هل وقعت في فخ “الوهم الممنهج”؟


تشاهدون في الفيديو المرفق الدمار والهياكل المهدمة على طريق النبطية الفوقا – كفرتبنيت جراء التصعيد الإسرائيلي الأخير. وكأي متصفح للقنوات اللبنانية على الإنترنت، قد يصادفك هذا الخبر بعنوانٍ مشوّق يدفعك لمشاهدته، من دون أن يتبادر إلى ذهنك أن هذا الخبر قد يكون جزءاً من عملية أوسع تُعرف بـ “الوهم الممنهج” الهادف إلى تزييف الوعي الجمعي. فكيف تتم هذه العملية؟ وما هي أدواتها؟ ولماذا تُستخدم؟ هذا ما سنحاول شرحه في هذه المقالة.

ما هو الوهم الممنهج؟

هو مصطلح يُطلق على عملية هندسة الوعي الجمعي وتزييفه بطريقة علمية ومنظمة، بهدف توجيه الإدراك المجتمعي نحو واقع غير حقيقي يخدم الأهداف العسكرية والسياسية للعدو، ويساعده على تحقيق مكاسب في المعركة بعيداً عن ساحة المواجهة العسكرية المباشرة؛ وبذلك يصبح الوهم الممنهج الذراع الخفية للعدو في معركته.

وهذه العملية لا تأتي نتيجة خطأ أو صدفة، بل هي نتاج جهد وتخطيط منظم تقوم به غرف عمليات إعلامية واستخباراتية ضمن إطار ما يُعرف اليوم بـ”الحرب الإدراكية”، مستخدمةً وسائل إعلام متخصصة وأدواتٍ بشرية على الأرض. وبذلك لا يقتصر سعي الاحتلال على احتلال الأرض فحسب، بل يمتد إلى احتلال العقول والسيطرة على الإدراك العام، وهي معركة لا تقل أهمية عن المواجهة العسكرية.

ولكي ينجح في التأثير في العقول خارج الميدان، لا بد من إضعاف التحصينات النفسية للمجتمع ودفع المواطن إلى حالة من “الذهول الإدراكي” تجعله عاجزاً عن التمييز بين الحقيقة والتضليل، أو عن إصدار أحكام منطقية متوازنة على ما يراه ويسمعه.

وهذا ما حصل في جنوب لبنان من خلال الآليات الآتية:

1- الغارات الإخبارية الوهمية المستمرة: وهي موجات متتالية من الأخبار العاجلة والإنذارات والشائعات التي تبثها بعض وسائل الإعلام أو تُنشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، وأحياناً عبر تسجيلات صوتية مجهولة المصدر، بفواصل زمنية قصيرة جداً.

وتستهدف هذه الرسائل بيئة المقاومة خصوصاً، بحيث تشبه في تأثيرها الحزام الناري العسكري الذي تستخدمه قوات العدو في محاولاتها للتقدم واحتلال القرى الجنوبية، غير أن الهدف هنا ليس احتلال الأرض بل اختراق الوعي الجماعي. فكما أن الهدف من الحزام الناري العسكري هو تمهيد الطريق أمام التقدم الميداني، فإن الهدف من هذه “الغارات الإخبارية” هو منع العقل الجمعي من التقاط أنفاسه أو التحقق من الحقائق قبل الانتقال إلى خبر جديد أكثر إثارة وإرباكاً.

2- شظايا الشائعات الذكية: ومثلما تُستخدم القذائف المتشظية في الحروب العسكرية لإصابة أكبر عدد ممكن من الأهداف، تُستخدم في الفضاء الرقمي شائعات صُممت بعناية، مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات، لاستهداف شرائح محددة من المجتمع برسائل موجهة بدقة. إذ تُبث أخبار زائفة ومعلومات مضللة تستهدف النازحين في مراكز الإيواء من خلال إثارة المخاوف المتعلقة بالأمن والاستقرار، كما تستهدف المقيمين في قراهم وبلداتهم برسائل مختلفة. وبذلك يحاول العدو إحكام الضغط النفسي على شرائح البيئة المستهدفة كافة، بهدف زعزعة الثقة بالمقاومة والمقاتلين على الجبهات، والتشكيك في النتائج التي قد تؤول إليها المواجهة.

3- الترويج المنظم للدمار والخوف: ويتم ذلك عبر توظيف الصورة والصوت توظيفاً مكثفاً، والتركيز على مشاهد الدمار والخسائر البشرية والمادية، وإعادة نشرها بتكرار نمطي بهدف التأثير النفسي في الجمهور المستهدف. كما تُسرّب أحياناً تسجيلات أو معلومات يُدّعى أنها موثوقة، لخلق انطباع بأن المرحلة المقبلة تحمل مخاطر أكبر أو أن الوضع يتجه نحو انهيار شامل. وهنا تصبح الرسالة الإعلامية نفسها أداة ضغط نفسي تتجاوز حدود نقل الخبر إلى صناعة الانطباع وتكريس الخوف.

النتيجة المرجوة

إن النتيجة المبتغاة من هذه العمليات هي تحقيق تدمير معنوي متكامل، بحيث لا يكون الهدف إقناعك مباشرة برواية العدو، بل إضعاف بوصلتك الوطنية وإدخالك في حالة من الإنهاك النفسي المستمر، تجعلك أكثر استعداداً للتخلي عن مواقفك السابقة أو تبني سلوكيات تخدم أهداف المعتدي بطريقة غير مباشرة.

ولكن كيف فشل الوهم في الحرب الأخيرة؟ في العصر الرقمي الحالي، لم يعد بإمكان أي قوة، مهما بلغ تفوقها التكنولوجي، أن تسيطر سيطرة مطلقة على تدفق المعلومات والصور ومقاطع الفيديو القادمة مباشرة من أرض المعركة. فقد أتاحت وسائل الاتصال الحديثة والإعلام الميداني إمكانية نقل الوقائع فور حدوثها، الأمر الذي ساهم في دحض السرديات المتنافسة والمتناقضة.

وفي المحصلة، فإن أخطر ما في الحروب الحديثة ليس ما تُحدثه من دمار في الحجر، بل ما تسعى إليه من تشويه في وعي الإنسان وإدراكه للواقع. فالصاروخ قد يهدم منزلاً، أما الوهم الممنهج فيحاول هدم الثقة واليقين والقدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل. ومن هنا، يصبح الوعي النقدي والتحقق من المعلومات والتمسك بالحقائق الميدانية خط الدفاع الأول في مواجهة الحرب الإدراكية.

لقد أثبتت التجارب أن الروايات المصنوعة بعناية قد تنجح في إرباك الناس لبعض الوقت، لكنها تعجز عن الصمود طويلاً أمام حقائق الميدان وإرادة المجتمعات التي تملك القدرة على التفكير والتمييز. فالحقيقة قد تتأخر، وقد تُحاصر بالضجيج والدعاية، لكنها تبقى في النهاية أكثر رسوخاً من أي وهم، لأن الواقع هو الحكم الأخير في كل معركة، سواء جرت على الأرض أو في العقول.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: www.almanar.com.lb

تاريخ النشر: 2026-06-22 22:14:00

الكاتب: أحمد فرحات

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.almanar.com.lb
بتاريخ: 2026-06-22 22:14:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

Exit mobile version