سم الفئران يقتل طفلا بدلاً من القوارض في غزة

التعليق على الصورة، كان ياسر يملأ خيمة عائلته بالحياة؛ لم يكن يشكو من مرض أو عارض

في غزة، حيث تحولت الخيام إلى بيوتٍ اضطرارية، لم يكن الطفل ياسر المولود عام 2020 يدرك أن المساحة الضيقة التي يلهو فيها تخبئ له حتفاً غير متوقع.

كان ياسر يملأ خيمة عائلته بالحياة؛ لم يكن يشكو من مرض أو عارض، بل كان في كامل صحته وعافيته، يجلس بجوار والدته، يطبل بيده الصغيرتين ويغني، ويطلب منها بشغف أن تشغل له الأناشيد ليرقص ويلهو.

بضعة أشهر كانت تفصله عن إتمام عامه السادس في نوفمبر/تشرين الثاني القادم. وفي تلك اللحظات الدافئة، وأمام صخب طفولته البريئة، داعبته أمه قائلة: “يا ماما لقد أحدثت ضجة، اذهب إلى والدك”.

ذهب الصغير نحو والده الذي يقف خلف “بسطة” صغيرة ومتواضعة أمام الخيمة، ليدبر منها قوت يوم عائلته في ظل ظروفٍ طاحنة. بحسب رواية الأم لبي بي سي.

دقائق الموت

تقول أم ياسر: “لم تمضِ سوى دقائق معدودة على خروج جاسر -شقيق ياسر- من الخيمة، حتى تبخرت الطمأنينة تماماً. عاد شقيقه الأكبر يركض بجنون، شاحب الوجه، يصرخ بصوتٍ يملأه الرعب: “أمي، أسرعي.. ياسر وضع شيئاً في فمه”

هرعت بملابس الصلاة إلى الخارج، لأجد شباب المخيم ووالده قد اجتمعوا حول الصغير في حالة من الذعر، في لمح البصر، تبدل لون صغيري الغض؛ من الأبيض إلى زرقة داكنة مخيفة، وكان يضع إصبعه الصغير في فمه كأنه يحاول دفع خطرٍ خفي. كان الحاضرون يقلبونه رأساً على عقب، يظنون واهمين أن كسرة خبز أو شيئاً عابراً قد علق في حلقه وسدّ مجرى تنفسه، لكن عينيه كانتا مغمضتين، وكان قد غاب تماماً عن الوعي.

هنا دوّت صرخاتي: “خذوه إلى المستشفى، خذوه إلى المستشفى”، حمله الأب والشباب وهرعوا به ركضاً بين ممرات المخيم الترابية.

استغرق الأمر نحو ربع ساعة من الركض المتواصل حتى وصلنا به إلى مستشفى “العودة” شمالي القطاع. دخل الصغير فوراً إلى غرفة العناية المركزة، نزع الأطباء ملابسه وربطوه بالأجهزة لإنعاشه، لكن جسده الصغير لم يبدِ أي استجابة.

كنت اسأل الأطباء والحرقة تعصر قلبي: “يا دكتور، ايش فيه؟”، لكنني لم أجد منهم سوى كلمات المواساة العاجزة والنظرات الحائرة: “قولي إن شاء الله.. ادعي له”. لم يكن الأطباء أنفسهم يعلمون حقيقة ما جرى لتلك الجثة الهامدة التي بين أيديهم، تضيف الأم.

يلتقط أطراف الحديث الأب الذي قال: بعد ساعة من المحاولات العقيمة، خطرت ببال أحد الجيران فكرة صادمة، فصاح: “لعله تجرّع سمّاً”. وبناءً على هذه الشكوك، ونظراً لضعف الإمكانيات، تقرر نقله على وجه السرعة إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح كونه أكبر وأكثر تجهيزاً.

في مستشفى شهداء الأقصى، بدأت فصول مأساة جديدة؛ سارع الأطباء إلى غسل معدته والتعامل مع فرضية التسمم، فبدأ قلبه المتعب يشتغل ثوانٍ ثم يتوقف، ينبض ثم يخمد. كان وضع ياسر حرجاً للغاية وفوق طاقة الاحتمال. ومن الساعة الخامسة مساءً وحتى الحادية عشرة والنصف ليلاً ظلت الطواقم الطبية تخوض معركة شرسة لاستعادة النبض وتثبيت حالته، ولكن دون جدوى.

وفي الحادية عشرة والنصف ليلاً، انطفأ الأمل تماماً، وخرج الأطباء ليقولوا لي الكلمة التي تخر من وقعها الجبال: “عوضك الله.. ابنك الله يرحمه”.

تفاصيل تتكشف

يلتقط الأب أنفاسه المتعبة في بضع ثوان ثم يعود ليكمل حديثه لبرنامج يوميات الشرق الأوسط عبر بي بي سي: “لاحقاً؛ تبين أن طواقم إغاثية قد مرت بالمخيم في وقت سابق، وقامت بنشر وتوزيع مادة سامة زرقاء اللون شبيهة بالهلام (الجيلي) لمكافحة القوارض”.

وضعوا هذه المواد السامة دون إعلام الأهالي أو تحذيرهم، واكتفوا بالنداء والصياح العابر: “لقد رششنا مبيداً”، دون أدنى توضيح بأن هذا الهلام هو سمّ فسفوري حاد ومميت للأطفال بمجرد الملامسة أو البلع.

تقول الأم بحرقة “أقسم بالله العظيم أننا لم نكن نعلم شيئاً عن وجود هذا السم، وأنا حتى هذه اللحظة لم أرَ شكله، بل رأيت صوره فقط على الإنترنت بعد أن تداولها الناس. لم نكن نعلم أنهم وضعوه، ولم تقم أي جهة بعمل أي توعية نهائياً في المخيم. وهذا ليس كلامي وحدي، بل كلام جميع السكان؛ فلم يتم تنبيه أو توعية أي أحد.”

وتضيف بتعجب من طبيعة هذا السم، “إنهم يقولون الآن عبر الإنترنت إنه حتى لو أردتِ نقله من مكان إلى آخر، فعليكِ ارتداء القفازات أو نقله بقطعة خشب أو حديد وألا تلمسيه بيديكِ! انظري إلى أي درجة هو مادة حادة وسامة! وحتى الطبيب الشرعي عندما عاينه وفحصه، كتب في تقريره الطبي أنها مادة فسفورية.”

بعد وفاة الطفل ياسر، دبت حالة من الذعر والرعب بين الخيام؛ إذ انطلق الأهالي يفتشون بلقلق وخوف حول خيامهم، مستذكرين أنهم رأوا أشخاصاً يمرون ويضعون هذا الهلام الأزرق القاتل في أماكن متفرقة، فبدأ الناس يجمعونه بحذر ويلقونه بعيداً لحماية أبنائهم. بحسب ما تقول الأم.

بحسب أرقام صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” عام 2025 فإن عدد الأطفال الذين قُتلوا أو أُصيبوا في الحرب منذ 2023 يقدّر بأكثر من 50 ألف طفل.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: www.bbc.com

تاريخ النشر: 2026-06-15 04:41:00

الكاتب:

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.bbc.com
بتاريخ: 2026-06-15 04:41:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

Exit mobile version