لافروف يعلن نهاية أوروبا القديمة

بينما كانت موسكو تتعرض لهجمات واسعة بالمسيّرات الأوكرانية فجر يوم 18 يونيو (حزيران) 2026، وفي الوقت الذي تواصل فيه القوات الروسية ضغطها في كونستانتينوفكا ودروجكوفكا وعلى محاور ليمان وسلافيانسك وكراماتورسك، وبينما يستعد الاتحاد الأوروبي لفرض حزمة جديدة من العقوبات على الاتحاد الروسي، وهي الحزمة الحادية والعشرون، ويستضيف بوتين قادة رابطة آسيان في قازان في قمة وصفت بالتذكارية للاحتفال بمرور 35 عامًا على العلاقات بين الرابطة وروسيا، لكن هدفها بالطبع إرسال رسالة بأن مساعي تعميم العزلة المفروضة عليها من الغرب قد فشلت بالدليل، قرر شيخ الدبلوماسية الروسية سيرغي لافروف أن يوجه رسالة سياسية مختلفة تمامًا.

اختار وزير الخارجية الروسي أن ينشر مقالًا مطولًا بعنوان «أوكرانيا وأوروبا والأمن العالمي» على الموقع الإلكتروني الرسمي لوزارة الخارجية الروسية. والمفارقة أن هذا المقال كان معدًا للنشر في وسيلة إعلام أوروبية كبرى قبل أن يُسحب في اللحظة الأخيرة.

المعلومات التي لدينا تقول إنه كان معدًا للنشر في «بوليتيكو يوروب»، وإنها كانت تنوي بالفعل نشر المقال، ثم تراجعت في اللحظة الأخيرة لأسباب لم يتم إعلانها، أو لم تصلني حتى الآن روايتها الدقيقة، حتى لا نقع في خلط غير صحيح.

وعلى العموم، فإن عدم نشر المقال في هذه المنصة الإعلامية الغربية يمنح موسكو، في رأيي، فرصة إضافية لاستثمار ذلك فورًا لتأكيد روايتها التقليدية بأن الغرب يتحدث عن حرية التعبير، لكنه يتخلى فورًا عن هذه القيمة عندما تصل الأمور إلى موسكو، فهو لا يقبل الرواية الروسية.

كما أن الخارجية الروسية تستطيع أن تقول، بالفم المليان وبلا شك، إن المجال الإعلامي الأوروبي أصبح جزءًا من الصراع.

غير أن أهمية هذا المقال، من واقع قراءتي له صباح اليوم، وإعادة قراءته مرة ثانية حتى أكتب هذه السطور تعليقًا عليه، لا تكمن في قصة النشر أو عدم النشر، وإنما في مضمونه.

فالنص، في جوهره، عند قراءته بتأنٍ، يمثل واحدة من أكثر الوثائق الروسية الرسمية وضوحًا منذ بداية الحرب الأوكرانية.

وهو لا يقدم رؤية روسية للحرب فحسب، بل يقدم لنا تفسيرًا روسيًا للتاريخ الأوروبي كله، حسبما تراه موسكو بالطبع، منذ نهاية الحرب الباردة. وهذا مهم جدًا إذا كنا نسعى بصدق لفهم ما يدور في رأس الروس أو القيادة الروسية من أجل التعامل السليم والموضوعي معها دون مبالغة أو تهويل.

ويرسم المقال أيضًا تصورًا لمستقبل القارة الأوروبية المريضة والنظام الأمني الذي قد يحل فيها محل النظام القائم.

وإذا قرأنا المقال بغرض الفهم، فإن أول ما يلفت الانتباه هو أن لافروف لا يتعامل مع الحرب الأوكرانية باعتبارها أصل الأزمة. فوزير الخارجية الروسي، من واقع كلامه، يعتبر أن الحرب المستمرة الآن لأكثر من اثني عشر عامًا، والتي دخلت مرحلتها الحادة عامها الخامس، ليست سوى نتيجة لأزمة عميقة في العلاقات الروسية الأوروبية، وأن السبب فيها هو موقف الأوروبيين واستعلاؤهم.

فالمشكلة، من وجهة نظر شيخ الدبلوماسيين الروس، لم تبدأ في فبراير (شباط) 2022، ولا حتى في عام 2014، بل تعود إلى المسار الذي اتخذه الغرب بقيادة الولايات المتحدة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي.

ولهذا فإن أوكرانيا، في الرواية الروسية التي أعاد لافروف تكرارها بوضوح شديد في هذا المقال، ليست سبب الصراع، وإنما الساحة التي انفجر عليها صراع أعمق يتعلق بطبيعة النظام الدولي نفسه.

وهنا تظهر، في القراءة التفكيكية للمقال، فكرته المحورية. وما أقصده هو أن موسكو، وفقًا للافرروف، تتحدث اليوم بصورة أكثر صراحة من أي وقت مضى، عن أن كل ما جرى خلال العقود الثلاثة الماضية من توسع لحلف الناتو والاتحاد الأوروبي شرقًا لم يكن عملية تكامل طبيعي، كما يحاول حلف شمال الأطلسي والأوروبيون تصويره في المخيلة الدولية وإقناع الرأي العام العالمي به.

فموجات توسع الناتو الخمس منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، والتي بدأت أشدها عام 1999، كانت مشروعًا جيوسياسيًا استهدف تقليص المجال الاستراتيجي الروسي تدريجيًا عبر موجات متتالية، واهمًا أن ذلك سوف يمر على روسيا الضعيفة آنذاك، والمثقلة باضطرابات ومحاولات انفصال داخلية، وصعوبات اقتصادية واجتماعية بالغة الصعوبة والخطورة في الوقت نفسه.

ولذلك يصر لافروف على أن روسيا حاولت مرارًا، منذ استلام بوتين مقاليد السلطة على رأس الألفية الجديدة، التوصل إلى ترتيبات أمنية جديدة مع الغرب، سواء عبر الحوار مع الاتحاد الأوروبي والناتو خلال سنوات من المجالس والاجتماعات والقمم المتتالية، أو من خلال مقترحات الضمانات الأمنية التي قدمتها موسكو أواخر عام 2021 في محاولة أخيرة لتلافي الصدام المحقق، لكن الغرب رفض كل تلك المبادرات ومضى في المسار نفسه.

قد يتفق المرء أو يختلف مع هذا التفسير، وهو بالطبع يمثل الرواية الروسية، لكنه يظل مهمًا، كما ألمحت أعلاه، لأنه يفسر طريقة تفكير القيادة الروسية الحالية.

فالدول لا تتصرف وفق ما يراه الآخرون، بل وفق الطريقة التي تفسر بها هي الواقع.

وحين ينظر الكرملين إلى الحرب بوصفها نتيجة لتراكمات ممتدة منذ ثلاثة عقود، يصبح مفهومًا بالنسبة لنا، بل ومن الطبيعي، أن يرفض التعامل معها كأزمة يمكن حلها بمجرد وقف إطلاق النار أو عقد صفقة سياسية محدودة.

ولهذا السبب أيضًا يصبح مفهومًا لماذا يهاجم لافروف المبادرات الأوروبية الأخيرة بشدة. فالمقال لا يتضمن انتقادات مجردة لباريس أو برلين أو لندن.

فالوزير لافروف، في مقاله الذي لم تنشره «بوليتيكو أوروبا»، يقدم حكمًا سياسيًا شاملًا على الدور الأوروبي في الأزمة.

ويرى الوزير الروسي، بشكل قطعي وفق هذا المنطق، أن أوروبا لم تعد، ولا يمكن أن تكون، وسيطًا محتملًا، لأنها بالنسبة للكرملين أصبحت طرفًا مباشرًا في الصراع.

ومن هنا نفهم تصريحات بيسكوف وأوشاكوف ولافروف خلال الأيام الأخيرة، عندما وصفوا المبادرات الأوروبية بأنها محاولات لإنقاذ النظام الأوكراني لا لإنهاء الحرب.

إن هذا المقال وثيقة سياسية تشرح كيف تنظر موسكو اليوم إلى العالم، وكيف ترى الحرب الأوكرانية، ولماذا تعتقد أن ما يجري يتجاوز حدود أوكرانيا وأوروبا الشرقية ليطال شكل النظام الدولي نفسه.

وإذا كانت المعارك تدور على الأرض في دونباس، فإن المعركة التي يتحدث عنها لافروف تدور في مستوى أعمق بكثير. فهي، في اعتقاد الكرملين الراسخ، أصبحت معركة على قواعد النظام الأمني الذي نشأ بعد الحرب الباردة، وعلى موقع روسيا في هذا النظام، وعلى مستقبل أوروبا نفسها.

أما أصل المشكلة في الخطاب الغربي السائد، فهو أن الحرب تُقدَّم على أنها نتيجة مباشرة لقرار روسي باستخدام القوة ضد دولة مستقلة.

فيرد لافروف على ذلك، وكما أشرت أعلاه، بالقول إن موسكو أمضت أكثر من عقدين في محاولة التوصل إلى تفاهمات أمنية مع الغرب، بينما كانت مؤسسات الغرب السياسية والعسكرية، من وجهة نظره، تخدع موسكو وتتوسع شرقًا حتى وصلت إلى حدود روسيا.

ولفهم سبب حدة طرح لافروف، نعود إلى ديسمبر (كانون الأول) 2021 عندما قدمت موسكو مقترحات رسمية إلى الولايات المتحدة وحلف الناتو بشأن الضمانات الأمنية. فحتى ذلك التاريخ كانت روسيا لا تزال تتحدث عن إصلاح النظام الأمني الأوروبي وفق رؤية مشتركة.

لكن اليوم، وبعد أربع سنوات من الحرب، تغير الخطاب جذريًا.

ولعل أخطر جملة وردت في مقال لافروف، من وجهة نظري، ليست حديثه عن أوكرانيا أو زيلينسكي أو الناتو، وإنما قوله بلهجة قطعية إن النظام الأمني الأوروبي الذي تشكل منذ اتفاق هلسنكي عام 1975 قد تم تدميره ولن يعود.

فهذا، يا سادة، إعلان سياسي بالغ الأهمية.

إن موسكو لم تعد تطالب بإصلاح النظام الأوروبي القائم، فالكرملين، عبر مثل هذه التصريحات الرسمية، يعلن أنه يعتبر هذا النظام منتهيًا فعليًا.

وبالتالي فإن السؤال لم يعد: هل يمكن ترميمه؟ أو كيف يمكن ترميمه؟ بل: ما الذي سيحل محله؟

هذه النقطة وحدها، إذا دققنا فيها بعناية، تكشف حجم التحول الخطير الذي طرأ على التفكير الاستراتيجي الروسي تجاه أوروبا منذ بداية المرحلة الساخنة جدًا من الحرب.

لقد تحولت أوروبا، بالنسبة لموسكو، من شريك تجاري كبير وشريك سياسي محتمل يمكن التفاهم معه على قواعد للعيش المشترك، إلى خصم لدود يتهددها بصورة جدية.

وللتاريخ، يتوجب عليّ، كمراقب متخصص في العلاقات الدولية ودارس للتاريخ، أن أقول إنه منذ انتهاء الحرب الباردة، ووفق ما طالته يدي وعيني من كتب ودراسات ومقالات وتحليلات واستطلاعات رأي، سادت في روسيا، وإن بدرجات متفاوتة، قناعة بإمكانية بناء شراكة استراتيجية مع أوروبا. وهذه حقيقة واقعية وموضوعية.

بل حتى بعد الأزمات المتكررة بين الطرفين، ظلت موسكو في عهد بوتين تميز بين أوروبا والولايات المتحدة.

أما اليوم، فإن هذا التمييز يكاد يختفي.

وفي مقال لافروف الذي نحن بصدده، تبدو أوروبا طرفًا في الصراع أكثر منها وسيطًا أو شريكًا محتملًا، ويظهر ذلك بوضوح في انتقاداته الحادة للاتحاد الأوروبي ولندن وباريس وبرلين، كما أشرت أعلاه.

والواقع أن بوتين، ومن ورائه الكرملين، يرى أن الدول الأوروبية، أو للدقة النخب الأوروبية الحالية، لم تسعَ ولا تسعى إلى تسوية الحرب.

فهي، في اعتقاده الذي نستشفه من تصريحاته الرسمية ومواقفه المعلنة، تسعى إلى إدارة الصراع بطريقة تمنع هزيمة أوكرانيا، وتبقي الضغط على روسيا قائمًا ومستمراً حتى تستنزفها عسكريًا واقتصاديًا، وبالتالي اجتماعيًا.

وأصبحت أوروبا، بالنسبة للكرملين، جزءًا لا يتجزأ من المشكلة، وبالتالي لا يمكنها، بحال من الأحوال، أن تصبح جزءًا من الحل.

ومنذ مطلع يونيو (حزيران) الجاري، تصاعد الجدل حول المبادرة الألمانية-الفرنسية-البريطانية بشأن أوكرانيا.

وهي مبادرة يجري تقديمها في العواصم الأوروبية بوصفها محاولة لدفع التسوية، لكن موسكو تنظر إليها بصورة مختلفة تمامًا.

فالكرملين، وعلى لسان بيسكوف وأوشاكوف، قال أكثر من مرة خلال الأسابيع الأخيرة إن هذه المبادرات لا تهدف إلى إنهاء الحرب، بل إلى تجميدها.

والفرق كبير هنا بين مفهومي تجميد الحرب وإنهائها.

فالتجميد، من وجهة نظر موسكو، يمنح كييف فرصة لإعادة ترتيب أوضاعها وتنظيم قواتها، ويمنح أوروبا، في الوقت نفسه، فرصة لتعزيز الدعم العسكري.

وبالتالي فهو يؤجل الصدام المحتمل بين روسيا وأوروبا بدلًا من حله.

ولهذا السبب يرفض المسؤولون الروس الحديث عن وقف إطلاق نار منفصل عن معالجة ما دأب بوتين والمسؤولون الروس على تسميته «الأسباب الجذرية للنزاع».

ونقطة أخرى مهمة في مقال لافروف، بل أستطيع القول إنها واحدة من أكثر الأفكار أهمية فيه، هي حديثه عن أوكرانيا بوصفها «قبضة ضاربة» أو «قفازًا ضاربًا» محتملًا لأوروبا.

ومن واقع متابعتي، فإن هذه الفكرة لم تكن حاضرة بهذا الوضوح في الخطاب الروسي قبل سنوات، أما اليوم فتظهر باستمرار في مراكز الدراسات الروسية وفي تصريحات كبار المسؤولين.

ووفق هذا التصور، لا تنظر موسكو إلى أوكرانيا على أنها مجرد دولة تتلقى دعمًا غربيًا، وإنما باعتبارها مشروعًا استراتيجيًا أوروبيًا طويل المدى.

وهذا الكلام يؤدي إلى القلق الروسي المستمر من أي هدنة أو تجميد للصراع. بمعنى أن القيادة الروسية، ممثلة في بوتين ولافروف وغيرهما، تخشى أن تتحول أوكرانيا، بعد إعادة التسلح والتدريب، وهو أمر مرجح إذا توقفت الحرب بهذا الشكل مؤقتًا، إلى قوة عسكرية أوروبية متقدمة على حدود روسيا.

وواحدة من النقاط الرئيسة كذلك في المقال، بل ربما تكون من أكثر النقاط إثارة للاهتمام، هي حدة انتقاد لافروف لأوروبا أكثر من الولايات المتحدة، على غير عادته في الحديث عن واشنطن.

فعلى الرغم من أن موسكو تحمل الولايات المتحدة مسؤولية كبيرة عن مسار الأزمة، فإن النص اللافروفي يخصص انتقادات أشد لأوروبا.

وفي رأيي، فإن هذا لا يعكس تغيرًا في موقف لافروف بقدر ما يرتبط بالتطورات الأخيرة تحديدًا. وما أرمي إليه هو أنه في الوقت الذي تستمر فيه قنوات الاتصال الروسية-الأمريكية، سواء عبر الاتصالات المباشرة أو عبر المبعوثين الأمريكيين ويتكوف وكوشنر، اللذين يفترض أن يزورا موسكو قريبًا لهذا الغرض، تتجه العلاقات الروسية-الأوروبية إلى مزيد من التدهور.

ومن هنا يبدو أن كبير الدبلوماسيين الروس يحاول رسم معادلة جديدة تثبت في الذهنية العامة العالمية، وفي الشارع الأوروبي، أن النخب الأوروبية حولت أوروبا إلى طرف في الحرب مع روسيا.

أما الولايات المتحدة فهي الخصم الرئيس، نعم، لكنها تبقى مع ذلك الطرف الوحيد القادر على التفاوض.

وبالتالي، عندما نحاول فهم هذه الرؤية، فسنجد أنها لا تعني بحال وجود تقارب روسي-أمريكي، كما يتم تصويره أحيانًا في الإعلام بصورة غير دقيقة.

لكنها تعكس، حسب فهمي الشخصي بالطبع، محاولة روسية واضحة للفصل بين المسارين الأوروبي والأمريكي.

وإذا ابتعدنا عن السياسة قليلًا ونزلنا إلى ميادين المواجهات العسكرية، فسنرى أن الأسابيع الأخيرة كانت شديدة الوطأة والخطورة على العاصمة الروسية.

فقد شهدت موسكو واحدة من أكبر موجات الهجمات الأوكرانية بالمسيّرات منذ بداية الحرب، بينما واصلت روسيا ضرباتها ضد منشآت الطاقة والصناعة العسكرية الأوكرانية. وفي الوقت نفسه تتقدم القوات الروسية، وإن ببطء، على محاور ليمان وسلافيانسك وكراماتورسك، فيما تجري أعمال قتال عنيفة في كونستانتينوفكا ودروجكوفكا، وذلك وفق بيانات وزارة الدفاع الروسية وما ترصده المنصات العسكرية شبه المستقلة.

ولو نظرنا إلى هذه الأحداث منفصلة، فقد تبدو مجرد تطورات عسكرية يومية، لكن مقال لافروف يدعو إلى قراءتها بطريقة مختلفة. فمن وجهة نظر موسكو، لا تدور الحرب حول السيطرة على قرية أو مدينة فقط، بل حول تحديد شكل التوازن الأمني في أوروبا لعقود قادمة.

وهنا قد نجد تفسيرًا للموقف الروسي الرسمي الذي يبدو هادئًا أو باردًا، أو حتى مستفزًا لبعض الصقور القوميين الروس، أو مثيرًا للسخرية من جانب الخصوم، تجاه استهداف موسكو بهذا الشكل الفج والسافر والخطير، وهي عاصمة أكبر قوة نووية في العالم.

لكن مقال لافروف، الذي كان يفترض أن ينشر يوم 19 يونيو (حزيران) 2026، أي بعد يوم واحد من هذا الهجوم الكبير على موسكو، يقول لنا إن القيادة الروسية لا ترى أن نجاح أوكرانيا في ضرب موسكو بالمسيّرات يغير جوهر المعادلة طالما استمر التقدم الروسي على الأرض.

كما أنها، أي بوتين والكرملين، لا ترى أن العقوبات الأوروبية قادرة وحدها على فرض تسوية ما دام الصراع يتعلق بقضايا تعتبرها موسكو وجودية.

وعودة إلى السياسة، ولكن إلى الرؤى الجيوسياسية الكبرى في مقال لافروف، أقصد بذلك الجزء المخصص لمفهوم أوراسيا بوصفه بديلًا عن أوروبا.

فإذا كان هناك مفهوم جيوسياسي واحد يتكرر بصورة شبه يومية في الخطاب الروسي الجديد، فهو «أوراسيا».

في الماضي كانت روسيا تتحدث عن الشراكة مع أوروبا، أما اليوم فإن الحديث يتجه نحو فضاء أوراسي أوسع يشمل الصين والهند وآسيا الوسطى والشرق الأوسط بمعناه الواسع، ومنظمات مثل منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس.

وقد أصبحت هذه المكونات بالفعل جزءًا من التصور الروسي للمستقبل، ولذلك فإن لافروف لا يطرح فقط نقدًا للنظام الأوروبي، بل يقدم بديلًا جاهزًا له.

وهذا البديل، وإن بدا للمراقب البعيد غامضًا في كثير من تفاصيله، فإنه يقوم، في جوهره، على فكرة أساسية تتمثل في ضرورة إقامة عالم متعدد الأقطاب لا يحتكر فيه الغرب وضع القواعد، وإلا فإن مصير الحضارة الإنسانية سيكون مهددًا بصورة خطيرة.

لكن هل يعني هذا الكلام أن روسيا ترى في الحرب الجارية الآن، سواء في ساحات القتال الأوكرانية أو عبر هجمات المسيّرات على العمق الروسي، نهاية أوروبا القديمة؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأهم في مقال لافروف.

والإجابة الروسية الواضحة التي أستشفها من المقال هي: نعم.

فالكرملين، وبوتين، ومعظم القيادات الروسية السياسية والدبلوماسية والعسكرية، بل وحتى شخصيات عامة ومفكرون سياسيون كان يُنظر إليهم سابقًا بوصفهم أكثر ميلًا إلى الغرب، لا يتحدثون اليوم عن إمكانية العودة إلى ما قبل فبراير (شباط) 2022 في العلاقات مع أوروبا، بل يصفون ذلك بالوهم وأحلام التمني.

ولا يكاد أحد هنا، إلا نادرًا ولأغراض المناورة السياسية والدبلوماسية أحيانًا، يتحدث عن استعادة العلاقات السابقة مع أوروبا.

فالحديث الواقعي يدور عن مرحلة جديدة بالكامل، حتى وإن كان من الصعب حتى الآن رسم ملامحها بصورة واضحة.

وقد يرى البعض في ذلك مبالغة أو طموحًا روسيًا يتجاوز الإمكانات الواقعية، ولكل إنسان الحق في أن يرى الأمور من زاويته الخاصة.

لكن الأهم، والذي أريد إيصاله إلى القارئ المهتم بهذه الشؤون، هو أن هذه هي الطريقة التي تنظر بها موسكو إلى الحرب اليوم.

وأرى أن هذا يجعل فهمها ضروريًا، سواء اتفقنا معها أم اختلفنا.

في نهاية المطاف، لا يقدم مقال لافروف مبادرة سلام، ولا يحدد موعدًا لإنهاء الحرب، ولا يعرض تنازلات متبادلة.

إنه يقدم تفسيرًا روسيًا شاملًا ومتماسكًا للصراع.

ومن خلال هذا التفسير يمكن فهم كثير من مواقف بوتين والكرملين الأخيرة.

وقصارى القول إن روسيا لا ترى نفسها في نزاع حدودي مع أوكرانيا وحدها، ولا تعتبر أن القضية الأساسية هي دونيتسك أو لوغانسك أو حتى القرم، على الرغم من كل ما يقال عن أن سقوط دونيتسك بالكامل قد يحسم المشهد.

لكن ما أفهمه جيدًا، وبقناعة تامة، هو أن بوتين والكرملين يريان أن روسيا اليوم في مواجهة وجودية مع نظام أوروبي-أطلسي تشكل في سنوات ضعفها التي أعقبت سقوط القطب الثاني للنظام الدولي، والذي كانت موسكو عاصمته.

وهذا النظام، من وجهة النظر الروسية، تعاظمت قوته السياسية والاقتصادية والعسكرية على حساب أمن روسيا ومصالحها منذ نهاية الحرب الباردة.

وسواء رأى القارئ أن هذا التقدير صحيح أو مبالغ فيه، فإنه أصبح اليوم جزءًا من العقيدة السياسية الروسية الرسمية، وليس مجرد رأي أو اجتهاد فردي.

ولهذا فإن الحرب الأوكرانية، وفق هذا التصور، لم تعد مجرد حرب على أوكرانيا، بل أصبحت حربًا على شكل النظام الدولي القادم.

ومن هنا تحديدًا، في رأيي، تأتي أهمية قراءة مقال لافروف قراءة فاحصة لمن يهمه الأمر، فهو لا يشرح فقط كيف تنظر روسيا إلى الحرب، وإنما، وهو الأهم، يشرح كيف ينظر الكرملين وبوتين إلى العالم الذي يريدان أن يخرج من رحم هذه الحرب.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: eurasiaar.org

تاريخ النشر: 2026-06-22 18:25:00

الكاتب: سعد خلف

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-06-22 18:25:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

Exit mobile version