عاجل #عاجل الولايات المتحدة الأميركية: وزير الطاقة: نحو 72 سفينة غادرت مضيق هرمز خلال الساعات الـ 24 الماضية محملة بما يصل إلى 20 مليون برميل نفط...
الدفاع والامن

لماذا أصبحت موسكو تحت الهجوم يوميا؟

لماذا أصبحت موسكو تحت الهجوم يوميا؟لماذا أصبحت موسكو تحت الهجوم يوميا؟

تحولت العاصمة الروسية موسكو خلال أسبوع واحد فقط من مدينة بعيدة نسبيا عن خطوط القتال المباشر في إطار الحرب الدائرة بين روسيا والغرب في أوكرانيا منذ عام 2014، إلى هدف يومي لموجات متتالية من المسيّرات الأوكرانية.

وفي لحظة كتابة هذه السطور، اليوم الاثنين 22 يونيو (حزيران) 2026، الساعة 12:26 بتوقيت موسكو، أعلن عمدة موسكو سيرغي سوبيانين أن 84 مسيّرة كانت تتجه إلى العاصمة خلال ساعات الليل وحتى قبل ساعات قليلة. وقد أدى ذلك إلى إغلاق المطارات الرئيسية الأربعة في موسكو عدة مرات، ما تسبب في تعطيل حركة الطيران والحركة الجوية عموما، بينما أصبحت الإنذارات الجوية جزءا من المشهد اليومي في أكبر وأهم مدينة روسية اليوم.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية، بدورها، في بياناتها الصباحية إسقاط 301 مسيّرة أوكرانية معادية خلال الليلة الماضية وحدها.

بيد أن السؤال الذي يشغل الأوساط السياسية والعسكرية الروسية لم يعد: كيف وصلت المسيّرات إلى موسكو؟ بل لماذا أصبحت تصل أصلا بهذا العدد وبهذه الوتيرة؟ فضلا عن إصابتها هذه الأهداف الحيوية في موسكو وضواحيها. أضف إلى ذلك سؤالا آخر عما يكشفه ذلك عن طبيعة الحرب في صيف 2026؟

مما لا شك فيه أنه سيكون تبسيطا مخلا إذا انطلقنا في تفسير ذلك من فكرة الفشل الكامل للدفاعات الجوية الروسية، وهي الرواية التي يروج لها بقوة الآن بعض الإعلام الغربي والإعلام الأوكراني، بطبيعة الحال.

لكن في الوقت نفسه سيكون من غير الموضوعية تبني الرواية الروسية الرسمية المبسطة التي تتحدث فقط عن نجاحات الاعتراض الجوي، بينما نشاهد، ولسنا وحدنا، بل ومعنا سكان موسكو، أعمدة الدخان والحرائق الضخمة في مصفاة كابوتنيا، وهي مصفاة موسكو الرئيسية.

ذلك أنه حين يتم إسقاط مئات المسيّرات وإغلاق أربعة مطارات، وهي المطارات الرئيسية في العاصمة، وتتعرض منشآت طاقة ومنشآت نفطية لهجمات متكررة، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه لا يجب أن يتعلق فقط بعدد الأهداف التي جرى اعتراضها، وإنما بعدد الأهداف التي أجبرت الدولة على تعطيل حركة الطيران وعجلة الاقتصاد في أهم مدينة روسية بسببها.

ومن واقع ما أتابعه، ظهرت داخل الأوساط العسكرية الروسية خلال الأشهر الأخيرة قناعة متزايدة بأن أوكرانيا غيرت فلسفة استخدام المسيّرات، بوحي أو بتوجيه من بعض الجهات العسكرية الأوروبية، وعلى رأسها البريطانية.

وأن الهدف لم يعد تحقيق إصابة دقيقة فقط، بل خلق حالة استنزاف دائمة لمنظومة الدفاع الجوي الروسية. بمعنى أن كل موجة هجومية تجبر موسكو على تشغيل شبكة اعتراض متعددة الطبقات، وبالتالي استهلاك صواريخ باهظة الثمن، ومن ثم إعادة توزيع الدفاعات الجوية بين الجبهة والعمق الاستراتيجي.

ولهذا تتحدث بعض التحليلات العسكرية المحترمة عن حرب استنزاف للدفاع الجوي تستهدف القدرات العسكرية الروسية في المؤخرة خلال الوقت الحالي، بينما لم تعد الخطة العسكرية للخصم تهدف إلى شن حرب من أجل ضرب أهداف منفردة، خصوصا في العاصمة موسكو.

لكن مع ذلك، ومن وجهة نظر شخصية، هناك سبب أعمق يفسر تصاعد الهجمات على موسكو تحديدا. ففي اعتقادي الجازم، وحسب فهمي لتركيبة زيلينسكي وبودانوف النفسية، فإنه في حسابات هذين الرجلين تحديدا، ومعهما وزير الدفاع الأوكراني ميخايلو فيدوروف، وهو من القوميين الأقحاح وشاب لم يتجاوز عمره 34 ربيعا، أصبحت العاصمة الروسية هدفا سياسيا ونفسيا أكثر من كونها هدفا عسكريا.

وهذا ليس كلاما من خيالي، بل أبنيه على تصريحاتهم. فزيلينسكي أعلن صراحة، بعد هجمة ليلة 18 يونيو (حزيران) الجاري على موسكو، أن كييف تريد إعادة الحرب إلى روسيا.

ومن هذا الفهم، يصبح الوصول إلى موسكو يحمل قيمة رمزية أكبر بكثير من قيمة إصابة منشأة منفردة في منطقة حدودية.

وفي الواقع، فإن ما يحدث اليوم يعكس اعترافا أوكرانيا ضمنيا بمشكلة أخرى على الجبهة. وقد لا يروق هذا الكلام للبعض، لكن الواقع الموضوعي يقول إنه على الرغم من نجاحات كييف في تطوير قدراتها بعيدة المدى وضرب العمق الروسي، وخصوصا الأهداف ذات الرمزية العالية في موسكو، وقبلها بطرسبورغ خلال انعقاد المنتدى الاقتصادي الدولي، الأهم بالنسبة لبوتين، مطلع يونيو (حزيران) الجاري أيضا، فإنها، أقصد كييف ومن يقف وراءها ويخطط ويدير المعارك لها، لم تتمكن حتى الآن من إيقاف التقدم الروسي البطيء، لكنه بالغ الخطورة، لحسم معركة الدونباس الفاصلة في دونيتسك.

وهنا نصل إلى النصف الآخر من الصورة.

فإذا كان كثير من الاهتمام الإعلامي يتركز على المسيّرات التي تصل إلى موسكو، وهو أمر مفهوم جدا، فعدد الشامتين كثير، وخصوصا الواقعين تحت تأثير الإعلام الغربي، فإن الواقع الموضوعي لهذه الحرب، لمن يريد فهمها وفهم تفاصيلها الدقيقة، يخبرنا أن مركز الثقل الحقيقي لها ما زال في محور كونستانتينوفكا – سلافيانسك – كراماتورسك.

فالتركيز الروسي الحقيقي خلال الأسابيع الأخيرة، بحسب كل ما أتابعه من تقييمات عسكرية روسية معقولة ويمكن الاستناد إليها، منصب على التهيئة للمعركة الفاصلة في دونباس، هدف الحرب الأول والرمزي.

فالكرملين لا ينظر إلى سلافيانسك وكراماتورسك بوصفهما مدينتين عاديتين. فسلافيانسك تحديدا هي المكان الذي ارتبط في الذاكرة الروسية ببداية أحداث عام 2014، أما كراماتورسك فهي المركز الصناعي الأكبر في شمال دونيتسك.

ولهذا تتكرر في الإعلام الروسي عبارة مفادها أن استكمال السيطرة على هذا المحور يعني عمليا استكمال السيطرة على دونيتسك، وبالتالي السيطرة على الجزء الأكبر من دونباس، الذي أعلن بوتين ضمه رسميا بمرسوم صدر في نهاية سبتمبر (أيلول) 2022، وأدى لاحقا إلى تعديل الدستور الروسي وزيادة مساحة أراضي روسيا، والأهم زيادة عدد سكانها.

ومع ذلك، لا بد من القول إن هناك صعوبات جمة تتجاهلها كثير من السرديات المتفائلة هنا في موسكو. وما أرمي إليه هو أنه، نعم، صحيح أن القوات الروسية تتقدم تدريجيا وببطء حذر نحو هذا المحور، لكن هذا التقدم لا يشبه اختراقات عام 2022، أو حتى معارك باخموت الصاخبة التي كنا نتابعها بإثارة كبيرة بسبب بيانات بطلها الراحل يفغيني بريغوجين، قائد مجموعة فاغنر سيئة السمعة، التي طواها النسيان مع طواحين معارك أوكرانيا المستمرة.

بل إن هذا التقدم يشبه، أكثر ما يمكن وصفه، بالتقدم الاستنزافي، وهو مصطلح اقتبسته من تحليلات عسكرية مهمة قرأتها في هذا السياق. والمقصود به أنه تقدم بطيء يعتمد على إنهاك الدفاعات الأوكرانية وتدمير بنيتها اللوجستية قبل السيطرة الفعلية على الأرض، أي على القرى والبلدات التي تسقط الواحدة تلو الأخرى بيد القوات الروسية.

لكن مع ذلك، لدينا أيضا تقديرات مستقلة تشير إلى أن معركة كونستانتينوفكا نفسها استنزفت موارد وقوات روسية كبيرة خلال الأشهر الماضية. ولهذا فإن الربط الذي أقوم به هنا بين موسكو وسلافيانسك ليس أمرا اعتباطيا، ولست بالطبع أتحدث بصفتي خبيرا عسكريا.

لكني أفهم أن كييف وزيلينسكي يدركان أن أوكرانيا تواجه ضغوطا ميدانية متزايدة في دونباس، ولذلك تحاول نقل جزء من المعركة إلى العمق الروسي.

وفي المقابل، تدرك موسكو وبوتين أن المسيّرات الأوكرانية أصبحت أكثر تطورا وأكثر قدرة على المناورة والعمل في أسراب كبيرة، لكن الكرملين يراهن على أن السيطرة على الأرض في دونباس ستظل العامل الحاسم في أي تسوية سياسية مستقبلية.

ومن هنا يمكن فهم ما تقوله بعض المواقع العسكرية المقربة من دوائر السلطة الروسية من تحليلات قد تبدو غير مرضية للبعض داخل روسيا وخارجها. فهذه المواقع لا تنكر خطورة الهجمات على موسكو، لكنها تعتبر أن المعيار الاستراتيجي الحقيقي يبقى ما يجري حول سلافيانسك وكراماتورسك، وليس ما يجري فوق سماء العاصمة.

كما أنه، ومن وجهة نظرها، فإن نجاح أوكرانيا في الوصول إلى موسكو لا يغير وحده ميزان الحرب إذا استمرت روسيا في التقدم على الأرض.

لكن هذا الاستنتاج ليس محل إجماع كامل داخل روسيا، من واقع ما ألمسه من غضب وحنق شديدين داخل دوائر التحليل السياسي والعسكري المختلفة. ومن بينها أصوات مقربة جدا من الكرملين ووزارة الدفاع والأجهزة الاستخباراتية الروسية، ترى أن الفعل الروسي غير كاف بالمرة، بل ومستغرب أيضا، وتذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى استخدام القوة العسكرية بطريقة استعراضية حتى خارج نطاق الجغرافيا الأوكرانية.

كما أن بعض الأصوات، بما فيها شخصيات قومية وعسكرية، بدأت تتساءل عما إذا كانت موسكو تقلل من خطورة التحول الجاري في حرب المسيّرات. فالحرب كشفت أن منظومة الدفاع الجوي الأكثر كثافة في البلاد ليست قادرة على توفير حصانة مطلقة، وأن تكلفة الحماية ترتفع بصورة مستمرة كلما ازدادت أعداد المسيّرات ومدياتها.

وهنا يظهر البعد الاقتصادي. ففي الوقت الذي تتعرض فيه المنشآت النفطية واللوجستية لهجمات متكررة، تواجه روسيا عجزا ماليا متزايدا وضغوطا على الإنفاق، وذلك بحسب آخر البيانات الصادرة اليوم عن وزارة المالية الروسية.

صحيح أن الاقتصاد الروسي ما زال بعيدا عن الانهيار، لكن استمرار الحرب بهذا الشكل يعني أن موسكو مطالبة بتمويل الجبهة، وتمويل الدفاع عن العمق، وتمويل إعادة الإعمار والتعويضات في الوقت نفسه.

ولهذا فإن الصورة الحقيقية للحرب في يونيو (حزيران) 2026 تبدو أكثر تعقيدا من الروايتين المتقابلتين اللتين تهيمنان على المشهد الإعلامي.

فلا الدفاعات الجوية الروسية منهارة، كما تدعي الروايات الأوكرانية ومن ورائها الغربية بالطبع.

ولا أوكرانيا نجحت في تغيير مسار الحرب بالكامل عبر ضرباتها شبه اليومية لموسكو.

وما يجري اليوم فوق موسكو، في رأيي الشخصي البحت، لا يمكن النظر إليه بحال باعتباره دليلا على انهيار روسي حاصل أو حتى وشيك، لكنه في الوقت نفسه ليس أمرا بسيطا بسبب رمزية العاصمة وتكرار نجاح الاستهدافات واستغلالها غربيا للسخرية من الدب الروسي.

وهو، في تقديري، مؤشر على أن أوكرانيا وجدت وسيلة منخفضة التكلفة لفرض ضغوط مستمرة على العمق الروسي الاقتصادي والسياسي، وبالتالي على العمق الرمزي شديد الأهمية.

أما ما يجري في دونباس، فهو مؤشر على أن موسكو ما زالت تعتقد أن السيطرة على الأرض هي التي ستحدد نتيجة الحرب، أو لأكون أكثر دقة، ستحدد المعركة الفاصلة في هذه الجولة من المواجهة العسكرية المباشرة مع الغرب، في شقها الأوروبي.

وبناء عليه، فإن الأشهر المقبلة ستكون شاهدة، وسنكون معها شهودا على استمرار المسارين معا. بمعنى أننا سنرى، على الأرجح، المزيد من المسيّرات فوق موسكو، وفي الوقت نفسه سنرى معارك طاحنة ومزيدا من الدماء نتيجة القتال العنيف حول سلافيانسك وكراماتورسك.

فنحن، يا أيها السادة المحترمون، على أعتاب معركة الدونباس الفاصلة.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: eurasiaar.org

تاريخ النشر: 2026-06-24 15:36:00

الكاتب: سعد خلف

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-06-24 15:36:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *