مارادونا: قصة الهدف الذي لا يزال يثير الجدل بعد 40 عاماً
صدر الصورة، أرشيف إل غرافيكو / غيتي إميجز
لم يكن من المفترض أن أكون هناك.
كنت في السابعة عشرة من عمري. لم أحضر مباراة لكرة القدم من قبل، ولم أكن مهتمة بهذه الرياضة أصلاً. لكنني، بعد ظهر ذلك اليوم، وبينما كنت أدخل استاد أزتيكا في مكسيكو سيتي، كنت على وشك أن أشاهد مواجهة الأرجنتين وإنجلترا في ربع نهائي كأس العالم، وأن أشهد شيئاً لن أدرك معناه كاملاً إلا بعد سنوات طويلة.
في ذلك الصباح، لم تكن لدينا أي خطط. ثم رنّ الهاتف. كان لدى أحد أصدقاء والدي تذكرتان لا يستطيع استخدامهما، وسأل إن كانت أمي وأنا نرغب في الذهاب. لم يكن والدي مطمئناً إلى فكرة ذهاب “أميرتيه”. فقد كان قد مضى أقل من خمس سنوات على انتهاء حرب فوكلاند، وكان يخشى أن تمتد التوترات بين المشجعين الأرجنتينيين والإنجليز إلى اشتباكات. أما أمي فلم تتردّد. فهذه كأس العالم، في نهاية المطاف، وفرصة قد لا تتكرر في العمر، ولم تكن مستعدة لأن تدع ابنتها تفوّتها.
صدر الصورة، لورد هيريديا
بدأ الحماس منذ اللحظة التي انطلقنا فيها إلى الاستاد، عابرتين المدينة من طرف إلى آخر. كانت الأعلام تتدلى من نوافذ السيارات، وكان غرباء يهتفون وسط زحام المرور. وانضممت إليهم، بالطبع، مرددةً: “تحيا المكسيك!” مع الجميع، رغم أن منتخبنا كان قد خرج من البطولة.
لم تكن كرة القدم تعني لي الكثير، لكن الشعور بأنني جزء من تلك اللحظة كان يعني لي الكثير. تعاملت مع الأمر كأنه حفلة أكثر منه مباراة. ارتديت ملابسي الأنيقة، ووضعت قدراً مبالغاً فيه من مساحيق التجميل، وتخيلت أن الاستاد سيكون مليئاً بالمشجعين الأجانب الوسيمين، لا باللاعبين الأسطوريين. رفعت أمي حاجبها استغراباً، كما تفعل الأمهات حين يفهمن كل شيء ولا يقلن شيئاً، لكنها تركتني أعيش اللحظة على طريقتي.
داخل استاد أزتيكا، كان كل شيء يفوق توقعي: الضجيج، والألوان، والإحساس بأن العالم بأسره اجتمع في مكان واحد. كان من حولنا مشجعون من كل مكان، يغنون ويضحكون، ويرتدون أزياء تنكرية، وقد طليت وجوههم بألوان زاهية. أتذكر أنني كنت أفكر في روعة وجودي هناك، إلى جانب أمي، أكثر مما كنت أفكر في المباراة نفسها.
صدر الصورة، مونتي فريسكو / ديلي ميرور / ميروربيكس عبر غيتي إيماجز
عندما بدأت المباراة، لم أكن أتابع ما يجري على أرض الملعب إلا بالكاد. كنت منشغلةً بالمشاركة في الموجة المكسيكية، المعروفة بالإسبانية باسم “لا أولا”، وقد أخذني إيقاع الجماهير. بدت كرة القدم بعيدةً عني، كأنها تفصيل ثانوي.
وفجأةً، نهض الجميع. سادت أجواء احتفال للحظة واحدة، ثم حلّ الارتباك، واندلعت الجدالات، وتعالت الضوضاء من جهات مختلفة. كانت تلك لحظةً سيظل الناس يتحدثون عنها لعقود.
كانت الكرة في الهواء فوق منطقة جزاء إنجلترا. انطلق نجم الأرجنتين دييغو مارادونا نحوها، في كرة مشتركة مع الحارس الإنجليزي بيتر شيلتون، الذي قفز محاولاً إبعادها بقبضته. لكنها ارتدت عن مارادونا وعبرت خط المرمى. بدا، في البداية، كأنه سجل الهدف الأول برأسه.
عندها تغيّر كل شيء بالنسبة إليّ. فجأةً، أصبحت كرة القدم هي ما يهم. بدأ من حولي يتساءلون: هل كان هدفاً بالفعل؟ هل وجّه الكرة برأسه إلى الشباك، أم أن يده هي التي دفعتها إلى الداخل؟ وفي الوقت نفسه، كانت احتجاجات المشجعين الإنجليز تتعالى بوضوح.
صدر الصورة، وكالة فرانس برس عبر غيتي إيماجز
التفت إلى الرجل الجالس بجانبي، وقد انتابني شيء من الارتباك، وسألته: “لماذا كل هذه الضجة؟ ماذا حدث؟”
قال إن مارادونا دفع الكرة بيده إلى داخل الشباك، لكن الحكم لم ير ذلك واحتسب الهدف.
شعرت بالحيرة. ولم يخطر ببالي، في تلك اللحظة، أن ما شاهدناه للتو سيصبح واحداً من أكثر الأحداث إثارةً للجدل في تاريخ الرياضة.
ومع مرور الوقت، عرفت الواقعة عالمياً باسم “يد الله”، وهو التعبير الذي صاغه مارادونا نفسه، حين قال في عبارته الشهيرة إن الهدف سجل “قليلاً برأسي، وقليلاً بيد الله”.
صدر الصورة، لورا ليزا / غيتي إيماجز)
لكن الجدل في المدرجات حول ما شاهدناه للتو كان محتدماً إلى درجة أننا كدنا نفوّت هدف مارادونا التالي، الذي جاء بعد أربع دقائق فقط.
والمفارقة أنني، عندما أستعيد وجودي بين آلاف الأشخاص في الاستاد ذلك اليوم، لا تكون “يد الله” أول ما أتذكره، بل ذلك الهدف الثاني. فعلى خلاف الضجة التي أعقبت هدف مارادونا الأول، خيم صمت غريب على الاستاد بينما كان ينطلق بالكرة إلى الأمام.
بدأ من نصف ملعب الأرجنتين، فدار حول نفسه بحركة بارعة تخلص بها من رقابة لاعبين إنجليزيين، ثم أخذ يتقدم في الملعب، متمايلاً بالكرة من جانب إلى آخر، ومتجاوزاً محاولات عرقلته، حتى دخل منطقة جزاء إنجلترا. ثم، فجأةً، استقرت الكرة في الشباك، فانفجر الاستاد فرحاً.
أتذكر أنني فكرت: “لهذا يحب الناس كرة القدم… الآن فهمت الأمر”.
نظرت حولي بدهشة. كان الجميع تقريباً يحتفلون بهذا الهدف، على عكس الهدف الأول، حتى بعض المشجعين الإنجليز القريبين منا.
بعد انتهاء المباراة بفوز الأرجنتين، الشهير الآن، بنتيجة 2-1، غادرت أنا وأمي الاستاد، وسرنا باتجاه سيارتنا.
في تلك اللحظة، لم تكن المباراة وحدها ما بقي عالقاً في ذهني، بل ذلك الشعور الطاغي بأنني كنت داخل استاد أزتيكا نفسه؛ ذلك المكان الشاسع والأيقوني، الذي يحمل في مدرجاته جانباً كبيراً من تاريخ المكسيك. لم يكن مجرد استاد، بل كان جزءاً من ذاكرتنا الجماعية.
وحتى في ذلك الوقت، كانت أصداء زلزال عام 1985، حين تحولت أحياء كاملة من مكسيكو سيتي إلى ركام، لا تزال حاضرةً بقوة في ذاكرتي. أتذكر تلك الأسابيع التي امتلأ فيها الهواء برائحة الغبار والفقد، وبدا خلالها كأن المدينة تحبس أنفاسها. وكنت أعلم أن استاد أزتيكا كان واحداً من أهم أماكن اللجوء، حيث وجدت عائلات فقدت كل شيء مأوىً وشيئاً من الأمل. كان الوجود هناك مؤثراً إلى حد يكاد يبعث على الخشوع، لكن هذا الشعور ما إن يمتد إلى خارج الاستاد حتى يتحول إلى مشهد مفعم بالبهجة والحياة.
وبينما كنت أسير مع أمي، نتحدث ونتناول التاكو والفاكهة المغمورة بالفلفل الحار والليمون الأخضر من الباعة الجائلين، شعرنا بفخر هائل بانتمائنا إلى المكسيك. وضحكنا من الطريقة التي احتضنا بها، نحن المكسيكيين، كل الصور النمطية المرتبطة بنا: قبعات السومبريرو، والألوان الزاهية، وكل ما ارتداه الناس في ذلك اليوم بروح من الدعابة والتحدي. كما تحدثنا عن الدفء والضحك والكرم الذي قدمته المكسيك للعالم بصفتها البلد المضيف.
حتى تميمة كأس العالم، وهي حبة فلفل حار ترتدي قبعة سومبريرو، بدت وكأنها تجسد تلك الروح تماماً: جريئةً، ومرحةً، ومكسيكيةً بامتياز.
صدر الصورة، جورج تيدمان / سبورتس إليستريتد عبر غيتي إيماجز
لم أفهم إلا بعد سنوات أنني شهدت لحظة سحرية حقاً. لم تصبح كرة القدم نفسها مثيرة جداً بالنسبة إلي، حتى بعد حضوري تلك المباراة، لكن تلك اللحظة بعينها بقيت عالقةً في ذاكرتي.
نعم، كان الهدف الأول مثيراً للجدل، وأثار غضب كثيرين، ليس فقط بين من كانوا حولي في ذلك اليوم، بل أيضاً في إنجلترا وفي أنحاء العالم، ولسنوات طويلة.
وعندما عشت وعملت لاحقاً في الأرجنتين، كان الناس يذكرون “يد الله” باستمرار، ولم يكن أصدقائي الأرجنتينيون يفوتون فرصة للإشارة إليها أمام زملائي الإنجليز.
لكن هذا التركيز ينسينا أن الهدف الثاني كان مذهلاً بكل معنى الكلمة، بل يكاد يكون غير قابل للتصديق، لولا أنني رأيته بعيني.
أما أنا، فكنت سأكون أكثر حماسةً للتباهي بذلك الهدف.
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.bbc.com
بتاريخ: 2026-06-24 16:04:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
