قوارب من الركام والأنقاض.. حرفيو غزة يعيدون الأمل لقطاع الصيد | سياسة





غزة – تحت سقف من النايلون السميك، تتردد أصوات المثاقب الكهربائية واحتكاك آلات القص بأجسام القوارب الزرقاء داخل ورشة متواضعة أقيمت على مقربة من شاطئ مدينة غزة.
في الداخل، تصطف هياكل قوارب صغيرة قيد الإنشاء، بعضها مقلوب على جانبيه، والآخر بدأ يقترب من شكله النهائي، بينما يتحرك العمال بينها بحذر، حاملين ألواحاً خشبية وأدوات نجارة أنهكتها أشهر الحرب الطويلة.
وفي هذه المساحة الضيقة، التي تبدو أقرب إلى خيمة كبيرة منها إلى مصنع أو ورشة متخصصة، يحاول حرفيون وصيادون إعادة الحياة إلى قطاع الصيد الذي تعرض لضربات قاسية خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
قوارب من بين الأنقاض
هنا لا تُصنع القوارب من مواد جديدة جُلبت من الأسواق أو عبر المعابر، بل من بقايا ما تركه الدمار خلفه؛ أخشاب انتشلت من تحت أنقاض المنازل المهدمة، وألواح كانت يوماً ما أبواباً أو نوافذ لعائلات فقدت بيوتها.
ووسط الورشة يقف مالكها، مصطفى مقداد (60 عاماً)، منحنياً فوق أحد القوارب الجديدة. يمسك بيده متراً للقياس متنقلاً بعينيه بين أطراف الهيكل الخشبي، ثم يضع علامات بالقلم على مواضع محددة قبل أن يطلب من أحد العمال تثبيت قطعة خشبية جديدة.
وبعد لحظات، يلتقط مثقاباً كهربائياً ويبدأ بتثبيت اللوح داخل القارب، فيما يواصل عامل آخر نشر قطعة خشب لتأخذ انحناءة تتوافق مع الشكل الأسطواني للهيكل الخارجي المصنوع من مادة الألياف الزجاجية.
لم تكن هذه المهنة بالنسبة لمقداد مجرد مصدر رزق، بل حرفة توارثتها عائلته جيلاً بعد جيل وتعلمها من والده وأخيه قبل عشرات السنين، ثم نقل خبرتها إلى أبنائه وأحفاده، لتصبح صناعة القوارب جزءاً من تاريخ عائلة ارتبطت بالبحر.

ماذا فعلت الحرب بالصيادين
ولم تكن مهنة الصيد وصناعة القوارب بمنأى عن الآثار الكارثية التي خلفتها الحرب على كافة مناحي الحياة في قطاع غزة. يقول مقداد إن الحرب قلبت كل شيء رأساً على عقب، فمنذ الأيام الأولى اضطر، مثل مئات آلاف الفلسطينيين، إلى النزوح نحو جنوب ووسط القطاع هرباً من القصف، وعندما عاد لاحقاً إلى مدينة غزة، لم يجد المشهد الذي تركه خلفه.
ويضيف للجزيرة “لما رجعنا إلى غزة وجدنا كل القوارب مدمرة بالكامل؛ إما غارقة داخل حوض الميناء أو مدمرة على الشاطئ، ولم يبقَ تقريباً أي قارب صغير أو كبير”.
ويمرر يده على أحد القوارب الجديدة قبل أن يضيف أن عمله اليوم يتركز في مسارين متوازيين؛ صناعة قوارب جديدة للصيادين الذين فقدوا قواربهم خلال الحرب، وترميم القوارب المتضررة التي لا تزال قابلة للإصلاح.
لكن المهمة، كما يوضح، أصبحت أكثر صعوبة من أي وقت مضى، فالمواد الأساسية اللازمة للصناعة والصيانة تكاد تكون معدومة.

شح ونقص في المواد الخام
وفي الجهة المقابلة من الورشة، يقوم أحد العمال بكشط السطح الداخلي لهيكل قارب مصنوع من الألياف الزجاجية (الفايبرجلاس)، بواسطة آلة جلخ كهربائية، حيث تتطاير ذرات دقيقة من تلك المادة بينما يحاول تنعيم السطح وإزالة آثار التصنيع.
ويشير مقداد إلى الهيكل الخارجي قائلاً إن الألياف كانت متوفرة نسبياً قبل الحرب، إذ احتفظت بعض الورش بكميات مخزنة، لكنها اليوم شحيحة وتوشك على النفاد، مضيفاً “الناس التي تريد تصليح مراكبها، أو صناعة مراكب جديدة، تجد معاناة شديدة، لا خشب ولا فايبرجلاس”.
ولا تتوقف الأزمة عند حدود المواد الخام، فحتى الأدوات التي يعتمد عليها الحرفيون أصبحت جزءاً من المشكلة، فمعظم آلات النجارة القديمة تعرضت للأعطال نتيجة الاستخدام المكثف وصعوبة الصيانة، كما أن تشغيلها يحتاج إلى تيار كهربائي باهظ الثمن.
يتقدم مقداد خطوات قليلة نحو مجموعة ألواح خشبية موضوعة إلى جانب أحد القوارب، ثم يشير إليها بيده قائلاً: “هذه من ركام المنازل المدمرة”. ثم يلتقط إحدى القطع ويشرح أن عرضها يقارب 15 سنتيمتراً، قبل أن يوضح كيف تُقطع إلى أجزاء أصغر لاستخدامها في بناء القارب.
ويتابع “هذا نسميه زنار الحسكات”، مشيراً إلى أحد الأجزاء الخشبية الممتدة داخل الهيكل.
ويوضح أن هذا الجزء يحتاج إلى كميات كبيرة من الخشب تمتد على طول ما يشبه العمود الفقري للقارب، لكن الحصول على تلك الكميات بات تحدياً يومياً في ظل النقص الحاد.

الاحتلال وقيوده
وداخل القوارب قيد الإنشاء تبدو الألواح الخشبية مثبتة طولياً وعرضياً في شبكة متداخلة من الدعائم والعوارض. وبينما يقوم بعض العمال بتثبيت المسامير، يعيد آخرون تشكيل الأخشاب لتنسجم مع انحناءات الهيكل الخارجي.
ويرى مقداد أن استمرار إغلاق المعابر ومنع دخول الأخشاب والفيبرغلاس والآلات اللازمة للصيانة يهدد مستقبل المهنة بالكامل.
ويقول إن الوضع لم يعد يهدد الحرفيين فقط، بل الصيادين أيضاً، مشيراً إلى أن الشِبَاك باتت شبه معدومة هي الأخرى. ويضيف: “الصياد يبحر مخاطراً بحياته ليحضر رزق عياله، ويتعرض لإطلاق النار بالفعل من الزوارق العسكرية الإسرائيلية. لا يوجد مجال للعيش. إذا استمر الوضع هكذا فلن يكون هناك عمل لنا ولا للصياد”.
ويتعرض الصيادون في قطاع غزة لانتهاكات شبه يومية من الجيش الإسرائيلي، تتمثل بإطلاق النار المباشر عليهم واستهداف مراكبهم وإغراقها، ما يؤدي إلى سقوط شهداء وجرحى بين صفوفهم.
وفي ظل هذه القيود، يقتصر نشاط الصيد على الإبحار لمسافة لا تتجاوز كيلومتراً واحداً من الشاطئ، باستخدام قوارب صغيرة تُدار بمجدافين يدويين، بعدما حظر الاحتلال تشغيل المحركات. وتنعكس هذه القيود بشكل مباشر على كميات الأسماك المصطادة، ما يفاقم معاناة الصيادين ويحد من قدرتهم على تأمين مصدر رزقهم.
محاولة للنهوض رغم المعاناة
وبينما يواصل الحرفيون أعمال التثبيت والقص داخل ورشة مقداد، تبدو آثار هذه الأزمة واضحة في قصة الصياد موسى أبو جياب، الذي يقف إلى جوار قارب جديد ما زال قيد التصنيع، مترقباً اليوم الذي يستطيع فيه العودة إلى البحر.
خسر أبو جياب قاربه خلال الحرب، ولم يكن فقدانه مجرد خسارة لممتلكات مادية، بل ضياع وسيلة رزقه الوحيدة. ويقول للجزيرة: “عانيت كثيراً في الحرب، وقواربي احترقت داخل البحر، خاصة في أول الحرب”.
ومنذ ذلك الوقت بدأ رحلة شاقة للبحث عن طريقة تعيده إلى مهنته. ويحاول اليوم صناعة قارب جديد داخل ورشة مقداد، لكنه يقر بأن الطريق لم يكن سهلاً، فتكلفة القارب الجديد تفوق إمكاناته المالية بكثير، ما اضطره إلى الاستدانة وجمع الأموال من مصادر مختلفة.

تحديات متشعبة
ويضيف أبو جياب “جمعت المال من هنا وهناك حتى أدفع ثمن صناعة قارب جديد، كي أنفق على عائلتي وأطعم أولادي”. غير أن جمع المال لم يكن العقبة الوحيدة، فحتى بعد توفير جزء من التكلفة، بقيت مشكلة المواد الخام قائمة، كالأخشاب والفايبرغلاس.
وأوضح أن الارتفاع الهائل في أسعار الأخشاب هو وجه آخر للأزمة، فالقطعة التي كانت تباع قبل الحرب بأسعار بسيطة أصبحت اليوم سلعة نادرة. ويكمل “الخشبة التي كان سعرها 10 شواكل (نحو 3.3 دولارات) أصبح ثمنها 200 شيكل (نحو 67 دولاراً)”، لافتاً إلى أن ما يشترونه من أخشاب في أحيان كثيرة، ليس مخصصاً أصلاً لصناعة القوارب، بل إطارات أبواب ونوافذ تُفكك ثم يعاد تشكيلها داخل الورش.
وخارج ورشة تصنيع القوارب، يقف عامل إلى جانب قارب أوشك على الاكتمال. يمرر يده على جوانبه، يتفحص تفاصيله بدقة، وينظر إلى سطحه مرات متتالية بحثاً عن أي عيب أو خلل قبل إنزاله إلى البحر.

أضرار كبيرة
يبدو المشهد أشبه بمحاولة أخيرة للتأكد من أن هذا القارب قادر على تحمل الأمواج المقبلة. وهو حال يلخص واقعاً كاملاً يعيشه قطاع الصيد في غزة؛ قوارب تولد من بين الأنقاض، وحرفيون يحاولون إنقاذ مهنتهم بما توفر من أدوات، وصيادون يراهنون على قطعة خشب انتشلت من منزل مدمر لتعيدهم إلى البحر.
وأتت الحرب على قطاع الصيد بشكل كامل تقريباً، ووفق تقرير نشرته الجزيرة نت في وقت سابق، فإن حوالي 4 آلاف صياد تضرروا جراء اعتداءات الاحتلال المستمرة.
ويقول مسؤول لجان الصيادين في غزة، زكريا بكر، إن قطاع الصيد كان يضم قبل الحرب نحو ألف مركب تعمل بالمحركات، بينها 96 مركباً كبيراً، إلى جانب أكثر من 5 آلاف صياد، بينما يعتمد الآن على وسائل بدائية.
ويشير إلى أن الإنتاج السمكي انخفض من نحو 15 إلى 20 طناً يومياً إلى قرابة 10 أطنان فقط شهرياً، فيما قتل الاحتلال أكثر من 232 صياداً، وجرح ما يزيد على 100 آخرين، واعتقل مثلهم وأكثر، فيما لا يزال ما يفوق 30 صياداً في السجون الإسرائيلية.
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.aljazeera.net بتاريخ: 2026-06-25 09:19:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
