لافروف يعلن نهاية النظام الأوروبي

بينما كانت موسكو تتعرض لهجمات واسعة بالمسيّرات الأوكرانية فجر يوم 18 يونيو (حزيران) 2026، وفي الوقت الذي تواصل فيه القوات الروسية ضغطها في كونستانتينوفكا ودروجكوفكا وعلى محاور ليمان وسلافيانسك وكراماتورسك، كانت القيادة الروسية تبعث برسائل سياسية لا تقل أهمية عن المعارك الجارية على الأرض.

ففي الوقت الذي يستعد فيه الاتحاد الأوروبي لإقرار الحزمة الحادية والعشرين من العقوبات على روسيا، وبينما كان الرئيس فلاديمير بوتين يستضيف قادة رابطة آسيان في قازان احتفالاً بمرور 35 عاماً على العلاقات بين الجانبين، قرر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن يوجه رسالة مختلفة تماماً، عبر مقال مطول بعنوان «أوكرانيا وأوروبا والأمن العالمي».

من بوليتيكو إلى موقع الخارجية الروسية

المفارقة أن المقال كان معداً للنشر في وسيلة إعلام أوروبية كبرى، هي «بوليتيكو يوروب»، قبل أن يتم سحبه في اللحظة الأخيرة لأسباب لم تُعلن رسمياً حتى الآن.

وبصرف النظر عن أسباب عدم النشر، فإن الواقعة نفسها توفر لموسكو مادة إضافية لتأكيد روايتها التقليدية بأن الغرب يتحدث كثيراً عن حرية التعبير، لكنه يتراجع عنها عندما يتعلق الأمر بالرواية الروسية. كما تمنح وزارة الخارجية الروسية فرصة للقول إن المجال الإعلامي الأوروبي أصبح جزءاً من الصراع الدائر.

غير أن أهمية المقال لا تكمن في قصة نشره أو سحبه، بل في مضمونه السياسي والفكري.

أوكرانيا ليست أصل الأزمة

عند قراءة المقال بتأنٍ، يتضح أن لافروف لا يتعامل مع الحرب الأوكرانية باعتبارها أصل الأزمة، وإنما باعتبارها نتيجة لأزمة أعمق بكثير في العلاقات الروسية الأوروبية.

فمن وجهة نظره، لا تعود جذور الصراع إلى فبراير (شباط) 2022 أو حتى إلى عام 2014، وإنما إلى المسار الذي اتخذه الغرب بقيادة الولايات المتحدة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي.

ولهذا فإن أوكرانيا، في الرواية الروسية، ليست سبب الصراع، بل الساحة التي انفجر عليها نزاع أوسع يتعلق بطبيعة النظام الدولي وموازين القوى في أوروبا.

توسع الناتو في الرواية الروسية

الفكرة المحورية في المقال تتمثل في تأكيد لافروف أن توسع حلف الناتو والاتحاد الأوروبي شرقاً لم يكن عملية تكامل طبيعي كما يقدمه الغرب، بل مشروعاً جيوسياسياً استهدف تقليص المجال الاستراتيجي الروسي تدريجياً.

ووفق هذه الرؤية، فإن موجات التوسع المتعاقبة منذ تسعينيات القرن الماضي استغلت مرحلة الضعف الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وسعت إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية الأوروبية بطريقة لا تراعي المصالح الروسية.

ولهذا يكرر لافروف أن موسكو حاولت، منذ وصول بوتين إلى السلطة، بناء ترتيبات أمنية جديدة مع الغرب، سواء عبر الحوار المؤسسي مع الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو أو عبر مبادرة الضمانات الأمنية التي طرحتها روسيا أواخر عام 2021، إلا أن هذه الجهود، بحسب الرواية الروسية، لم تلق استجابة حقيقية.

لماذا ترفض موسكو الحلول الجزئية؟

قد يتفق المرء أو يختلف مع هذا التفسير، لكنه يظل مهماً لأنه يساعد على فهم طريقة تفكير القيادة الروسية الحالية.

فحين ينظر الكرملين إلى الحرب باعتبارها نتيجة لتراكمات امتدت ثلاثة عقود، يصبح من الطبيعي أن يرفض التعامل معها كأزمة يمكن حلها عبر وقف إطلاق النار أو من خلال تسوية سياسية محدودة.

ومن هنا أيضاً يمكن فهم الهجوم الروسي المتكرر على المبادرات الأوروبية الأخيرة، والتي ترى موسكو أنها لا تستهدف إنهاء الحرب بقدر ما تستهدف منع هزيمة أوكرانيا وإطالة أمد الصراع.

أوروبا من وسيط محتمل إلى طرف في الصراع

أحد أبرز استنتاجات المقال أن موسكو لم تعد تنظر إلى أوروبا باعتبارها وسيطاً محتملاً.

فبحسب لافروف، أصبحت الدول الأوروبية طرفاً مباشراً في الأزمة، ولم تعد قادرة على لعب دور الوسيط أو الضامن لأي تسوية مستقبلية.

وهذا ما يفسر التصريحات المتكررة الصادرة عن بيسكوف وأوشاكوف ولافروف، والتي تصف المبادرات الأوروبية بأنها محاولات لإنقاذ النظام الأوكراني أكثر من كونها جهوداً لإنهاء الحرب.

إعلان وفاة النظام الأمني الأوروبي

لعل أخطر ما ورد في المقال هو تأكيد لافروف أن النظام الأمني الأوروبي الذي تأسس بعد اتفاق هلسنكي عام 1975 قد انهار ولن يعود.

هذه ليست مجرد عبارة سياسية عابرة، بل تمثل تحولاً جوهرياً في الخطاب الروسي.

فموسكو لم تعد تطالب بإصلاح النظام القائم، وإنما باتت تعتبره منتهياً فعلياً.

وبالتالي لم يعد السؤال المطروح من وجهة نظرها: كيف يمكن إصلاح هذا النظام؟ بل: ما النظام الذي سيحل محله؟

القطيعة الكبرى مع أوروبا

تكشف هذه الرؤية عن حجم التحول الذي طرأ على التفكير الاستراتيجي الروسي خلال السنوات الأخيرة.

فأوروبا التي كانت تُنظر إليها، بعد الحرب الباردة، باعتبارها شريكاً اقتصادياً وسياسياً محتملاً، أصبحت تُقدَّم اليوم في الخطاب الروسي بوصفها خصماً استراتيجياً ومصدراً للتهديد.

واللافت أن هذا التحول لا يقتصر على الخطاب الرسمي فحسب، بل ينسجم أيضاً مع اتجاهات واسعة داخل النخبة السياسية والأمنية الروسية.

أوكرانيا بوصفها مشروعاً أوروبياً

ومن الأفكار اللافتة كذلك حديث لافروف عن أوكرانيا باعتبارها «قبضة ضاربة» أو أداة استراتيجية أوروبية طويلة الأمد.

فموسكو لم تعد تنظر إلى كييف بوصفها مجرد دولة تتلقى الدعم الغربي، بل باعتبارها جزءاً من مشروع أوروبي أوسع يهدف إلى احتواء روسيا وإضعافها.

ولهذا تبدي القيادة الروسية حساسية شديدة تجاه أي مقترحات لوقف إطلاق النار أو تجميد الصراع، خشية أن يؤدي ذلك إلى إعادة بناء القدرات العسكرية الأوكرانية بصورة أكبر.

ما بعد الحرب الباردة

تكشف القراءة المتأنية للمقال أن لافروف لا يتحدث عن أوكرانيا وحدها، بل عن مستقبل أوروبا والعلاقات الدولية والنظام العالمي بأكمله.

ومن هذه الزاوية يمكن اعتبار المقال واحداً من أوضح النصوص التي تعبر عن الكيفية التي ترى بها موسكو المرحلة الحالية.

فهو لا يشرح فقط ما تريده روسيا، بل يوضح أيضاً ما تعتقد القيادة الروسية أنه لم يعد ممكناً تحقيقه، وفي مقدمة ذلك العودة إلى النموذج الأوروبي الذي حكم العلاقات الروسية الأوروبية طوال العقود الثلاثة الماضية.

خلاصة

تكمن القيمة الحقيقية لمقال لافروف في أنه يجمع مختلف عناصر الرواية الروسية للحرب الأوكرانية داخل إطار فكري وسياسي واحد.

ولذلك فإن أهمية النص لا تنبع من ضرورة الاتفاق معه، وإنما من ضرورة فهمه.

ففهم الطريقة التي ترى بها موسكو العالم أصبح اليوم شرطاً أساسياً لفهم مسار الحرب الأوكرانية، ومستقبل العلاقات الروسية الأوروبية، والتحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: eurasiaar.org

تاريخ النشر: 2026-06-21 18:19:00

الكاتب: سعد خلف

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-06-21 18:19:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

Exit mobile version