية، فـ “الموت صورة قبل أن يكون غيابا ميتافيزيقيا” على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار.
لذلك فإن أثر الأدب الحقيقي لا يقاس بمقروئية النص وانتشاره الرقمي اليوم، بل من خلال ما يستطيع أن ينحته من مفاهيم ويتركه من جرح غائر في المجتمع، حيث تعمل المؤلفات الجادة على نسج علاقة آسرة مع الواقع ومرافقته في “ليل السؤال”.
اقرأ أيضا
قائمة من 2 العناصرنهاية القائمةوفي هذا السياق، يُعد الروائي المغربي إدريس الشرايبي (1926-2007)، الذي تمر حالياً ذكرى مئوية مولده، أحد النماذج الأدبية العربية التي استطاعت أن تعبّر عن المجتمع وتكشف أعطابه وتصدعاته من خلال جنس الرواية، وبلغة طالما اعتبرت “غنيمة حرب” على حد وصف الجزائري كاتب ياسين.
إن المتأمّل لسيرة صاحب “الماضي البسيط” سيجد نفسه أمام تجربة قوية على مستوى الشكل وأصيلة من ناحية الموضوع، تبني نوعا من الأدب الواقعي الذي يعكس تحولات المجتمع المغربي منذ خمسينيات القرن العشرين.
الأدب أفقا للواقع
حرص الشرايبي في كل ما كتبه أن يبقى أميناً لمفاهيم شكلت “المعجم السحري” الذي ينهل منه؛ حيث الكتابة ملتصقة بمسام المنفى والعنصرية والذاكرة والهجرة والشتات.
وتحولت هذه القضايا إلى براديغمات تتبلور من خلالها القصص والحكايات، على شكل مشروع أدبي يعيد ممارسة نوع من “النقد المزدوج” للثقافة المحلية (الأم) ونظيرتها الأجنبية.
وبسبب الشرايبي، أصبحت هذه المفاهيم تشكل أحد الأعمدة البارزة داخل الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية؛ إذ يعود له الفضل في تكريس هذه المباحث داخل التخييل الأدبي، لتشرع الأجيال الجديدة في مطاردة أثر المهاجرين وتشريح وضعيتهم داخل البلدان الأوروبية، أو تشريح الهوية المغربية وجعلها تقف ندا في مختبر الحداثة الغربية.
هذا النزوع الفكري جدد الأدب العربي وجعله ينفتح على الآخر ويخرج من شرنقة الذات ومحاكاة واقع ما بعد الاستقلال، حيث كانت الكتابة آنذاك إما ذات طابع أيديولوجي مباشر، أو مجرد دغدغة للمشاعر وحنين إلى سنوات خلت، وهي كتابة – رغم بوادرها الجمالية في منتصف الستينيات – ظلت ذات نفس تقليدي يتهجى مبادئ الحداثة الأدبية التي اخترقت بنية الثقافة المغربية مع بداية السبعينيات.
نقد المجتمع المغربي
فطن إدريس الشرايبي -الذي تم الاحتفاء بمئويته ضمن فعاليات الدورة الـ 31 من المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط– لأهمية الواقع في جلب القراء ودفع النص ليكون ابن بيئته لا مجرد استعارة أدبية. لذلك، طالعتنا روايته الأولى الشهيرة “الماضي البسيط” (1954) كشهادة حقيقية للمغرب عشية الاستقلال، صوّر فيها التخلف السياسي والمخاض الاجتماعي آنذاك، مما جعل النخبة الوطنية تنتقده بشدة في تلك الحقبة، وتتهمه بالخذلان والخيانة ومدح الاستعمار. في حين أن القارئ اليوم يجد في الرواية نقدا حقيقيا لمفهوم القيم داخل التقاليد الموروثة ونظيرتها الغربية.
وفي حديثه لـ “الجزيرة”، يوضح الأكاديمي والناقد الدكتور محمد بوعزة أن الشرايبي يعد من أكثر الكتاب المغاربة إثارة للجدل، وأن هذا السجال ارتبط بما سماه عبد الكبير الخطيبي بـ “الخصومة الجدلية” في تلقي رواية “الماضي البسيط”.
تحكي رواية «الماضي البسيط» معضلة الصدام الحضاري بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الغربية، وبين التقاليد والحداثة، من خلال قصة تمرد البطل إدريس على سلطة الأب التي تمثل المجتمع المحافظ
ويضيف بوعزة: “في هذا السياق السياسي المتأزم (فترة نفي الملك محمد الخامس)، أثارت الرواية ردود فعل غاضبة من النخبة الوطنية التي رأت فيها تشويها للمجتمع في وقت يتعرض فيه لمظالم الاحتلال، واعتبرت الموقف تبريرا لجرائم فرنسا، ومما زاد من حدة الرفض ترحيب النخبة الاستعراضية الفرنسية بالعمل، مما دفع لاتهام الشرايبي بالخيانة والوقوع في إغواء الغرب”.
ومن أجل إنصاف الروائي، يشير بوعزة إلى أن عبد الكبير الخطيبي قدم تفسيرا نفسيا لموقف الشرايبي العنيف؛ مؤكداً أنه لا يصدر عن موقف سياسي، بل يعبر عن انفصال وجودي عميق يمثل نموذجا جذريا لـ “الفرد الإشكالي” الذي يعاني من القطيعة والغربة المطلقة داخل مجتمعه.
ويرى صاحب كتاب «سرديات ثقافية» أنه إذا تحررنا من منطق الخصومة، فإن الرواية شكلت لحظة تحول جمالية تأسيسية نقلت السرد المغربي من نمط الرواية الإثنوغرافية الفلكلورية إلى نموذج الرواية الحضارية والتحليل النفسي لوعي الفرد الممزق بين ثقافة المستعمِر وثقافة المستعمَر.
ويخلص بوعزة إلى أن “أهم إنجاز فكري قدمته الرواية هو التأكيد على أن التحرر من الاستعمار لا يكتمل إلا بالنقد الداخلي لهياكل السلطة الثقافية والسياسية المحلية، وهي البذور الأولى لما سماه الخطيبي لاحقاً بالنقد المزدوج”.
أدب مغربي بأقلام فرنسية.. أم جرح وجودي؟
أضحى الشرايبي بمثابة الأب الروحي للأدب المغربي المكتوب بالفرنسية، وهو الأدب الذي طالما وُجّه إليه نقد لاذع اعتبره مجرد “أدب فرنسي مكتوب بأقلام مغربية”.
هذا النقد ارتبط لاحقاً بأجيال تالية مثل الطاهر بن جلون، عبد اللطيف اللعبي، محمد خير الدين، وفؤاد العروي، بسبب النزوع نحو السيرة الذاتية (الأوتوبيوغرافي) أو الانتماء الفكري للمؤسسات الفرنكوفونية كسياسة ثقافية، تتماشى مع مقولة الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران بأن الفرنكوفونية تمثل امتدادا سياسيا واقتصاديا وثقافيا.
وفي هذا الصدد، وجّه المفكر ووزير الثقافة الأسبق بنسالم حميش في كتابه الشهيرة «الفرنكوفونية ومأساة أدبنا الفرنسي» نقدا حادا لهذا الأدب معتبراً إياه محاكاة تهجينية، ووضع كتاباته في خانة التواطؤ مع الامتداد الاستعماري. لكن غاب عن هذا الطرح أن اللغة بالنسبة لهؤلاء الأدباء لم تكن مجرد وسيلة تواصل، بل كانت “جرحا وجوديا” فُرض عليهم فرضا عبر التنشئة الاجتماعية والتكوين العلمي؛ فالكتابة بالفرنسية هنا توجّه جسد الإنسان وفكره بطريقة خفية.
ويقول إدريس الشرايبي واصفاً هذا الصراع الداخلي:
منذ عشر سنوات ودماغي العربي المفكر بالعربية يطحن مفاهيم أوروبية على نحو بالغ العبث، بحيث يحولها إلى مرارة يعقل بها. وإن بقي مستمرا فليس بفضل قاعدة التكيف، بل لأنه تحمل فوق ما يطيق من السحايا المتوالدة التي هي وحدها المتكيفة مع العالم الغربي
وينبغي الاعتراف بأن هذا الأدب المكتوب بالفرنسية ساهم بشكل غير مباشر في تحرير الأدب المغربي المكتوب بالعربية من سطوة التقليد وتكريس مركزية الذات.
ولم يقتصر هذا التجديد على الموضوعات، بل امتد للأساليب الفنية والقوالب الجمالية؛ حيث أصبح المغاربة يكتبون بوعي نقدي يؤمن بأن الأدب هو أساس الفكر وعماده، لتظهر روايات تشرّح الواقع كشكل من أشكال التأمل الفلسفي، وأخرى تستحضر التاريخ والوقائع السياسية بهدف إدانة جراح الحاضر.
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.aljazeera.net بتاريخ: 2026-06-03 14:27:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
