التحالف المصري التركي.. القاهرة وأنقرة تتجهان نحو شرق أوسط جديد عبر مشروع طائرة “قآن” الشبحية

موقع الدفاع العربي – 16 يونيو 2026: لم تعد مصر تكتفي بشراء السلاح والطائرات، بل تتجه اليوم نحو مرحلة مختلفة تقوم على التصنيع والشراكة الصناعية، حتى مع خصوم إقليميين سابقين، وفي مقدمتهم تركيا، التي تقود مشروعاً طموحاً لتطوير مقاتلة الجيل الخامس المعروفة باسم “كآن” (أو قآن)، وهو المشروع الذي باتت القاهرة اليوم شريكاً فيه، في تطور يفتح باب التساؤلات حول خلفيات هذا التقارب وما قد يحمله من انعكاسات إقليمية، لا سيما على إسرائيل.

فالمقاتلات الشبحية من الجيل الخامس تُعد رمزاً متقدماً للقوة والسيادة الجوية، وهي منظومات لا تُمنح بسهولة ولا تُباع إلا بشروط صارمة حتى لأقرب الحلفاء. ومع ذلك، تبدو مصر وكأنها تخطو مباشرة إلى هذا النادي الحصري، ليس كمشتري فقط، بل كشريك في التصنيع والتطوير، في خطوة تُعد تحولاً نوعياً في تاريخها العسكري الحديث، إذ تمثل أول دخول مباشر للقاهرة في مشروع دولي لتطوير مقاتلة جيل خامس، بما يعني انتقالها من مرحلة الاستيراد والتجميع إلى مجال التصنيع عالي التقنية.

هذا التحول يعكس أيضاً قدراً من التحرر النسبي من الاعتماد على الغرب وروسيا في تسليحها الجوي، فالقاهرة تمتلك بالفعل أسطولاً متنوعاً يشمل طائرات أمريكية من طراز إف-16، وفرنسية مثل الرافال، إلى جانب مساعي سابقة للحصول على السوخوي سو-35 الروسية، إلا أن جميع هذه المنصات لا توفر قدرات شبحية كاملة، كما أنها تبقى مرتبطة بقيود التسليح وقطع الغيار والاستخدام السياسي.

في المقابل، فإن الانخراط في مشروع كآن يمنح مصر لأول مرة إمكانية الوصول إلى قلب التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، مع احتمالات لنقل المعرفة الصناعية والهندسية، خاصة وأن تركيا تنتج نسبة كبيرة من مكونات مقاتلتها محلياً، بما يشمل أنظمة الرادار والحرب الإلكترونية. كما أن هذا التعاون يتماشى مع توجه مصري أوسع لتحديث الصناعات الدفاعية وتوطين التكنولوجيا، وهو ما يظهر أيضاً في شراكات أخرى مثل التعاون مع كوريا الجنوبية في مشروع دبابات K2 ومع إيطاليا في تصنيع الفرقاطات.

وعند الانتقال إلى خصائص المقاتلة نفسها، فإن مشروع كآن ليس مجرد تطوير لطائرة جديدة، بل هو مشروع استراتيجي تركي يهدف إلى كسر احتكار مقاتلات مثل إف-35 الأمريكية وسو-57 الروسية وجي-20 الصينية. وتقترب هذه المقاتلة في فلسفتها من قدرات إف-35، لكنها تُصمم لتكون أكثر استقلالية في التحديث والتشغيل، بما يمنح الدول الشريكة مرونة أكبر بعيداً عن القيود السياسية الغربية.

طائرة “قآن” الشبحية التركية. لقطة مأخوذة من فيديو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي

وتشمل أبرز خصائصها رادار AESA محلي الصنع قادر على تتبع أكثر من 20 هدفاً في وقت واحد بدقة عالية، وأنظمة حرب إلكترونية متقدمة قادرة على التشويش والتأثير على دفاعات الخصم، إضافة إلى قمرة قيادة مزودة بنظام خوذة ذكية توفر رؤية بانورامية ومعلومات لحظية، فضلاً عن قدرات شبكية تسمح بالاتصال المباشر مع الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي، إلى جانب تصميم شبح داخلي يقلل البصمة الرادارية عبر تقليل نقاط تعليق الأسلحة الخارجية.

أما على مستوى الإنتاج، فإن التصنيع الرئيسي يتم في منشآت شركة الصناعات الجوية التركية في أنقرة، مع احتمالات لإنشاء خط إنتاج أو تجميع جزئي في مصر إذا تضمن الاتفاق شقاً خاصاً بالتعاون الصناعي، على غرار النموذج المصري الكوري في مشروع K2.

ومع هذا التطور، يطرح السؤال حول مستقبل القوة الجوية المصرية، حيث يعني هذا الانضمام أن أي تهديد جوي مستقبلي قد يواجه منظومة أكثر تطوراً وقدرة على التخفي والضرب من مدى بعيد، ما قد يضع مصر خلال عقد واحد في موقع يسمح لها بمجاراة قدرات جوية متقدمة إقليمياً، بما في ذلك إسرائيل وبعض القوى الأوروبية، وهو ما يعكس تحولاً في العقيدة العسكرية المصرية من الدفاع التقليدي إلى الردع المتقدم.

في الخلفية السياسية، يأتي هذا التقارب بعد سنوات من التوتر بين القاهرة وأنقرة، إلا أن مؤشرات التغيير بدأت تظهر مع زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى تركيا عام 2023، ثم زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة في 2024، ما اعتُبر بداية لمرحلة جديدة من إعادة بناء العلاقات.

انضمام مصر إلى مشروع قآن لا يبدو مجرد تعاون صناعي، بل قد يشير إلى تحول استراتيجي أوسع، إذ تحتاج تركيا إلى شريك إقليمي قوي لدعم مشروعها الدفاعي الطموح، كما تستفيد من دخول مصر في تعزيز الشرعية السياسية للمشروع وفتح أسواق جديدة، في حين تحصل أنقرة على تخفيف للأعباء المالية المرتفعة، خاصة أن تكلفة البرنامج تتجاوز مليارات الدولارات، وقد تصل إلى أكثر من 10 مليارات مع اكتمال التطوير والإنتاج.

المقاتلة الشبحية التركية “قآن”

كما أن توسيع القاعدة الصناعية يشكل عاملاً حاسماً، إذ تحتاج تركيا إلى شركاء قادرين على دعم الإنتاج والتوريد، وهو ما يمكن أن توفره مصر ببنيتها الصناعية والخبرات الهندسية المتنامية. إضافة إلى ذلك، فإن البعد الجيوسياسي يلعب دوراً محورياً، في ظل إعادة تشكل التحالفات الإقليمية وتراجع الانقسامات التقليدية، مقابل صعود منطق المصالح المرنة.

في هذا السياق، يطرح السؤال حول ما إذا كان هذا التعاون مجرد شراكة صناعية أم بداية لتحالف أوسع، خاصة مع توسع التعاون في مجالات أخرى مثل الطاقة والغاز والدفاع البحري والطائرات المسيرة، وهو ما قد يمهد لتشكيل محور مصري تركي جديد يعيد رسم توازنات المنطقة في البحر المتوسط وشمال إفريقيا والبحر الأحمر.

على الجانب الآخر، يثير هذا التطور تساؤلات داخل إسرائيل، التي تعتمد على تفوق جوي نوعي مدعوم بمقاتلات الإف-35. فظهور مصر ضمن مشروع مقاتلة شبحية متقدمة قد يعني، لأول مرة منذ عقود، تراجع فكرة التفوق الجوي المطلق. فالمقاتلة الجديدة توفر قدرات تخفي متقدمة، وحرباً إلكترونية متطورة، ومدى عملياتياً قد يتجاوز 2000 كيلومتر، مع قدرة على العمل الشبكي مع الطائرات المسيرة، ما يعيد تشكيل معادلة القتال الجوي في المنطقة.

هذا التحول المحتمل يعني، من منظور إسرائيلي، فقدان التفوق غير المشروط الذي كان قائماً على امتلاك الإف-35 مقابل امتلاك خصوم إقليميين لطائرات أقل تطوراً مثل الرافال والإف-16. كما أن امتلاك مصر لأعداد معتبرة من هذه المقاتلات بحلول نهاية العقد قد يمنحها قدرة على تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى مع تقليل فرص الرصد.

أما العامل الأكثر حساسية، فهو احتمال تشكل محور مصري تركي، يجمع بين قوتين عسكريتين كبيرتين في الشرق الأوسط، وهو ما قد يغير حسابات الردع الإقليمي بشكل جذري إذا توسع التعاون ليشمل مجالات استخباراتية أو دفاعية أوسع.

ورغم عدم صدور مواقف رسمية إسرائيلية واضحة، فإن بعض وسائل الإعلام ومراكز التحليل المتخصصة تتابع هذا التطور باهتمام، مشيرة إلى أن نقل هذه التكنولوجيا إلى دولة عربية بحجم مصر قد يعيد تعريف طبيعة التهديدات المستقبلية في المنطقة.

ولا يتعلق الأمر بمجرد صفقة تسليح جديدة، بل بإعادة تشكيل تدريجية لمفهوم القوة الجوية في الشرق الأوسط، حيث تتحول مصر من مستهلك للسلاح إلى شريك في إنتاجه، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات على ميزان الردع الإقليمي، ومسار التنافس العسكري في المنطقة خلال السنوات القادمة، في ظل واقع جديد قد لا يبقى فيه التفوق الجوي محصوراً كما كان في السابق.


■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: www.defense-arabic.com

تاريخ النشر: 2026-06-16 20:38:00

الكاتب: نور الدين

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.defense-arabic.com بتاريخ: 2026-06-16 20:38:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

Exit mobile version