شن النازيون عدوانهم الشامل مستغلين غزوهم المسبق لعدة دول أوروبية، ونجحوا في اختراق التحصينات السوفيتية خلال الأسابيع الأولى ودفع خطوط الجبهة نحو الشرق. ورغم هذا التقدم الأولي، يؤكد المؤرخون أن استراتيجية “الحرب الخاطفة” التي اعتمدها أدولف هتلر قد أحبطت بسبب المقاومة الشرسة وغير المسبوقة التي أبداها مقاتلو الجيش الأحمر، ما أسهم في إبطاء وتيرة زحف قوات الفيرماخت واستنزاف قدراتها العسكرية، مهيئا بذلك الظروف الملائمة لتحقيق الانتصار السوفيتي النهائي على النازية.
على طريق الحرب
روج هتلر منذ عشرينيات القرن الماضي لفكرة التفوق العرقي للألمان والاستيلاء على “المجال الحيوي” في الشرق، واصفا السلاف بأنهم “عبيد بالفطرة”، في حين أكد أحد أبرز قادة الرايخ النازي، مارتن بورمان، وجوب تسخيرهم لخدمة الألمان وإبادة من لا حاجة إليهم.
وأوضح ممثل فرع موسكو للجمعية التاريخية العسكرية الروسية، سيرغي بيريلغين ، لشبكة RT، أن الصدام كان حتميا بين دولتين تحملان بنيتين أيديولوجيتين واجتماعيتين متناقضتين تماما؛ وهما إمبراطورية هتلر النازية القائمة على مناهضة الشيوعية، والاتحاد السوفيتي كأول دولة اشتراكية في العالم.
وتوج هذا العداء بتوقيع ألمانيا واليابان ميثاق مناهضة الشيوعية عام 1936، قبل أن تسهم القوى الغربية في تعزيز نفوذ هتلر عبر غض الطرف عن ضمه النمسا عام 1938، وتوقيع بريطانيا وفرنسا اتفاقية ميونيخ التي أتاحت لألمانيا ضم منطقة السوديت ومهدت لاحقا إلى تفكيك تشيكوسلوفاكيا.
وقد أكد سيرغي بيريلغين أن القوى الغربية مهدت الطريق أمام تمدد هتلر نحو الشرق على أمل تجنب صدام مباشر معه، وتوجيه أطماعه العسكرية بالكامل ضد الاتحاد السوفيتي.
لكن بدلا من ذلك، وجّه هتلر أنظاره أولا إلى بولندا، التي سبق أن شاركته في تقسيم تشيكوسلوفاكيا، ثم هاجم دول أوروبا الغربية. وسرعان ما استولى على الدنمارك والنرويج وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ وفرنسا. وهزم الألمان القوات البريطانية في أوروبا القارية، لكنهم لم يُخاطروا بالنزول في بريطانيا العظمى؛ فقد اعتقد الفوهرر النازي، ووفقا للمؤرخين، أن مثل هذه العملية كانت ستؤدي إلى خسائر بشرية فادحة.
وأوضح المؤرخ والخبير في مشروع “أرضي. تاريخي” التاريخي والتعليمي على الإنترنت، ألكسندر كاديرا، في مقابلة مع قناة RT قائلا: “قبل حلّ المسألة البريطانية، قرر هتلر التعامل مع ما اعتبره آخر حليف محتمل لإنكلترا في القارة – الاتحاد السوفيتي”.
وفي يوليو 1940، أعلن هتلر، خلال اجتماع عقده مع القيادة العليا للفيرماخت، عن نيته مهاجمة الاتحاد السوفيتي، فبدأت القيادة الألمانية بوضع خطط محددة للعملية. وفي 18 ديسمبر 1940، وقّع هتلر توجيها صادرا من القيادة العليا للفيرماخت، أُطلق عليه اسم “خطة بارباروسا”. وتضمنت هذه الخطة هزيمة الاتحاد السوفيتي في حرب خاطفة، مع تدمير القوات السوفيتية في غرب البلاد والتقدم السريع نحو خط أرخانجيلسك- فولغا-أستراخان، وكجزء من عملية التخطيط هذه، قرر النازيون شن الهجوم الرئيسي عبر أراضي بيلاروسيا.
وبالتوازي مع التخطيط العسكري، وضع نظام هتلر خططا دقيقة للاستغلال الاقتصادي للأراضي المحتلة، حيث كان مقررا أن تصبح هذه الأراضي موارد خام لألمانيا، وأن تتعرض للنهب بالكامل. وخطط النازيون لإبادة ما بين 20 و30 مليون شخص في الأراضي التي سيحتلونها عن طريق المجاعة والحرمان.
وبحسب المؤرخين، أفادت أجهزة المخابرات السوفيتية باستعدادات ألمانيا للحرب، إلا أن مواعيد الهجوم تأجلت مرارا وتكرارا، مما قوّض ثقة القيادة السوفيتية في المعلومات الواردة إليها. ومع ذلك، وإدراكا منها لحتمية الهجوم، زادت السلطات السوفيتية من حجم وجاهزية الجيش الأحمر وواصلت عمليات التصنيع. لكن بحلول صيف عام 1941، لم تكن الاستعدادات اللازمة قد اكتملت بعد، وحاولت القيادة السوفيتية جاهدة كسب الوقت دون استفزاز ألمانيا ودفعها إلى الحرب.
بداية الحرب
نشرت القيادة النازية ثلاث مجموعات جيوش كبرى على حدود الاتحاد السوفيتي هي “الشمالية” و”الوسطى” و”الجنوبية” لبدء المرحلة الأولى من الهجوم وشل دفاعات الجيش الأحمر. وتوزعت مهام هذه الجيوش ميدانيا؛ حيث أُمرت مجموعة الجيوش “الشمالية” بالتقدم عبر إقليم بحر البلطيق صوب مدينتي لينينغراد وكرونشتات بغرض حرمان القوات البحرية السوفيتية تماما من قواعدها البحرية الحيوية هناك. وفي الوقت ذاته، كُلفت مجموعة جيوش “الوسطى” باختراق أراضي بيلاروسيا والوصول السريع إلى سمولينسك، في حين تولت مجموعة جيوش “الجنوبية” مهمة سحق وحدات الجيش الأحمر المتمركزة في أوكرانيا على الضفة اليمنى.
وقد حشدت القيادة الألمانية 181 فرقة عسكرية، قوامها الإجمالي نحو 5.5 مليون جندي؛ حيث تفوقت جيوش مجموعة الوسط عدديا على الجبهة الغربية السوفيتية بنسبة قاربت الضعف، وتمكن النازيون من تحقيق تفوق عددي كاسح في بعض قطاعات الجبهة الفرعية.
صدر أول أمر قتالي سوفيتي لصد هجوم العدو في تمام الساعة 3:06 صباحا في مدينة سيفاستوبول، حيث فتحت الدفاعات السوفيتية نيرانها على الطائرات النازية التي اخترقت المجال الجوي. وفي تمام الساعة 4:00 صباحا، أرسلت سلطات الرايخ الثالث مذكرة رسمية إلى السفارة السوفيتية في برلين تعلن فيها الحرب بعد أن كانت العمليات العسكرية قد بدأت بالفعل، لتبدأ القوات النازية غزوها للأراضي السوفيتية على طول معظم حدود الدولة.
وأشار المؤرخ ألكسندر كاديرا إلى أن الوضع في مختلف القطاعات خلال الأيام الأولى كان متفاوتا للغاية بسبب ثلاثة عوامل رئيسية هي: اتجاه الهجوم الرئيسي، وحالة الجاهزية للقوات، والموقع الجغرافي.
وكانت قوات حرس الحدود التابعة للمفوضية الشعبية للشؤون الداخلية أول من تحمل الصدمة المباشرة للهجوم؛ ونظرا لافتقارها الكامل للأسلحة الثقيلة، لم يضعها النازيون في حساباتهم بجدية، حيث خصصت الخطط النازية 30 دقيقة فقط لتدمير مواقع الحدود بالكامل، لكن الواقع شهد قتالا شرسا استمر لأسابيع في بعض النقاط.
وأضاف كاديرا أن هؤلاء الجنود كانوا في طليعة من أحبطوا استراتيجية حرب هتلر الخاطفة؛ حيث نجح جنود مركز الحدود بقيادة كوزما فيتشينكين في مولدوفا من صد 11 هجوما نازيا متتاليا، وتمكنوا عقب تلقي تعزيزات من الجيش الأحمر والمتطوعين المدنيين من وقف تقدم العدو لمدة شهر كامل. كما أن حرس الحدود بقيادة ألكسندر قسطنطينوف حافظوا على مواقعهم الدفاعية بل وشنوا هجوما مضادا استعادوا به جسر السكة الحديد الحيوي عبر نهر بروت.
عموما، كانت قيادة منطقة أوديسا العسكرية تستعد بنشاط لصد الهجوم الألماني منذ منتصف يونيو، حيث قامت بسحب وإعادة نشر وحدات الفيلق 48 والفرقة 150 للرماية. حيث دافعت هذه القوات عن أراضي مولدوفا وجنوب أوكرانيا، وتشكل في اليوم الأول للحرب الجيش التاسع المنفصل الذي عمل كجبهة، قبل أن تُدمج وحدات الجيش الأحمر في اتجاه مولدوفا لاحقا ضمن الجبهة الجنوبية. ورغم تمكن القوات الألمانية والرومانية في البداية من الاستيلاء على خمسة رؤوس جسور على الضفة السوفيتية لنهر بروت، إلا أن القوات السوفيتية قضت على أربعة منها سريعا. وفي ليلتي 25 و26 يونيو، نفذت قوات أسطول الدانوب العسكري ووحدات الجيش الأحمر إنزالا ناجحا على ضفة العدو، واستولت على رأس جسر بطول 76 كيلومترا على طول الجبهة.
كما تولت وحدات منطقة كييف العسكرية الخاصة الدفاع عن المناطق الغربية لأوكرانيا السوفيتية، وشُكّلت الجبهة الجنوبية الغربية على أساسها في اليوم الأول، حيث دارت معارك طاحنة للسيطرة على مدينتي كوفيل وبرزيميسل.
وفي نهاية يونيو، اندلعت معركة “دوبنو– لوتسك– برودي” التي تُصنف كإحدى أكبر معارك الدبابات في التاريخ، ورغم فشل الهجوم السوفيتي المضاد فيها، إلا أنه منع النازيين من اقتحام كييف فورا وأخّر تقدمهم أسبوعا كاملا.
وأشار سيرغي بيريلغين إلى أن القيادة السوفيتية ركزت ثقلها الدفاعي في أوكرانيا ظنا منها أن الألمان سيستهدفون مخازن الحبوب ومناجم دونباس بناء على تجارب الحرب الأهلية السابقة، غير أن هذا التقدير تبيّن خطؤه بعدما نُفّذ الهجوم النازي الرئيسي عبر بيلاروسيا.
تفاقمت الأوضاع في بيلاروسيا، بشكل خطير للجيش الأحمر، حيث اخترق النازيون في الأيام الأولى دفاعات الجيش السوفيتي الثالث واحتلوا ليبسك. وتابع الفيرماخت زحفه مستوليا على بياليستوك وستولبتسي في 27 يونيو، ثم فولكوفيسك ودزيرجينسك في اليوم التالي، وأسفرت معركة “بياليستوك–مينسك” عن هزيمة القوات الرئيسية للجبهة الغربية وسقوط العاصمة مينسك في 28 يونيو، كما فشلت المحاولات اللاحقة لشن هجوم مضاد بما تبقى من قوات الجبهة الغربية. لكن المدافعين عن قلعة بريست سطروا بطولة فائقة بصمودهم من 22 يونيو وحتى النصف الثاني من يوليو 1941، حيث دافع عنها حرس الحدود ووحدات متفرقة من الجيش الأحمر ضد فرقة المشاة 45 للفيرماخت المدعومة بوحدات من فرقتي المشاة 31 و34.
ويتذكر سيرغي بيريلغين أن المدافعين عن قلعة بريست نجحوا في تثبيت قوة ألمانية كبيرة نسبيا وإبطاء زحف قوات الفيرماخت المتقدمة للعمق السوفيتي.
كما شهدت معارك البلطيق فصلا بطوليا تمثل في الدفاع عن مدينة ليبايا من 22 إلى 29 يونيو بواسطة وحدات مشتركة من الجيش الأحمر، وحرس الحدود، والبحارة، والطيارين، وضباط الأمن والشرطة، والميليشيات، ونشطاء الحزب، حيث كبدوا الألمان خسائر تجاوزت ألفي جندي وعرقلوا تقدمهم.
ورغم نجاح النازيين في دحر الجبهة الشمالية الغربية وسقوط فيلنيوس في 24 يونيو وريغا في 29 يونيو، إلا أنهم اصطدموا بمقاومة شرسة في إستونيا أبطأت حركتهم بشكل ملحوظ. كما شن فيلق جبال النرويج هجوما على مورمانسك في 29 يونيو، لكن القوات السوفيتية أوقفتهم ومنعتهم في بعض النقاط من عبور حدود الدولة.
وأكد بيريلغين أن القتال السوفيتي حتى آخر رصاصة وحتى آخر رجل، ما كبّد الألمان خسائر غير مسبوقة لم يعهدوها في أوروبا، وجعلهم يصلون إلى مشارف موسكو منهكين، وهو ما حسم مسار الحرب، ليخلص ألكسندر كاديرا إلى أن استراتيجية الحرب الخاطفة قد أُحبطت تماما عما خُطط لها في الأصل.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
كاتيوشا.. قصة السلاح الأسطوري للجيش الأحمر
في 21 يونيو 2026، تحل الذكرى 85 لدخول منظومة “بي إم-13” الصاروخية الخدمة في الجيش الأحمر السوفيتي، وهو السلاح الذي أصبح رمزاً للنصر على النازية وحمل لقب “كاتيوشا” المرعب للألمان.
أغنية “كاتيوشا”.. نشيد الروح الروسية
تعد “كاتيوشا” الأغنية الروسية الأكثر شهرة عالميا حيث غناها بعد الجنود الروس المقاومون في إيطاليا واليونان وفرنسا بلغاتهم في الحرب العالمية الثانية وظهرت بنسخ عبرية وصينية ويابانية.
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: arabic.rt.com بتاريخ: 2026-06-22 18:39:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
