كأس العالم 2026: “نريد الفوز، لكننا نكره الجمهورية الإسلامية”.. المعضلة التي يواجهها بعض مشجعي إيران
صدر الصورة، وكالة فرانس برس عبر غيتي إيماجز
تم النشر
مدة القراءة: 7 دقائق
هل ندعم إيران أم لا؟ هذا هو السؤال الذي يؤرق أكبر جالية إيرانية في الخارج، في وقت تجتاح فيه حمى كأس العالم المناطق التي تعيش فيها.
فعلى بُعد مسافة قصيرة بالسيارة من ملعب صوفي، يرفرف العلم الإيراني ثلاثي الألوان في كل مكان تقريباً داخل منطقة “طهران أنجلوس”، وهو الاسم الذي يُطلق على الحي في لوس أنجلوس المعروف بكثافة سكانه من أصول إيرانية، لكن هذه الأعلام ليست راية الجمهورية الإسلامية، بل علم “الأسد والشمس” الذي سبق ثورة عام 1979، ويُرفع بوصفه رمزاً لمعارضة النظام الإيراني الحالي.
واعتبر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) هذا العلم رمزاً سياسياً، فحظر دخوله إلى ملاعب كأس العالم، ومع ذلك، نجح بعض المشجعين في إدخاله إلى المدرجات خلال مباراة إيران الافتتاحية أمام نيوزيلندا في 16 يونيو/حزيران الجاري.
ووصف مباريات إيران بأنها مشحونة سياسياً لا يكفي للتعبير عن واقعها، ومن المتوقع أن تبلغ المشاعر ذروتها مجدداً في المباراة الثانية أمام بلجيكا، والتي ستقام أيضاً في لوس أنجلوس.
وقالت امرأة أمريكية من أصل إيراني تقيم في لوس أنجلوس، وطلبت عدم الكشف عن هويتها لأسباب تتعلق بالسلامة: “نريد أن نشاهد منتخبنا ونريده أن يفوز، لكننا في الوقت نفسه نحتقر الجمهورية الإسلامية في إيران وحكومتها وسياساتها القمعية”.
وتزداد هذه المشاعر المتناقضة تعقيداً بسبب حقيقة أن معظم المباريات تُقام في دولة أعلنت الحرب على إيران في فبراير/شباط 2026.
وفي الوقت الذي لم يجف فيه بعد حبر الاتفاق الجديد الذي أنهى القتال، يفتتح تيم ملي (المنتخب الوطني الإيراني بالفارسية) مشاركته السابعة في نهائيات كأس العالم، بينما يجد كثير من الإيرانيين أنفسهم عالقين بين مشاعر متضاربة يصعب حسمها.
صدر الصورة، صور جيتي
وقال إريك ساديث، وهو صاحب متجر للسجاد في منطقة “طهران أنجلوس”: “هذا ليس فريقي”.
وأضاف: “إن هذا الفريق لا يمثل إيران، ودعمه يعني دعم الحرس الثوري”، في إشارة إلى القوة العسكرية والسياسية النافذة التي تتولى حماية النظام الإسلامي في إيران.
لكن الربط بين المنتخب والدولة ليس بهذه البساطة بالنسبة لبعض المشجعين.
ففي المباراة الافتتاحية لإيران يوم 16 يونيو/حزيران 2026، تحولت صيحات الاستهجان التي رافقت عزف النشيد الوطني الإيراني سريعاً إلى هتافات تشجيع بعد انطلاق المباراة.
وقالت إليكا، وهي أمريكية أخرى من أصل إيراني تقيم في لوس أنجلوس، إنها نشأت على مشاهدة مباريات المنتخب مع والدها الذي توفي عام 2020.
وأضافت: “شعرت بأنني مضطرة للحضور تكريماً لذكرى والدي، وتكريماً للإيرانيين الذين يريدون فقط السلام وفرصة الاستمتاع بمباراة كرة قدم كهذه”.
صدر الصورة، صور جيتي
“اللعب من أجل الإيرانيين في جميع أنحاء العالم”
وداخل إيران، حيث تحظى كرة القدم بشعبية جارفة، جعلت الحرب من الصعب على كثيرين استحضار أي حماس تجاه كأس العالم.
وقالت بافي، وهو اسم مستعار لامرأة إيرانية طلبت تغيير اسمها، في حديث إلى بي بي سي: “بعد أسابيع من العيش تحت القصف اليومي، ومع التضخم الذي جعل الحياة شديدة الصعوبة وباهظة التكاليف، تبدو مشاهدة كأس العالم والاستمتاع بها وكأنهما ضرب من الخيال أو مزحة”.
أما ندى، وهو أيضاً اسم مستعار، فقالت إنها وجدت أن تشجيع “تيم ملي” يتطلب قدراً كبيراً من التناقض النفسي يصعب تحمله.
وأضافت: “أشعر بالخدر، أحب أن أرى المنتخب سعيداً أو يحتفل، لكنني شخصياً لا أشعر بأي شيء”.
ومن جهتهم، قال لاعبو المنتخب الإيراني إنهم يريدون أن يكونوا قوة توحيد بين الإيرانيين.
وقال المهاجم مهدي طارمي للصحفيين: “نحن نلعب من أجل الإيرانيين في جميع أنحاء العالم”.
غير أن تحقيق هذا الهدف يبدو صعباً، في ظل محاولات أطراف مختلفة استغلال “تيم ملي” لتحقيق مكاسب سياسية خاصة بها.
وقالت نيكي أخافان، وهي أستاذة أمريكية من أصل إيراني متخصصة في دراسات الإعلام في الجامعة الكاثوليكية الأمريكية بواشنطن: “هناك قاعدة جماهيرية حقيقية تتجاوز الانقسامات السياسية، لكن كانت هناك محاولات لتقويض هذه القاعدة الجماهيرية وإثارة الانقسام بين الإيرانيين”.
وأضافت: “وبالطبع هناك أيضاً المؤسسة الحاكمة، التي لديها أهدافها السياسية الخاصة وتسعى إلى احتكار جميع رموز الثقافة الإيرانية وتوظيفها لخدمة أجندتها”.
صدر الصورة، صور جيتي
وقد أثّرت التداعيات السياسية سلباً على لوجستيات مشاركة إيران في كأس العالم.
فقد أدت المخاوف المتعلقة بالتأشيرات والأمن إلى انتقال المنتخب من مدينة توكسون في ولاية أريزونا إلى مدينة تيخوانا الحدودية في المكسيك.
وشكا اللاعبون من كثرة التنقلات ذهاباً وإياباً، فيما تساءل بعض المراقبين عن عدالة هذه الظروف.
وفي بيان صدر في 19 يونيو/حزيران 2026، قال الاتحاد الإيراني لكرة القدم إنه سيقدّم شكوى رسمية إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، بشأن قيود السفر، موضحاً أن شروط التأشيرات تفرض على الفريق السفر إلى الولايات المتحدة قبل يوم واحد فقط من أي مباراة، ومغادرة البلاد في اليوم نفسه الذي تُقام فيه المباراة.
وأضاف الاتحاد أن هذا الوضع “لا يتماشى مع مبدأ توفير ظروف متساوية لجميع الفرق المشاركة”.
وقال أندرو غيولِياني، المدير التنفيذي لفريق عمل البيت الأبيض المعني بالفيفا، إن إيران كانت على دراية بالوضع الذي تواجهه فيما يتعلق بمبارياتها.
“ظروف مضطربة”
وقالت البروفيسورة أخافان: “إيران تمر دائماً بنوع من الظروف المضطربة، ولم تكن كرة القدم يوماً منفصلة عن الجغرافيا السياسية المحيطة بها”.
ومنذ مشاركتها الأولى في كأس العالم عام 1978، شهدت إيران لحظات مشحونة سياسياً، من بينها مباراة عام 1998 ضد الولايات المتحدة، التي قطعت إيران علاقاتها الدبلوماسية معها عام 1980.
وخارج أرض الملعب، كانت هناك مخاوف تتعلق بسلامة المنتخبين، وقبيل المباراة، ألقى الرئيس الأمريكي، آنذاك، بيل كلينتون، خطاباً تصالحياً قال فيه: “بينما نشجع اليوم مباراة بين رياضيين أمريكيين وإيرانيين، آمل أن تكون خطوة أخرى نحو إنهاء القطيعة بين بلدينا”.
واحتفل آلاف المشجعين في شوارع إيران عندما فاز المنتخب الإيراني (تيم ملي) بنتيجة 2-1، مما أدى إلى خروج الولايات المتحدة من البطولة.
صدر الصورة، أنيتشانس / جيتي إيماجيس
وفي قطر عام 2022، خاضت إيران مبارياتها بينما كانت احتجاجات واسعة مناهضة للحكومة تتصاعد داخل البلاد، بعد وفاة مهسا أميني أثناء احتجازها، بعدما أوقفتها “شرطة الأخلاق” بسبب مزاعم مخالفتها لقواعد اللباس الصارمة الخاصة بغطاء الرأس.
وقالت البروفيسورة أخافان: “في تلك اللحظة، وفي خضم حركة (المرأة، والحياة، والحرية)، أعتقد أن حركة المقاطعة للمنتخب الوطني كانت أقوى بكثير، حيث كان الناس يقولون: هذا ليس منتخب إيران، بل هو منتخب الدولة”.
حقوق المرأة
بالنسبة للنساء في إيران، كانت ممارسة الرياضة نفسها تاريخياً محظورة أيضاً.
فعلى مدى عقود بعد الثورة الإسلامية عام 1979، مُنعت المشجعات من حضور الفعاليات الرياضية الخاصة بالرجال.
وفي عام 2019، اعتُقلت امرأة عندما حاولت دخول ملعب لكرة القدم، وبعد تأجيل محاكمتها، أقدمت سحر خُدَياري على إحراق نفسها، وتوفيت بعد أسبوع، في قضية أثارت غضباً واسعاً وزادت الضغط على النظام لتخفيف القيود.
وفي أغسطس/آب من عام 2022، سُمح للنساء الإيرانيات بحضور مباراة في بطولة كرة القدم الوطنية، لكن في العام نفسه، مُنعت المشجعات من دخول أحد الملاعب في شرق إيران لمتابعة مباراة تصفيات لكأس العالم في قطر، وفقاً لمنظمة هيومن رايتس ووتش.
وقالت المنظمة: “رغم أن هذا الحظر ليس مكتوباً في القانون أو اللوائح، فإن السلطات فرضته بشكل منتظم على مدى عقود”.
وفي عام 2023، قالت السلطات إنها “تهيئ الظروف المناسبة في الملاعب لدخول النساء”.
صدر الصورة، وكالة فرانس برس عبر غيتي إيماجز
وتعرض المنتخب النسائي الإيراني لكرة القدم لاختبار صعب خاص به.
ففي وقت سابق من هذا العام، وبعد أن رفضن ترديد النشيد الوطني في مباراة ضمن كأس آسيا في أستراليا، وُصفت اللاعبات بأنهن “خائنات في زمن الحرب” من قبل أحد المعلقين في إيران، مما أثار مخاوف بشأن سلامتهن عند العودة إلى البلاد.
وقد منحت الحكومة الأسترالية 5 لاعبات منهن تأشيرات إنسانية، فيما قررت اثنتان البقاء في أستراليا.
“لماذا لا يمكننا الاستمتاع بهذه اللحظة؟”
صدر الصورة، وكالة فرانس برس عبر غيتي إيماجز
في ملعب صوفي في لوس أنجلوس، يرى بعض المشجعين الإيرانيين في كأس العالم فرصة نادرة للالتقاء والاحتفال بهويتهم الثقافية المشتركة، مما يمنحهم لحظة تتجاوز الحرب والانقسام السياسي داخل الجالية الإيرانية في الشتات.
وقالت ماهديس كشافرز، وهي مشجعة أمريكية من أصل إيراني، لبرنامج “نيوزداي” على راديو بي بي سي، بعد التعادل أمام نيوزيلندا: “أثناء المباراة، لا يمكن إنكار الحب العميق الذي نكنّه لبعضنا البعض”.
وأضافت: “أتمنى بشدة أن يكون هذا شيئاً يمكنه بناء جسر يربط بيننا عبر الألم والحزن الذي عايشه الكثير منا خلال الأربعين عاماً الماضية تقريباً”.
واتفقت معها المشجعة إيدين دهداشتي، قائلة: “حتى قبل الحرب، وحتى قبل أن تُزهق الأرواح، كان من الصعب دائماً أن تكون إيرانياً داخل ملعب”.
وتابعت حديثها لبرنامج “نيوزداي” خارج الملعب في لوس أنجلوس: “لكن هذا مرهق أيضاً، إنه منهك، لماذا لا يمكننا الاستمتاع بهذه اللحظة؟ لم تتأهل جميع الدول”.
تغطية باولا أدامو إيدويتا، وشيماء خليل، وليريه فينتاس، وإسحاق فانين، وفيراناك أميدي، في لندن ولوس أنجلوس.
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.bbc.com
بتاريخ: 2026-06-22 01:07:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
