تم النشر بتاريخ 24/6/2026
لم يعد إنتاج الأخبار وتفسيرها حكرًا على المؤسسات الصحفية، إذ بات صناع المحتوى السياسي والإخباري يشكلون طبقة متنامية داخل المنظومة الإعلامية، مستفيدين من منصات الفيديو وشبكات التواصل للوصول إلى جمهور يبحث عن لغة أكثر بساطة وقربًا من اهتماماته.
وكشف فصل من تقرير رويترز للأخبار الرقمية لعام 2026، أعده الباحث في معهد رويترز لدراسة الصحافة نيك نيومان، أن 27% من المشاركين في 48 سوقًا يحصلون أسبوعيًا على معلومات من صناع أخبار، عرّفتهم الدراسة بأنهم أفراد أو مجموعات ينتجون المحتوى ويوزعونه أساسًا عبر المنصات الاجتماعية وشبكات الفيديو، ويؤثرون بدرجات متفاوتة في النقاشات العامة.
ويرى الجمهور أن هؤلاء أكثر تسلية وأسهل فهمًا من وسائل الإعلام التقليدية، لكنهم يحصلون، في المقابل، على تقييمات أقل في الثقة والحياد، كما تتداخل داخل هذا المشهد أدوار الصحفي والمعلق والناشط السياسي وصانع المحتوى، بما يجعل الحدود بين الصحافة والرأي والدعاية أكثر ضبابية.
حضور مكمل لا بديل كامل
قسم نيومان صناع الأخبار إلى فئات تشمل التعليق والتحقيق والتفسير والتخصص، إلى جانب مشاهير في مجالات الترفيه والموسيقى والألعاب يتدخلون أحيانًا في القضايا السياسية والمدنية.
ورغم اتساع حضورهم، تكشف الدراسة أن معظم الجمهور لا يعتمد عليهم وحدهم، فهم يضيفون آراء وتفسيرات وزوايا جديدة إلى الأخبار أكثر مما ينتجون تحقيقات أصلية أو يكشفون القصص للمرة الأولى.
وتظهر أعلى مستويات الاعتماد في الأسواق التي تمثل فيها المنصات الاجتماعية بوابة رئيسية للأخبار، ففي كينيا، قال 33% إن صناع المحتوى يلبون معظم احتياجاتهم الإخبارية أو كلها، مقابل 26% في تايلند، و23% في بيرو، ونحو 15% في الولايات المتحدة الأمريكية والمجري.
لكن نسبة من يعتمدون عليهم وحدهم تبقى محدودة، إذ بلغت 7% في كينيا و3% في الولايات المتحدة، ويؤكد ذلك أنهم لم يحلوا محل الصحافة التقليدية، بل أصبحوا وسيطًا إضافيًا يشرح الأخبار وينتقدها ويعيد تقديمها.
ويرتبط انتشارهم بارتفاع استخدام شبكات التواصل للأخبار، وصغر سن السكان، والاستقطاب السياسي، وضعف ثقة الجمهور بالمؤسسات الإعلامية، ومدى شعور فئات اجتماعية بأن الإعلام التقليدي لا يمثل اهتماماتها.
صناع المحتوى في البيئات المستقطبة
حددت الدراسة 4 أنماط رئيسية لمنظومات صناع الأخبار، ويظهر النمط الأول في بلدان تشهد استقطابًا سياسيًا حادًا، مثل الولايات المتحدة والبرازيل والمكسيك وبولندا وصربيا، حيث يتصدر المشهد معلقون منحازون إلى أحد جانبي الصراع السياسي.
وفي الولايات المتحدة، تضم قائمة الأسماء الأكثر ذكرًا مذيعين سابقين انتقلوا من التلفزيون إلى المنصات الرقمية، إلى جانب جيل ولد داخل تيك توك ويوتيوب. وقد منحتهم المنصات مساحة أوسع لطرح آراء، واستضافة شخصيات، أو تداول ادعاءات قد تخضع لقيود تحريرية أكبر داخل المؤسسات التقليدية.
وتبين الدراسة أن الأمريكيين الذين يعتمدون كليًا أو في الغالب على صناع المحتوى أكثر ميلاً إلى اعتبارهم موثوقين مقارنة بالإعلام السائد، كما ترتفع بين من يتلقون أخبارهم منهم فقط نسبة الذين يعرفون أنفسهم عند أقصى اليمين أو اليسار.
ويحذر هذا النمط من أن الاعتماد الحصري على شخصيات شديدة التحزب قد يعزز الغرف المغلقة، ويضخم المواقف المتطرفة والمعلومات غير الموثوقة، ويتكرر المشهد في البرازيل، حيث يبني معلقون من اليمين واليسار جماهير ضخمة عبر قضايا الحرب الثقافية والسخرية السياسية.
أصوات بديلة تحت ضغط السلطة
يظهر النمط الثاني في البلدان التي تتعرض فيها حرية الصحافة للضغط، أو تسيطر السلطة فيها على مساحة واسعة من الإعلام التقليدي. ففي هذه البيئات، يتحول صناع الأخبار والصحفيون المستقلون إلى منافذ للمعارضة والمساءلة.
وفي تركيا، أوضح التقرير أن كثيرًا من الأسماء التي يعدها الجمهور من صناع الأخبار هم صحفيون سابقون لم يعودوا قادرين على العمل بحرية داخل المؤسسات الرئيسية، أو رقميون يحاولون بناء نماذج مستقلة. وكانت الأسماء الخمسة الأكثر ذكرًا من منتقدي الحكومة.
ورصدت الدراسة وضعًا مشابهًا في المجر، حيث أصبحت فيسبوك ويوتيوب قناتين مهمتين للمعارضة وكشف الفساد، وبرزت علامات رقمية تجمع التحليل السياسي بالفكاهة، خاصة لدى الشباب.
وفي الهند، تصدرت أسماء معروفة بانتقاد الحكومة عبر يوتيوب، بينما لعب الصحفيون الرقميون ومنشئو البث المباشر في بيرو دورًا في نقل الاحتجاجات، وإبراز أصوات المجتمعات الريفية والأصلية وسط تراجع الثقة بالنخب والإعلام التقليدي.
وتكشف هذه الحالات أن صناع الأخبار يمكن أن يؤدوا وظيفة رقابية عندما تضيق المساحة أمام الصحافة المستقلة، لكن ارتباطهم بشخصيات فردية ومنصات تجارية يجعل استدامة هذا الدور عرضة لتغير الخوارزميات والضضغوط السياسية.
النموذج الهجين والمحتوى المستورد
في دول شمال أوروبا وأجزاء من شرقها واليابان، لا يزال نفوذ صناع الأخبار المستقلين أكثر محدودية، بسبب قوة المؤسسات الراسخة، وارتفاع الثقة بها، وانخفاض استخدام شبكات التواصل للأخبار، وارتفاع متوسط أعمار السكان.
لكن هذه الأسواق تشهد صعود نموذج الصحفي صانع المحتوى، الذي يجمع بين الانتماء إلى مؤسسة إعلامية واستخدام أساليب المنصات، مثل الخطاب المباشر، والنبرة الشخصية، والفيديو العمودي، والفكاهة، والبودكاست.
وفي أسواق مثل أيرلندا وكندا وسويسرا، يعتمد الجمهور أحيانًا على شخصيات مستوردة من دول أخرى، تشمل مقدمي بودكاست سياسي ورياضي وشخصيات دولية، بما يعكس تحول استهلاك الأخبار إلى نشاط عابر للحدود.
تحد جديد أمام المؤسسات
يخلص نيومان إلى أن صناع الأخبار لا يستبدلون الصحافة غالبًا، لكنهم أصبحوا طبقة مؤثرة في تفسيرها ونقدها وإعادة توزيعها، ويتغير أثرهم وفقًا للنظام السياسي، وقوة الإعلام التقليدي، وعادات الجمهور.
ويتمثل التحدي الأكبر للمؤسسات في قدرتها على الوصول إلى الشباب من خلال محتوى أكثر وضوحًا وتفاعلاً وشخصية، بينما تبدو الصحافة التقليدية في نظر كثيرين أبطأ وأبعد عن حياتهم.
ولا يعني ذلك أن على غرف الأخبار تقليد المؤثرين أو التخلي عن معاييرها، بل تطوير نماذج تجمع بين المصداقية واللغة الإنسانية وسرعة التفسير. فالمستقبل قد لا يكون صراعًا بين المؤسسة وصانع المحتوى، بقدر ما سيكون منافسة على من ينجح في بناء الثقة وتفسير العالم لجمهور يعيش داخل المنصات.
المصدر: معهد رويترز للصحافة (Reuters Institute for the Study of Journalism)
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.aljazeera.net بتاريخ: 2026-06-24 12:47:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
