ظهور النسخة الثنائية من سو-57 يثير التساؤلات.. لماذا طورتها روسيا الآن؟

موقع الدفاع العربي – 23 يونيو 2026: رغم الجدل الواسع الذي يحيط بها والانتقادات التي طالت برنامجها منذ سنوات، تواصل المقاتلة الروسية الشبحية سو-57 إثارة الاهتمام مع كل تطور جديد تشهده. وفي مايو 2026، خطفت النسخة الثنائية المقعد الجديدة، المعروفة باسم “سو-57” Su-57D، الأضواء بعد تنفيذها أول رحلة تجريبية ناجحة، ما فتح باب التساؤلات حول أسباب تطوير هذا الطراز بعد سنوات طويلة من دخول المقاتلة الخدمة الفعلية لدى القوات الجوية الروسية.

ويعتبر ظهور النسخة الثنائية المقعد مؤشراً مهماً على استمرار تطور برنامج سو-57 رغم العقوبات الغربية والصعوبات الصناعية التي واجهته. فالمقاتلة التي تعرضت للسخرية والانتقادات مراراً، لا تزال تُنتج وتشارك في العمليات العسكرية وتخضع لتحديثات مستمرة مستمدة من الخبرات القتالية المكتسبة في الحرب الأوكرانية.

ومن الناحية التقنية، تتميز سو-57 بعدد من الحلول الهندسية الفريدة التي تجعلها مختلفة عن منافساتها الغربية والصينية. فقد اعتمدت شركة سوخوي على أسطح تحكم أمامية متحركة تعرف باسم Levcons، وهي من الابتكارات النادرة في تصميم الطائرات المقاتلة الحديثة. كما تضم الطائرة حجرات تسليح داخلية كبيرة تتطلب تصميماً هيكلياً معقداً ومتطوراً مقارنة بالحلول الأكثر تقليدية المستخدمة في المقاتلات الأمريكية والصينية.

وتتمتع سو-57 بقدرة مناورة استثنائية تجعلها من أكثر الطائرات المقاتلة قدرة على تنفيذ المناورات الحادة في العالم. ويؤكد العديد من المراقبين أنها ربما تكون الأكثر مناورة بين جميع الطائرات المقاتلة الحالية، بفضل خصائصها الديناميكية الهوائية المتقدمة وأنظمة التحكم بالطيران التي تجعل فقدان السيطرة عليها أمراً بالغ الصعوبة حتى في ظروف الطيران القصوى.

سوخوي سو-57 الشبح الروسية من الجيل الخامس

كما تمتلك الطائرة منظومة استشعار متطورة للغاية. فالرادارات موزعة على ثلاث هوائيات رئيسية توفر تغطية تصل إلى نحو 270 درجة، في حين تشير بعض التقديرات إلى وجود رادار إضافي في مؤخرة الطائرة يمنحها تغطية شبه كاملة بزاوية 360 درجة. وتضم كذلك رادارات تعمل في نطاق L-Band مصممة للمساعدة في كشف الطائرات الشبحية منخفضة البصمة الرادارية.

وتحتوي سو-57 أيضاً على منظومة بحث وتتبع بالأشعة تحت الحمراء، ومنظومات إنذار من الصواريخ القادمة، إضافة إلى نظام تشويش بالأشعة تحت الحمراء موجه ضد الصواريخ الباحثة حرارياً، وهو من أوائل الأنظمة من هذا النوع التي تُركب على مقاتلة. كما يتم دمج المعلومات الواردة من مختلف المستشعرات في صورة عملياتية موحدة تُعرض على شاشة بانورامية كبيرة داخل قمرة القيادة.

ورغم أن النسخ الأولى افتقرت إلى خوذة عرض متقدمة مشابهة لتلك المستخدمة على مقاتلات إف-35، فقد كشفت روسيا عام 2024 عن خوذة جديدة تعتمد تقنيات الواقع المعزز، وتتيح عرض كمية أكبر من البيانات والمعلومات التكتيكية مباشرة أمام الطيار، وقد بدأت بالفعل بالدخول إلى الخدمة.

وتدعم المقاتلة كذلك مفهوم الاستهداف التعاوني، حيث يستطيع قائد التشكيل الاطلاع على صورة تكتيكية موحدة لجميع الطائرات المشاركة وتوزيع الأهداف على الطيارين الآخرين، بل وحتى التحكم في بعض عمليات الاشتباك الخاصة بهم. ويتميز هذا النظام بإمكانية دمجه بسهولة مع مقاتلات روسية أخرى مثل سو-35 وسو-30.

روسيا تكشف عن خوذة الواقع المعزز الجديدة لطياري مقاتلات سو-57 الشبحية

أما فيما يتعلق بخصائص التخفي، فتشير المعطيات إلى أن سو-57 صممت بالفعل كطائرة منخفضة البصمة الرادارية، خلافاً لبعض المزاعم المتداولة على الإنترنت. فالنسخ الإنتاجية تختلف كثيراً عن النماذج الأولية التي ظهرت عليها براغٍ مكشوفة وفجوات واضحة بين الألواح. وتعتمد الطائرة على مواد مركبة ماصة للموجات الرادارية وطلاءات خاصة لتقليل انعكاس الرادار، كما تستخدم حواجز رادارية أمام وخلف المحركات للحد من كشفها، وهي حلول مستخدمة أيضاً في عدد من الطائرات الغربية.

ومع ذلك، لا يخلو البرنامج من نقاط ضعف حقيقية. فالصناعة الروسية لا تزال تواجه تحديات في تصغير المكونات الإلكترونية، ما يجعل بعض الأنظمة أكبر حجماً وأثقل وزناً مقارنة بنظيراتها الغربية. كما أن رادارات المصفوفة النشطة المستخدمة على الطائرة تمثل الجيل الأول من هذه التكنولوجيا الروسية، وقد خضعت بالفعل لتحديثات متتالية.

لكن المشكلة الأبرز تظل مرتبطة بالمحرك. فالطائرة تعتمد حالياً على محرك Saturn AL-41F1، وهو تطوير لمحرك AL-31 المستخدم في عائلة مقاتلات فلانكر. ورغم كفاءته، فإنه لا يحقق الأداء المطلوب للمقاتلة الشبحية الجديدة، إذ يعاني من استهلاك وقود أعلى من المخطط وقوة دفع أقل من المستوى المستهدف، ما يؤثر على قدرات التحليق الأسرع من الصوت دون استخدام الحارق اللاحق.

ولهذا السبب تعمل شركة ساتورن منذ سنوات على تطوير محرك جديد يعرف باسم Izdeliye 30 (المنتج 30)، والذي سبق أن حلق على بعض النماذج التجريبية في أواخر العقد الماضي. غير أن المشروع شهد تأجيلات متكررة ولم يدخل الخدمة بعد. وفي عام 2024 ظهر فوهة دفع ثنائية الأبعاد جديدة قيد الاختبار، وهو ما يرجح استمرار تأخر البرنامج.

روسيا تعرض محرك الجيل الخامس 177C في معرض الصين الدولي للطيران والفضاء 2024. الصورة: © Uec

وفي هذه الأثناء طورت الشركة محركاً انتقالياً يعرف باسم إزديليا 177، وهو نسخة مطورة بشكل كبير من المحرك الحالي وتضم بعض التقنيات المخصصة لمحرك الجيل الجديد. وتشير تصريحات مسؤولي شركة الطائرات المتحدة الروسية إلى أن هذا المحرك سيُركب على طائرات سو-57 العاملة حالياً وعلى الإنتاج المستقبلي أيضاً، وإن كان ذلك سيتم تدريجياً.

وعملياتياً، تواصل سو-57 تنفيذ مهام قتالية في الحرب الأوكرانية. ووفقاً للمصادر الأوكرانية، تستخدم الطائرة بصورة رئيسية كمنصة لإطلاق صواريخ الكروز والقنابل الانزلاقية بعيدة المدى من داخل المجال الجوي الروسي، مستفيدة من مبدأ الضربات بعيدة المدى الذي تتبعه القوات الجوية الروسية.

ومن أبرز الأسلحة المستخدمة حالياً صاروخ إس-71، وهو سلاح متوفر بنسختين؛ الأولى صاروخ كروز تقليدي يصل مداه إلى نحو 100 كيلومتر، والثانية طائرة مسيّرة شبحية مزودة بتوجيه نهائي يسمح لها باختراق الأجواء المحمية. ويُنظر إلى هذا السلاح باعتباره من فئة الذخائر الدقيقة منخفضة التكلفة التي تشبه المفاهيم الأمريكية الجديدة للصواريخ الجوالة الرخيصة.

طائرة مقاتلة روسية من طراز سو-57 تقلع حاملةً صاروخ الكروز إس-71كيه “كوفر” مثبتاً أسفل جسمها. (المصدر: يونايتد 24 ميديا)

كما رُصدت المقاتلة في عدة قواعد جوية روسية خارج نطاق العمليات المباشرة، من بينها قواعد في كاريليا وبيتروزافودسك وتشيليابينسك، وهو ما يشير إلى انتشار أوسع للطائرة داخل القوات الجوية الروسية مقارنة بالتقديرات السابقة.

وتشير التقديرات إلى وجود ما بين 30 و32 طائرة إنتاجية في الخدمة حالياً، باستثناء النماذج الأولية والطائرات المخصصة للتصدير إلى الجزائر. بينما ترجح تقديرات أخرى أن العدد الحقيقي للطائرات المنتجة قد يتراوح بين 40 و50 طائرة من أصل 76 طائرة تعاقدت عليها روسيا.

وشهدت دفعات عام 2026 عدة تحديثات إضافية، من بينها أضواء تشكيل جديدة، وأنظمة استشعار جانبية إضافية، وتطويرات في منظومة الحرب الإلكترونية، وتحسينات على الرادار والبرمجيات. كما أضيف ما تصفه المصادر الروسية بنظام دعم القرار للطيار، إضافة إلى تحديثات مستمرة لقواعد بيانات الحرب الإلكترونية اعتماداً على الخبرات المكتسبة في أوكرانيا.

أما النسخة الجديدة Su-57D فهي تمثل التطور الأكثر أهمية في البرنامج. فالطائرة ليست مجرد نسخة تدريبية ثنائية المقعد كما هو معتاد، بل منصة متعددة المهام صممت لأغراض عملياتية محددة.

أحد الأسباب المحتملة لتطوير هذه النسخة يتعلق بالأسواق التصديرية، وخاصة الهند. فنيودلهي، التي انسحبت من برنامج المقاتلة عام 2018 بسبب خلافات حول نقل التكنولوجيا والمواصفات، عادت مؤخراً إلى دراسة خيار اقتناء سو-57. وتعرض روسيا حالياً شروطاً أكثر جاذبية تشمل أسعاراً منخفضة وتجميعاً محلياً ونقل تقنيات وإمكانية دمج أنظمة وأسلحة هندية، ما يجعل النسخة الثنائية المقعد خياراً جذاباً للقوات الجوية الهندية التي تفضل أحياناً وجود فردي طاقم في المهام المعقدة والهجومية.

إلا أن السبب الأكثر أهمية يرتبط بمستقبل الحروب الجوية نفسها. فالقوات المسلحة حول العالم تستثمر بكثافة في مفهوم التعاون بين الطائرات المأهولة وغير المأهولة، أو ما يعرف بمفهوم Manned-Unmanned Teaming. وفي حين تراهن الولايات المتحدة على طائرات مسيّرة تتمتع بقدر عالٍ من الاستقلالية يمكن لطيار واحد التحكم بها، يبدو أن روسيا والصين تميلان إلى استخدام مقاتلات ثنائية المقعد تضم مشغلاً متخصصاً لإدارة أسراب من الطائرات المسيّرة المرافقة.

روسيا تختبر نسخة ثنائية المقعد Su-57D من المقاتلة الشبح “سو-57”

وفي هذا السياق، يمكن للنسخة Su-57D أن تعمل كمركز قيادة جوي متقدم يدير عدداً كبيراً من الطائرات المسيّرة خلال العمليات المعقدة، مع منح قائد المهمة قدرة أكبر على متابعة المعركة واتخاذ القرارات مقارنة بطائرات الإنذار المبكر أو مراكز القيادة الأرضية.

ويبرز هنا مشروع الطائرة المسيّرة الثقيلة إس-70 أوخوتنيك الذي تطوره روسيا منذ عام 2011. وتزن هذه الطائرة أكثر من 25 طناً عند الإقلاع، أي أكثر بحوالي خمسة أطنان من مقاتلة إف-16، وقد صممت أساساً لاختراق الأجواء المعادية وتنفيذ الضربات العميقة ضد الأهداف الأرضية.

وتتمتع S-70 بقدرات طيران مستقلة جزئياً، لكنها تستطيع أيضاً العمل تحت سيطرة طائرة سو-57 أو من محطات أرضية. وفي السيناريوهات المستقبلية، قد تتمكن طائرة Su-57D واحدة من إدارة ما بين ست وثماني طائرات مسيّرة من هذا النوع لتنفيذ عمليات اختراق عميقة في الأجواء المعادية، بينما تبقى المقاتلة المأهولة في موقع أكثر أمناً خلف خط المواجهة.

ورغم أن برنامج S-70 تعرض لانتكاسة بعد حادثة إسقاط إحدى النماذج التجريبية عام 2024 عقب فقدان السيطرة عليها واقترابها من الأجواء التي تسيطر عليها أوكرانيا، فإن المشروع لا يزال يمثل جزءاً أساسياً من رؤية روسيا المستقبلية لإعادة بناء قواتها الجوية بعد انتهاء الحرب.

وفي النهاية، تبدو Su-57D أكثر من مجرد نسخة ثنائية المقعد؛ فهي تعكس توجهاً روسياً نحو دمج المقاتلات الشبحية مع الطائرات المسيّرة ضمن منظومات قتالية متكاملة، وتؤكد أن موسكو لا تنظر فقط إلى متطلبات الحرب الحالية في أوكرانيا، بل تستعد أيضاً للتحديات التكنولوجية والعسكرية التي ستشكل ملامح ساحات القتال في العقود المقبلة.


■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: www.defense-arabic.com

تاريخ النشر: 2026-06-23 17:35:00

الكاتب: نور الدين

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.defense-arabic.com بتاريخ: 2026-06-23 17:35:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

Exit mobile version