كولومبيا بعد الانتخابات الرئاسية.. خريطة سياسية جديدة وبلد على شطرين | سياسة



بوغوتا- استيقظت كولومبيا يوم الاثنين 22 يونيو/حزيران الجاري، على خلاف ما كانت عليه في اليوم السابق، فقد أفرزت الجولة الثانية من الانتخابات التي أُجريت الأحد 21 يونيو/حزيران صورة سياسية جديدة للبلاد الواقعة في أمريكا الجنوبية.
وحسب أرقام الفرز الأولية، وبعد أربع سنوات من حكومة يسارية بقيادة الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو، فاز مرشح أقصى اليمين آبيلاردو دي لا إسبرييا بالرئاسة، وإن كان المعسكر اليساري ما يزال في انتظار النتائج النهائية – التي قد تصدر خلال أيام قليلة – للاعتراف بهذا الفوز.
يمين متطرف ويسار معارض
كان الفارق بين دي لا إسبرييا ومرشح اليسار إيفان سيبيدا ضئيلا جدا، حيث حصل دي لا إسبرييا على قرابة 13 مليون صوت، بينما صوت 12.7 مليون ناخب لصالح سيبيدا.
ولم يتجاوز الفارق بينهما 250 ألف صوت، ما أكد شعور كثير من الكولومبيين بأن البلاد منقسمة إلى شطرين بين يسار موحد ويمين أكثر تطرفا. وحسب تصريحات أدلى بها المعلق السياسي آرييل باريرا حداد للجزيرة نت، فإن كولومبيا اليوم منقسمة إلى معسكرين متناقضين ومتقاربين في الحجم.
ودي لا إسبرييا أول رئيس يميني للبلاد غير منتمٍ إلى الأحزاب اليمينية التقليدية ولا إلى حزب الرئيس اليميني السابق ألفارو أوريبي، الذي كان حتى الآن الشخصية الأبرز لهذا التيار السياسي في البلاد.
ظهر دي لا إسبرييا مدعومًا بقوة لها صلات بزعماء إقليميين، كرئيس الأرجنتين خافيير ميلي، ورئيس السلفادور نجيب بوكيلي، والرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
سعادة أنصار “النمر”
من حيّ سيوداد بوليفار، أحد أكثر أحياء بوغوتا فقرا، لا يُخفي خوسيه ليون مونكا، وهو من قوات الاحتياط في كولومبيا، ارتياحه لنتائج الانتخابات. وقد كان منسقا محليا في حملة دي لا إسبرييا، المعروفة بين أنصارها بـ”حملة النمر”.
يقول مونكا، للجزيرة نت، إن “كل الأبيلارديين (المؤيدين لآبيلاردو دي لا إسبرييا) سعداء جدا” بما حققته حركة “المدافعون عن الوطن” (اسم حركة دي لا إسبرييا) من نتيجة انتخابية، ويذكر أساسا العسكريين والمتقاعدين وأفراد الاحتياط، معتبرا أنهم كانوا من أكثر الفئات التي “تعرّضت للتهميش والإهانة” في عهد الحكومة الحالية.
ولا يقدّم مونكا تصويته لدي لا إسبرييا بوصفه مجرد انحياز سياسي، بل كتصويت عقابي ضد الحكومة. يقول إن كثيرين اختاروا المرشح اليميني لأنهم رأوا فيه “شفافية وانسجاما”، ولأنه، حسب تعبيره، واجه الأحزاب التقليدية التي “لم تفعل سوى الكذب على كولومبيا”. لذلك، يضيف، صوتوا لـ”مرشح جديد” يأملون أن يغيّر اتجاه البلاد.

مخاوف من اليسار
بالنسبة إلى مونكا، لم تكن الانتخابات مجرد اختيار رئيس، بل لحظة مرتبطة بما يسميه “الدفاع عن الحرية والديمقراطية” وعن مستقبل الأبناء. يتحدث عن الصحة والأمن والأجيال الجديدة، ويقول إن ما جرى في صناديق الاقتراع كان تعبيرا عن “وعي” ومشاعر تراكمت خلال السنوات الماضية.
لا يتفق الجميع مع هذه القراءة. ويرفض المراقب السياسي حداد، في حديثه للجزيرة نت، اعتبار نتائج الانتخابات تصويتا لصالح برنامج دي لا إسبرييا السياسي، ويقول إن كثيرا من ناخبيه لا يعرفون تفاصيل مقترحاته، بل تأثروا بما يصفه بـ”حملة ترهيب إعلامية” ربطت اليسار بمخاوف تاريخية تتعلق بالنزاع المسلح والتجارب الاشتراكية.
ويضيف أن كلمة “الشيوعية” لا تزال تثير الخوف لدى جزء كبير من المجتمع أكثر من أوصاف أخرى مثل الفساد أو الارتباط بالجماعات شبه العسكرية.
في حين يرى مونكا أن مقترحات دي لا إسبرييا بدت “متماسكة وذكية”، وأنها لم تجذب فقط ناخبين من اليمين، بل أيضا أشخاصا كانوا قريبين من أحزاب وتيارات أخرى.

الحزن والإحباط لدى ناخبي اليسار
ويقول حداد إن الجزء الآخر من المجتمع، أي نصفه تقريبا، يشعر بقلق كبير من وصول دي لا إسبرييا إلى السلطة. وتجسد ليخيا سواريز، وهي عاملة منزلية تعيش أيضا في سيوداد بوليفار، هذا الموقف، وهو النقيض تماما لموقف مونكا. فهي لم تستوعب نتيجة الانتخابات.
وتقول في حديث مع الجزيرة نت إنها أمضت يوم الاقتراع وهي تتوقع فوز معسكر اليسار، قبل أن تتحول النتيجة إلى مصدر إحباط وغضب لديها ولدى أسرتها.
ولا تُخفي شكوكها في نزاهة العملية الانتخابية. فهي مقتنعة بأن أصواتا سُرقت وأن عمليات شراء للأصوات أثّرت في النتيجة النهائية، إلا أنه ليست هناك حتى الآن أدلة مباشرة على ذلك.
لكن ما يطغى على حديثها للجزيرة نت ليس الغضب بقدر ما هو الحزن. تقول إنها لم تشعر في حياتها كمواطنة وناخبة بما شعرت به مساء إعلان النتائج. “أحسست بحزن وفزع كبيرين. لم أستوعب كيف صوت الناس ضد استمرار هذا المسار، رغم كل ما تحقق للفقراء وسكان الأرياف والأمهات المعيلات وكبار السن”، وتوضح ليخيا أن ذلك كان أكثر ما آلمها في النتيجة.

انسجام مع صعود اليمين
وتتجاوز مخاوف ليخيا سواريز الشأن الداخلي لتشمل السياسة الخارجية أيضا. حسب رأيها، قد يقود الرئيس الجديد البلاد إلى ارتهان أكبر للولايات المتحدة. وتقول وهي تستشرف المرحلة المقبلة “لا نعرف ما الذي يمكن أن يحدث. هذا هو أكثر ما يخيفني اليوم”.
ويدعم حداد هذا الطرح في تحليله للجزيرة نت، ويربط بين صعود دي لا إسبرييا ودور الولايات المتحدة والدعم الذي تلقّاه من اليمين الإقليمي. ويقول إن تصريحات مسؤولين أمريكيين، وعلى رأسهم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، عكست رغبة في مواجهة الحكومات اليسارية في أمريكا اللاتينية.
ويضيف حداد أن الولايات المتحدة ما زالت تنظر إلى أمريكا اللاتينية باعتبارها مجال نفوذ لها “في كولومبيا رأينا دعما سياسيا من شخصيات جمهورية أمريكية لآبيلاردو دي لا إسبرييا، كما أن الخطاب الموجّه ضد اليسار يستعيد لغة الحرب الباردة ويصوّر كل مشروع تقدمي باعتباره خطرا يجب إيقافه”.
ويقرأ حداد ما جرى على أنه جزء من تحوّل سياسي أوسع في المنطقة، ويرى أن كولومبيا تقف اليوم أمام مرحلة جديدة تتداخل فيها، حسب رأيه، عوامل داخلية تتعلق بالاستقطاب السياسي مع عوامل خارجية مرتبطة بالتوازنات الإقليمية والدولية.
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.aljazeera.net بتاريخ: 2026-06-24 16:48:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
