الدفاع والامن

استهداف المفاعلات النووية العربية.. من تجربتي تموز والكبر إلى التحولات الراهنة

استهداف المفاعلات النووية العربية.. من تجربتي تموز والكبر إلى التحولات الراهنةاستهداف المفاعلات النووية العربية.. من تجربتي تموز والكبر إلى التحولات الراهنة

شكّل استهداف المنشآت النووية في الشرق الأوسط أحد أبرز مظاهر الصراع الاستراتيجي في المنطقة خلال العقود الأخيرة، حيث اعتمد الكيان الصهيوني سياسة قائمة على منع القوى الإقليمية المنافسة من تطوير برامج نووية متقدمة يمكن أن تنهي وجوده في المنطقة. وفي هذا السياق، لجأ إلى الاعتداءات المباشرة ضد عدد من المنشآت النووية العربية، كان أبرزها مفاعل «تموز 1» العراقي الذي دُمّر عام 1981، ومنشأة «الكبر» السورية التي استُهدفت عام 2007، في عمليات قادت إلى إجهاض مشاريع نووية قبل بلوغها مراحل متقدمة من التطور.

غير أن المشهد الإقليمي الراهن يختلف بصورة جوهرية عن تلك التجارب؛ فإيران تمتلك برنامجاً نووياً أكثر اتساعاً وتعقيداً من البرامج العربية السابقة، كما أنها راكمت خبرات تقنية وهندسية وأمنية جعلت مسألة استهداف منشآتها النووية أكثر صعوبة وتعقيداً. وفي ظل التصعيد العسكري الأخير، تخوض طهران تجربة جديدة في حماية بنيتها النووية واختبار قدرتها على الصمود أمام الضغوط والتهديدات الخارجية.

وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية مع عودة الحراك الدبلوماسي حول الملف النووي الإيراني، بعد التفاهمات الأخيرة بين واشنطن وطهران، التي أعادت إحياء مسار التفاوض للمرة الأولى منذ الاتفاق النووي التاريخي الذي أُبرم خلال إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما عام 2015.

الجذور العملية للاعتداءات الممنهجة على المشاريع النووية في الشرق الأوسط

منذ قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين عام 1948، سعت الحركة الصهيونية إلى ضمان استمرار المشروع الاستيطاني في المنطقة بكل الوسائل المتاحة. وفي هذا السياق، تبلورت ما يُعرف بـ«عقيدة بيغن»، التي تقوم على منع دول الشرق الأوسط من امتلاك قدرات نووية أو استراتيجية يمكن أن تشكل عامل ردع في مواجهة الكيان. وتعتمد هذه العقيدة على توظيف القوة العسكرية والضربات الاستباقية ضد المنشآت النووية للدول المستهدفة.

وقد تجسد هذا التوجه في العدوان على المفاعل النووي العراقي عام 1981، ثم في استهداف منشأة سورية عام 2007. وتُعد هاتان العمليتان امتداداً لنهج يقوم على انتهاك سيادة الدول واستخدام القوة العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

مفاعل تموز العراقي ونقطة التحول الاستراتيجية (1981)

كان مفاعل «تموز 1»، المعروف أيضاً باسم «أوزيريس»، أحد أهم مشاريع العراق النووية خلال عهد الرئيس صدام حسين. وقد تم الحصول عليه من فرنسا في اتفاق مع جاك شيراك ضمن برنامج نووي أعلن العراق أنه مخصص للأغراض السلمية والبحثية. وأُقيم المفاعل في منطقة التويثة جنوب بغداد، وكان يمثل حجر الأساس في الطموحات العراقية لتطوير قاعدة علمية وتقنية متقدمة في المجال النووي.

وفي السابع من يونيو (حزيران) 1981، نفذت إسرائيل هجوماً شاركت فيه ثماني طائرات مقاتلة، وتمكنت من اختراق المجال الجوي الإقليمي والوصول إلى المفاعل وتدميره بالكامل.

وأحدثت العملية صدمة دولية واسعة، إذ أدانها مجلس الأمن الدولي آنذاك باعتبارها انتهاكاً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة.

منشأة الكبر السورية وإعادة تطبيق النموذج الإسرائيلي (2007)

بعد أكثر من ربع قرن على عملية تموز، عاد الكيان الصهيوني ليطبق النهج ذاته ضد سوريا، بعد أن كشفت المعلومات الاستخباراتية الغربية عن وجود منشأة نووية سرية في منطقة الكبر بمحافظة دير الزور، قيل إنها صُممت بمساعدة كوريا الشمالية بهدف إنتاج البلوتونيوم اللازم لصناعة الأسلحة النووية.

وفي ليلة السادس من سبتمبر (أيلول) 2007، نفذت إسرائيل هجوماً استهدفت خلاله الموقع النووي السوري ودمرته بالكامل. وقد تكتم الكيان الصهيوني على تورطه في العملية لسنوات طويلة قبل أن يعترف بها عام 2018.

لماذا تختلف الحالة الإيرانية عن التجارب العربية السابقة؟

رغم التشابه الظاهري بين البرنامج النووي الإيراني والمشاريع النووية العربية التي استهدفتها إسرائيل سابقاً، فإن الفوارق بين الحالتين كبيرة للغاية. فالمشروع النووي العراقي كان يعتمد بصورة كبيرة على مفاعل واحد معروف الموقع، بينما كانت المنشأة السورية عبارة عن موقع منفرد نسبياً يسهل عزله واستهدافه.

أما إيران، فقد بنت خلال عقود شبكة واسعة من المنشآت النووية الموزعة جغرافياً، تشمل منشآت للتخصيب والبحث العلمي وإنتاج الوقود النووي والتطوير التقني. كما أن العديد من هذه المنشآت شُيدت تحت الأرض أو داخل منشآت محصنة صُممت خصيصاً لتحمل الضربات العسكرية.

فالتجربة الإيرانية الحالية لا تقوم فقط على التحصين الهندسي للمنشآت، بل تعتمد أيضاً على توزيع القدرات الحساسة جغرافياً، وتعزيز الاكتفاء التقني المحلي، وتطوير القدرة على إعادة بناء المرافق المتضررة بسرعة نسبية.

ومن منظور استراتيجي، يبدو أن إيران تسعى إلى تحويل برنامجها النووي من هدف قابل للتدمير إلى منظومة يصعب استئصالها بالكامل. وهذا التحول قد يشكل سابقة في الشرق الأوسط، لأنه يضع لأول مرة حدوداً عملية لفعالية استراتيجية الضربات الوقائية التي اعتمدتها إسرائيل لعقود.

إضافة إلى ذلك، تمتلك إيران منظومة صاروخية متقدمة وقدرات ردع إقليمية عبر شبكة من الحلفاء والقوى المتحالفة معها في المنطقة، وهو ما يجعل أي هجوم واسع على منشآتها النووية أكثر تعقيداً وكلفة من العمليات التي استهدفت العراق أو سوريا. كما أن البرنامج النووي الإيراني لا يرتبط بموقع واحد يمكن تدميره بضربة سريعة، بل بمنظومة متكاملة من البنية التحتية والخبرات البشرية والتكنولوجية المتراكمة.

الحرب الأخيرة والتجربة الإيرانية الجديدة في حماية برنامجها النووي

أظهرت المواجهات الأخيرة بين إيران وإسرائيل أن طهران دخلت مرحلة جديدة من التفكير الأمني فيما يتعلق بحماية برنامجها النووي. فالتجارب السابقة في العراق وسوريا كانت حاضرة بقوة في العقل الاستراتيجي الإيراني، الأمر الذي دفع طهران منذ سنوات إلى تبني سياسة تقوم على تعدد المواقع النووية، وتعميق التحصينات الهندسية، ونقل بعض الأنشطة الحساسة إلى منشآت تحت الأرض، فضلاً عن تعزيز الدفاعات الجوية وتطوير منظومات الردع الصاروخي.

كما كشفت الأحداث الأخيرة أن إيران لا تنظر إلى حماية منشآتها النووية باعتبارها مسألة دفاعية فحسب، بل باعتبارها جزءاً من معادلة ردع متكاملة تهدف إلى رفع تكلفة أي هجوم محتمل. وتدرك القيادة الإيرانية أن إسرائيل تستحضر باستمرار نموذجي تموز والكبر، ولذلك تعمل على جعل تكرار هذين النموذجين أمراً بالغ الصعوبة من الناحيتين العسكرية والسياسية.

وفي الوقت نفسه، فإن أي استهداف واسع للمنشآت الإيرانية قد يؤدي إلى تداعيات إقليمية تتجاوز بكثير ما حدث في العراق أو سوريا، نظراً لتشابك المصالح الدولية وحجم التأثير الإيراني في ملفات المنطقة.

المفاوضات النووية الجديدة بين واشنطن وطهران ومستقبل البرنامج الإيراني

تأتي التطورات العسكرية الأخيرة في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية الإيرانية مرحلة دقيقة مع عودة المسار التفاوضي حول الملف النووي. فالاتفاقات والتفاهمات الأخيرة فتحت الباب أمام جولة جديدة من المحادثات بعد نحو ستين يوماً، في خطوة تُعد الأكثر أهمية منذ الاتفاق النووي التاريخي الذي أُبرم عام 2015 خلال إدارة باراك أوباما.

وتسعى الولايات المتحدة إلى احتواء التقدم الذي حققه البرنامج النووي الإيراني عبر آليات دبلوماسية ورقابية جديدة، بينما تحاول إيران استثمار موقعها التفاوضي المتقدم للحفاظ على مكتسباتها التقنية والاقتصادية. وفي هذا السياق، تصبح مسألة حماية المنشآت النووية جزءاً من عملية التفاوض نفسها، إذ تدرك طهران أن امتلاك بنية نووية قادرة على الصمود يمنحها أوراق قوة إضافية على طاولة المفاوضات.

في المقابل، يخشى الكيان الصهيوني أن تؤدي أي تسوية سياسية جديدة إلى تثبيت قدرات نووية إيرانية متقدمة يصعب احتواؤها مستقبلاً. لذلك يستمر في التلويح بالخيار العسكري حتى في ظل المسار الدبلوماسي القائم.

الخاتمة

تكشف التجارب التاريخية في العراق وسوريا أن الكيان الصهيوني يخشى أي قوة عسكرية أو نووية صاعدة في منطقة الشرق الأوسط قادرة على مواجهته وإنهاء تفوقه الاستراتيجي، وهو ما ظهر من خلال الضربات الاستباقية التي استهدفت مشاريع نووية ناشئة. غير أن الحالة الإيرانية تبدو مختلفة جذرياً من حيث الحجم والتعقيد والقدرات الدفاعية والانعكاسات الإقليمية.

فقد عملت إيران على بناء منظومة نووية أكثر انتشاراً وتحصيناً وقدرة على الاستمرار في حال التعرض لهجمات عسكرية. ومع اقتراب جولة جديدة من المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران، تعود التساؤلات إلى الواجهة الدولية حول ما إذا كانت الأطراف المتنازعة ستتوصل إلى اتفاق بشأن النقطة الأكثر حساسية وأهمية في هذا الملف، باعتبار البرنامج النووي الإيراني أحد أكثر القضايا تأثيراً في توازنات الشرق الأوسط والعالم خلال السنوات المقبلة.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: eurasiaar.org

تاريخ النشر: 2026-06-17 04:51:00

الكاتب: مريم مايدي

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-06-17 04:51:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *