وثائق ماندلسون تكشف انتقادات بريطانية حادة لـ”إسرائيل” وخلافات داخل حكومة ستارمر بشأن فلسطين وتسليح الاحتلال
كشفت الدفعة الثانية من ما بات يُعرف بـ”وثائق ماندلسون” عن تفاصيل غير مسبوقة تتعلق بمواقف شخصيات بارزة داخل حزب العمال البريطاني تجاه الحرب على الفلسطينيين، كما سلطت الضوء على نقاشات حكومية داخلية بشأن استمرار تزويد “إسرائيل” بمكونات عسكرية، رغم الإدراك الرسمي لاحتمال استخدامها في انتهاك القانون الإنساني الدولي.
وتتعلق الوثائق بتعيين السفير البريطاني السابق لدى الولايات المتحدة بيتر ماندلسون، الذي أُقيل لاحقاً من منصبه بعد ظهور معطيات جديدة بشأن علاقاته بالملياردير الأميركي جيفري إبستين، المتهم باستغلال القاصرات والأطفال والذي توفي داخل السجن عام 2019.
وتكشف الوثائق أن وزير الصحة والرعاية الاجتماعية البريطاني السابق، ويس ستريتنغ، الذي استقال مؤخراً تمهيداً لخوض سباق زعامة حزب العمال ورئاسة الحكومة، وصف “إسرائيل” خلال مراسلات خاصة بأنها “دولة مارقة” يجب أن تواجه عقوبات على مستوى الدولة، معتبراً أنها ترتكب “جرائم حرب” بحق الفلسطينيين أمام أنظار العالم.
مراسلات داخلية
وأفرجت الحكومة البريطانية عن الوثائق ضمن ثلاثة مجلدات تشكل الدفعة الثانية من ملفات تعيين ماندلسون سفيراً في واشنطن، وذلك تنفيذاً لاتفاق مع مجلس العموم البريطاني، بعدما كانت الدفعة الأولى قد نُشرت في مارس/آذار الماضي.
وتتضمن الوثائق سلسلة من الرسائل المتبادلة عبر تطبيق “واتساب” بين ستريتنغ وماندلسون بشأن سياسة بريطانيا تجاه الحرب التي تشنها “إسرائيل” على الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وبحسب الوثائق، جرى أحد أبرز هذه النقاشات في 27 يوليو/تموز 2025، بالتزامن مع صدور بيانين من الحكومتين البريطانية والفرنسية حول الدولة الفلسطينية.
وكان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قد أكد في بيانه أن ما تشهده غزة من معاناة ومجاعة “أمر لا يوصف ولا يمكن تبريره”، مشدداً على أن إقامة الدولة الفلسطينية حق غير قابل للتصرف للشعب الفلسطيني، وأن وقف إطلاق النار سيمهد الطريق نحو الاعتراف بدولة فلسطينية في إطار حل الدولتين.
ورغم ذلك، لم تعلن بريطانيا اعترافها الرسمي بالدولة الفلسطينية إلا في 21 سبتمبر/أيلول 2025، في حين أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد ساعات من بيان ستارمر قرار بلاده الاعتراف بدولة فلسطين، مؤكداً عزمه إعلان ذلك رسمياً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر من العام ذاته.
وتُظهر الرسائل أن ستريتنغ بادر إلى النقاش مع ماندلسون حول الاعتراف بالدولة الفلسطينية وانعكاساته السياسية داخل بريطانيا.
ووصف الوزير السابق بيان ستارمر بأنه “ممتاز”، لكنه اعتبر أن خطوة ماكرون رفعت مستوى التحدي أمام لندن، قائلاً إن بريطانيا تحتاج إلى الانضمام إلى فرنسا “أخلاقياً وسياسياً”.
وأضاف في مراسلاته أن ذلك ضروري من الناحية الأخلاقية لأن “إسرائيل ترتكب جرائم حرب أمام أعيننا”، على حد وصفه، مشيراً إلى أن الحكومة “الإسرائيلية” تتحدث بلغة التطهير العرقي.
كما أبلغ ماندلسون بأنه التقى مسعفين بريطانيين عادوا من غزة، وأنهم وصفوا له مشاهد “مروعة ومؤلمة من الوحشية المتعمدة ضد النساء والأطفال”.
وفي الجانب السياسي، حذر ستريتنغ من أن الحكومة ستواجه أزمة داخل البرلمان إذا لم تتحرك مسبقاً تجاه الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
وقال إن تصويتاً كان متوقعاً في مجلس العموم خلال سبتمبر/أيلول 2025 بشأن الاعتراف بفلسطين، وإن الحكومة ستخسره إذا لم تتخذ خطوات استباقية، مضيفاً أنه لا توجد ظروف تسمح له أو لوزيرة الداخلية الحالية شبانة محمود بالتصويت ضد الاعتراف أو الامتناع عنه.
كما توقع أن يهيمن الحضور الفلسطيني على المؤتمر السنوي لحزب العمال، قائلاً إن القاعة ستكون ممتلئة بالأعلام الفلسطينية، ليس فقط من قبل الناشطين بل أيضاً من قبل الشخصيات المعتدلة داخل الحزب.
ورأى أن استمرار الموقف الحكومي من الحرب على الفلسطينيين سيُلحق أضراراً مباشرة بستارمر، محذراً من “ضرر هائل” قد يطال رئيس الوزراء والحكومة والحزب إذا اضطرت لندن لاحقاً إلى اتخاذ خطوات متأخرة بشأن فلسطين.
تأييد سابق لـ”إسرائيل”
ورغم انتقاداته الحادة، أكد ستريتنغ في رسائله أنه لطالما دعم جماعة “أصدقاء إسرائيل” داخل حزب العمال لأكثر من عشرين عاماً، وأنه لم يكن متردداً في إظهار دعمه لها.
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن حزب العمل “الإسرائيلي” وصحيفة “هآرتس” والتيارات التقدمية داخل المجتمع “الإسرائيلي” تعارض ما يجري بحق الفلسطينيين.
كما أعرب عن تقديره للجهود التي بذلها كل من ستارمر ووزير الخارجية آنذاك ديفيد لامي في ما يتعلق بالتعامل مع الملف، إلا أنه شدد على أن الواقع يفرض على بريطانيا أن تقود التحرك السياسي بدلاً من الاكتفاء بمتابعة خطوات الآخرين.
في المقابل، أبدى ماندلسون مخاوفه من أن يؤدي الاعتراف البريطاني الأحادي بالدولة الفلسطينية إلى دفع “إسرائيل” نحو خطوات أحادية مضادة، من بينها توسيع ضم أراضي الضفة الغربية المحتلة.
وقال إنه يتفهم دوافع الاعتراف، لكنه يخشى أن يؤدي ذلك إلى تقويض حل الدولتين بالكامل إذا اعتبرت الحكومة “الإسرائيلية” الخطوة مبرراً لتسريع مشاريع الضم.
وأضاف أن الولايات المتحدة قد لا تكون قادرة على منع مثل هذه الخطوات أو التراجع عنها، محذراً من أن ذلك قد يؤدي إلى إنهاء أي أفق سياسي للحل.
ورأى أن الطريق الأكثر واقعية يتمثل في إصلاح السلطة الفلسطينية وظهور قيادة جديدة تحظى بدعم عربي وأوروبي وأميركي لدفع العملية السياسية إلى الأمام.
كما حذر من أن البديل سيكون استمرار الجمود والدخول في دوامة متصاعدة من التدهور وسفك الدماء على نطاق أوسع.
إلا أن ستريتنغ رد قائلاً إن “إسرائيل” تمضي في هذه السياسات بالفعل، واصفاً سلوكها بأنه سلوك “دولة مارقة”، ومطالباً بأن تتحمل الدولة بأكملها تبعات ذلك عبر فرض عقوبات عليها، وليس الاكتفاء بمعاقبة عدد محدود من الوزراء.
ورد ماندلسون بأنه لا يضع سياسات الحكومة، وإنما يساهم في تنفيذها فقط.
الاعتراف بفلسطين
وتشير الوثائق إلى أن ماندلسون طلب من ستريتنغ إبقاء آرائه الشخصية طي الكتمان، وهو ما وافق عليه الأخير.
وعندما ناقش الطرفان أثر الاعتراف البريطاني بالدولة الفلسطينية، قال ستريتنغ إنه لا يغير شيئاً عملياً على الأرض، لكنه اعتبر أن الرمزية السياسية لهذه الخطوة مهمة للغاية في ظل الظروف الراهنة.
وبعد أقل من أربعة أشهر على هذا الحوار، أقال ستارمر ماندلسون من منصبه في 11 سبتمبر/أيلول 2025 بعد أن كشفت وثائق أميركية مرتبطة بقضية إبستين عن علاقات أوثق بين الرجلين مما كان معروفاً سابقاً.
وأدت القضية إلى خروج ماندلسون من مجلس اللوردات وحزب العمال، في حين استمر ستريتنغ في الحكومة حتى استقالته في 14 مايو/أيار الماضي تمهيداً لخوض انتخابات زعامة الحزب.
وفي جانب آخر، تكشف الوثائق عن نقاشات داخل مؤسسات الدولة البريطانية خلال النصف الثاني من مايو/أيار 2025 بشأن استمرار توريد مكونات مقاتلات “أف-35” إلى “إسرائيل”، رغم الانتقادات المتزايدة للحكومة البريطانية.
وتُظهر المراسلات أن ماندلسون أثار نقاشاً بين مجلس الأمن القومي البريطاني ووزارة الخارجية ورئاسة الوزراء حول كيفية الرد على الانتقادات المتعلقة باستثناء مكونات “أف-35” من قرار تعليق بعض صادرات السلاح إلى “إسرائيل”.
وتضمنت الخطة التي أعدها روب ديكسون، مدير الشؤون الدولية ومجموعة السياسة الدولية في الأمانة العامة للأمن القومي، إجابات جاهزة على أسئلة متوقعة حول استمرار توريد تلك المكونات.
وتناولت الخطة سؤالاً مباشراً حول كيفية قبول استمرار الإمداد بمكونات الطائرات رغم احتمال استخدامها في انتهاكات للقانون الإنساني الدولي.
وبرر ديكسون ذلك باعتبارات تتعلق بالأمن الأوروبي وحلف شمال الأطلسي “الناتو” والأمن العالمي، معتبراً أن أي خطوة قد تعطل برنامج “أف-35” ستؤثر سلباً على منظومة الردع الأوروبية وقدرات الحلف الدفاعية، فضلاً عن انعكاساتها على الدعم العسكري المقدم لأوكرانيا.
وأكدت الخطة أن استثناء البرنامج من القيود المفروضة على تصدير السلاح يعود إلى أهميته الاستراتيجية ضمن منظومة “الناتو” وتأثيره المباشر على الأمن والسلم الدوليين.
كما خلصت إلى أن تعليق تراخيص استخدام “إسرائيل” لمكونات الطائرات قد يؤدي إلى إرباك البرنامج العالمي بأكمله.
وفي الوقت ذاته، أقرت الوثائق بأن الحكومة البريطانية خلصت إلى وجود خطر واضح يتمثل في إمكانية استخدام بعض المعدات المصدرة إلى “إسرائيل” في ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي أو تسهيلها.
غير أن الخطة أوضحت أن لندن علقت التراخيص المرتبطة بالمعدات التي اعتبرت ذات صلة مباشرة بالحرب على غزة، مع الإبقاء على استثناء خاص ببرنامج “أف-35”.
وأشارت وثائق أخرى مؤرخة في 26 فبراير/شباط 2025 إلى أن وزارة الدفاع البريطانية أبلغت ماندلسون بأن المملكة المتحدة تستثمر بكثافة في البرنامج، وأن نحو 43% من إنفاقها الدفاعي الخارجي يذهب إلى الولايات المتحدة بقيمة تصل إلى 18 مليار دولار.
ويضم مشروع “أف-35” عشرين دولة شريكة تتقدمها الولايات المتحدة وبريطانيا، ويُعد أحد أكبر برامج تطوير الطائرات المقاتلة الشبحية في العالم.
رفض مصطلح الإبادة الجماعية
كما كشفت الوثائق أن الاستراتيجية الإعلامية والسياسية البريطانية تجاه الحرب تضمنت مقترحات لصياغة المواقف الرسمية بشأن العمليات العسكرية في قطاع غزة.
وأظهرت المداولات أن ديكسون رفض اقتراحاً يدعو إلى التعبير عن “قلق عميق” من التطورات الأخيرة أو الإعلان عن عدم تأييد التوسع “الإسرائيلي” داخل القطاع، واقترح بدلاً من ذلك استخدام صيغة تؤكد معارضة بريطانيا القوية لتوسيع العمليات العسكرية.
وفي السياق ذاته، أوصت الخطة بعدم استخدام مصطلح “الإبادة الجماعية” في الخطاب السياسي والإعلامي والدبلوماسي البريطاني.
وبدلاً من التركيز على توصيف أفعال الجيش “الإسرائيلي”، اقترحت الوثيقة التركيز على إدانة التصريحات الصادرة عن مسؤولين سياسيين وعسكريين “إسرائيليين”، وخاصة تلك المتعلقة بتهجير المدنيين من غزة.
ووفق النص المقترح، فإن بريطانيا تدين بشدة اللغة التي استخدمها مسؤولون في الحكومة “الإسرائيلية” والتي أشارت إلى نزوح المدنيين في ظل الدمار الواسع الذي لحق بالقطاع، دون أن تتبنى توصيفاً قانونياً مباشراً للأفعال العسكرية الجارية على الأرض.
نشر لأول مرة على: shehabnews.com
تاريخ النشر: 2026-06-04 11:14:00
الكاتب: وكالة شهاب الإخبارية
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
shehabnews.com
بتاريخ: 2026-06-04 11:14:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
