دخلت المواجهة السياسية والاستراتيجية بين تركيا وإسرائيل واحدة من أخطر مراحلها منذ عقود، ما يثير مخاوف متزايدة من تحول حرب التصريحات المتبادلة بين أنقرة وتل أبيب إلى أزمة إقليمية أوسع. وفي ظل التوترات المتصاعدة المرتبطة بقطاع غزة وسوريا ولبنان وشرق البحر المتوسط والنفوذ الإقليمي، بات البلدان ينظران إلى بعضهما بصورة متزايدة ليس فقط كمنافسين سياسيين، بل كتهديدين جيوسياسيين طويلَي الأمد.
وصعّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخراً من لهجته تجاه إسرائيل، محذراً من أن العمليات العسكرية الإسرائيلية المتوسعة في الشرق الأوسط أصبحت تشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي وللاستقرار الإقليمي في منطقة شرق البحر المتوسط. وخلال حديثه أمام نواب حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي يوم 10 يونيو (حزيران)، قال أردوغان: «إن الهجمات التي ينفذها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وشبكة القتل التابعة له في لبنان وسوريا وصلت إلى نقطة باتت تهدد تركيا أيضاً». وأضاف: «إن إعادة إسرائيل إلى حدود القانون الدولي لم تعد مسؤولية عدد محدود من الدول، بل أصبحت واجباً على الإنسانية جمعاء».
تصاعد العداء السياسي
شهدت السنوات الأخيرة تبادلاً متكرراً للاتهامات الحادة بين أردوغان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فقد اتهم الرئيس التركي إسرائيل مراراً بزعزعة استقرار المنطقة وتأجيج الصراعات في الشرق الأوسط، بينما أدان نتنياهو دعم تركيا لحركة حماس وانتقد السياسات الإقليمية التركية التي أصبحت أكثر حزماً واتساعاً.
وتصاعدت موجة التوتر الحالية بعد تصريحات أدلى بها وزير الداخلية التركي مصطفى تشيفتشي، أعرب فيها عن أمله في «تحرير القدس»، قائلاً: «كما شهدنا تحرير دمشق وحلب وقره باغ، سنشهد يوماً ما تحرير القدس أيضاً». ورد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بحدة على هذه التصريحات، منتقداً ما وصفه بـ«الأحلام الإمبراطورية العثمانية»، معتبراً أن تركيا الحديثة تبتعد عن الإرث العلماني الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك.
التنافس الاستراتيجي في شرق المتوسط
بحسب تحليلات نشرتها صحف إسرائيلية، تشعر أنقرة بقلق متزايد إزاء تنامي النفوذ الإقليمي الإسرائيلي عقب هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وما تبعه من عمليات عسكرية إسرائيلية في لبنان وسوريا واليمن وإيران. ويرى مسؤولون أتراك، وفقاً لهذه التقارير، أن هذه التطورات تعكس صعود إسرائيل كقوة إقليمية أكثر تأثيراً في معادلات الشرق الأوسط.
وفي المقابل، انتهجت تركيا نفسها سياسة خارجية أكثر حزماً خلال العقد الماضي، إذ نفذت عمليات عسكرية في شمال سوريا، ودعمت أذربيجان خلال نزاع ناغورنو قره باغ، وأرسلت قوات إلى ليبيا، كما دخلت في خلافات متكررة مع اليونان وقبرص بشأن الحدود البحرية وحقوق التنقيب عن الطاقة في شرق البحر المتوسط.
وقال نتنياهو في معرض رده على الانتقادات التركية: «أردوغان، الذي يقمع شعبه ويسجن خصومه السياسيين ويدعم حماس، هو آخر شخص يمكنه أن يعظ إسرائيل في الأخلاق».
النظرة الإسرائيلية المتغيرة تجاه تركيا
تشير تقارير إسرائيلية إلى أن توصيات صدرت مطلع عام 2025 عن «لجنة ناغل» الإسرائيلية، وهي هيئة استشارية متخصصة في قضايا الأمن والدفاع، صنفت تركيا باعتبارها التهديد الاستراتيجي الرئيسي طويل الأمد لإسرائيل خلال العقد المقبل.
ويرى عدد متزايد من المحللين الإسرائيليين أن صناع القرار الأتراك فاعلون جيوسياسيون يتمتعون بقدرات استراتيجية عالية، وليسوا مجرد شخصيات سياسية شعبوية. وقد وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت تركيا بأنها «إيران الجديدة»، محذراً من أن نفوذها الإقليمي المتزايد يشكل تحدياً خطيراً للمصالح الإسرائيلية.
وتتمحور المخاوف الإسرائيلية حول محاولات تركيا بناء إطار أمني إقليمي يضم قوى إسلامية وإقليمية كبرى، مثل السعودية ومصر وباكستان. وفي المقابل، تعمل إسرائيل – وفقاً لهذه التقارير – على تعزيز تحالف استراتيجي بديل يضم إسرائيل واليونان وقبرص والهند وفرنسا.
ويرى محللون أن هذه التكتلات المتنافسة قد تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط خلال السنوات المقبلة.
البعد السوري
تبقى سوريا إحدى أكثر ساحات التنافس التركي الإسرائيلي حساسية. فتركيا تنظر إلى أي انخراط إسرائيلي مع الجماعات الكردية المسلحة أو بعض المكونات الأقلوية داخل سوريا باعتباره تهديداً لوحدة الأراضي السورية ولأمنها القومي.
كما تخشى أنقرة من أن يؤدي استمرار عدم الاستقرار في سوريا أو تفكك الدول المجاورة إلى تغذية الحركات الانفصالية وإطلاق موجات جديدة من الفوضى الإقليمية.
في المقابل، ينظر عدد من المحللين الإسرائيليين إلى الانخراط التركي العميق في سوريا باعتباره جزءاً من طموح أوسع لإنشاء منطقة نفوذ تمتد من القوقاز إلى المشرق العربي. وترى بعض الأوساط الإسرائيلية أن الدور التركي المتنامي في الملف السوري، سواء على المستوى السياسي أو الدبلوماسي، يعكس رغبة أنقرة في ترسيخ موقعها بوصفها قوة محورية في النظام الإقليمي الناشئ.
صراع على النفوذ الإقليمي
أصبحت التداعيات الجيوسياسية للتنافس التركي الإسرائيلي أكثر وضوحاً خلال السنوات الأخيرة. ويرى بعض المحللين أن الشرق الأوسط يشهد تبلور معسكرين استراتيجيين متنافسين:
- معسكر يضم تركيا والسعودية ومصر وباكستان.
- ومعسكر مقابل يضم إسرائيل والهند والإمارات العربية المتحدة واليونان.
وقد تسارع هذا الاصطفاف عقب تراجع نفوذ إيران وحلفائها الإقليميين نتيجة الصراعات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
ولخص وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الرؤية التركية بقوله: «لا توجد مشكلة فلسطينية أو لبنانية أو سورية أو يمنية أو إيرانية، بل توجد بوضوح مشكلة إسرائيلية».
هل يمكن أن يتحول التنافس إلى مواجهة عسكرية؟
على الرغم من تصاعد الخطاب العدائي، لا يزال معظم الخبراء يرون أن احتمال اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين تركيا وإسرائيل يبقى محدوداً في المدى المنظور.
فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتمتلك ثاني أكبر قوة عسكرية في الحلف، بينما تتمتع إسرائيل بتفوق كبير في المجالات التكنولوجية والاستخباراتية على المستوى الإقليمي.
ومع ذلك، يحذر عدد من المحللين من أن المواجهة غير المباشرة قائمة بالفعل عبر حملات التأثير السياسي والضغوط الاقتصادية والصراعات بالوكالة والعمليات الاستخباراتية والمنافسة الدبلوماسية.
كما يرى بعض المحللين الأتراك أن إسرائيل قد تسعى إلى إضعاف تركيا اقتصادياً أو سياسياً عبر الضغوط الدولية وشبكات النفوذ المختلفة، ومن بينها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC).
نظام شرق أوسطي جديد
تعكس المواجهة الحالية بين تركيا وإسرائيل أكثر من مجرد أزمة دبلوماسية مؤقتة، إذ تشير إلى تحول أعمق في ميزان القوى الإقليمي. ومع تراجع النفوذ الإيراني وتغير طبيعة التحالفات العربية التقليدية، تبرز تركيا وإسرائيل بصورة متزايدة بوصفهما مركزين متنافسين للقوة يسعيان إلى التأثير في شكل النظام السياسي والأمني للشرق الأوسط خلال العقود المقبلة.
ويبقى السؤال الجيوسياسي الأهم: هل سيظل هذا التنافس محصوراً في إطار الخطاب السياسي والمنافسة الاستراتيجية، أم أنه سيتطور مستقبلاً إلى مستويات أكثر خطورة قد تعيد رسم الخريطة السياسية والأمنية للمنطقة بأكملها؟
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير
نشر لأول مرة على: eurasiaar.org
تاريخ النشر: 2026-06-14 16:19:00
الكاتب: ستيفن صهيوني
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-06-14 16:19:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
