عاجل #عاجل سوريا: وكالة "سانا": إصابة طفلين بجروح جراء إطلاق الاحتلال الإسرائيلي النار باتجاه مواطنين في قرية جملة بمنطقة حوض اليرموك بريف درعا...
صحافة

عاجل 17 أيار جديد… ولبنان لن يوقّع هزيمته

مرة جديدة، يحاول الأميركي أن يلبس الضغط ثوب التسوية، وأن يقدّم للعدو الإسرائيلي على طاولة السياسة ما عجز عن أخذه في الميدان. ومرة جديدة، يُراد للبنان أن يدخل في اتفاق مع العدو من خارج إرادته الوطنية، ومن فوق توازناته الداخلية، ومن دون احترام لتاريخه وقوانينه ودماء مقاوميه وشهدائه.

لكن من يراهن على تمرير اتفاق إذعان جديد، عليه أن يقرأ تاريخ لبنان جيداً. هذا البلد أسقط اتفاق 17 أيار عام 1983، وأسقط معه محاولة تحويل الاجتياح الإسرائيلي إلى مكاسب سياسية وأمنية دائمة. واليوم، لن يكون مصير أي اتفاق مشابه إلا السقوط نفسه، ولو تغيّرت الأسماء والعبارات والرعاة.

الاتفاق المطروح اليوم لا يولد من رحم السيادة، بل من رحم الضغط. لا يأتي نتيجة إجماع لبناني، بل نتيجة محاولة خارجية لفرض وقائع جديدة على لبنان. لا يحفظ حق لبنان، بل يسعى إلى تقييد قوته. لا يبدأ من انسحاب العدو الكامل ووقف اعتداءاته، بل من محاولة محاصرة المقاومة ونزع عناصر القوة من يد اللبنانيين.

وهنا تكمن خطورته.

فلبنان ليس دولة بلا ذاكرة. اللبنانيون يعرفون جيداً أن العدو الإسرائيلي لم يخرج من أرضهم بالمفاوضات، بل بالمقاومة. لم ينسحب عام 2000 لأنه اقتنع بالقانون الدولي، بل لأنه عجز عن تحمّل كلفة الاحتلال. ولم يفشل في عدوان تموز 2006 بسبب بيانات الإدانة، بل بسبب معادلة ردع صنعتها المقاومة بدماء أبنائها وصمود بيئتها.

لذلك، فإن أي اتفاق يتعامل مع المقاومة كعبء، ومع سلاحها كأزمة، ومع قوتها كورقة يجب تسليمها للعدو، هو اتفاق ساقط وطنياً قبل أن يبدأ. المقاومة في لبنان ليست تفصيلاً أمنياً، وليست بنداً تفاوضياً في يد الأميركي أو الإسرائيلي. المقاومة هي نتيجة الاحتلال، ونتيجة الاعتداءات، ونتيجة عجز الدولة والمجتمع الدولي لعقود عن حماية الأرض والناس.

ومن يريد أن يناقش سلاح المقاومة، فليبدأ أولاً من السؤال الحقيقي: من يحمي لبنان إذا عاد العدو؟ من يردع إسرائيل إذا قررت أن تعتدي؟ من يمنع الطائرات المعادية من انتهاك السماء؟ ومن يضمن ألا تتكرر المجازر والاحتلال والتهجير؟

أما أن يُطلب من لبنان أن يقدّم ضمانات للعدو، بينما العدو لا يقدّم إلا التهديد، فهذا ليس اتفاقاً. هذا استسلام سياسي مغلف بلغة دبلوماسية.

17 أيار… العبرة التي لا تموت

في 17 أيار 1983، وُقّع اتفاق بين لبنان والعدو الإسرائيلي برعاية أميركية، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. يومها قيل للبنانيين إن الاتفاق سيجلب الانسحاب والاستقرار، وإنه طريق الخلاص من الحرب. لكن الحقيقة كانت مختلفة: الاتفاق كان محاولة لوضع لبنان تحت وصاية أمنية إسرائيلية، وتحويل نتائج الاحتلال إلى التزامات سياسية على الدولة اللبنانية.

لم يصمد الاتفاق، لأنه وُلد ضد إرادة اللبنانيين الأحرار. رفضته قوى وطنية وإسلامية ويسارية وقومية، وواجهته بيئة المقاومة، وسقطت معه أوهام من ظنوا أن توقيعاً تحت الضغط يستطيع أن يلغي حق شعب في رفض العدو.

وفي آذار 1984، أُسقط الاتفاق رسمياً. لم ينقذه الأميركي، ولم تحمه التواقيع، ولم تنفعه محاولات التسويق. سقط لأنه كان بلا شرعية وطنية. سقط لأن لبنان لا يُؤخذ إلى العدو بالقوة. سقط لأنه كان اتفاقاً وُلد ميتاً.

واليوم، يعود المشهد نفسه بلباس جديد.

لا شرعية لاتفاق يستبعد المكوّن الشيعي

الذين يظنون أن بإمكانهم تمرير اتفاق يمس الجنوب وسلاح المقاومة والعلاقة مع العدو من دون موافقة حزب الله وحركة أمل والقوى الوطنية، لا يعرفون لبنان أو يتجاهلونه عمداً.

المكوّن الشيعي ليس تفصيلاً في المعادلة اللبنانية. هو جزء أساسي من النظام، ومن الطائف، ومن التوازن الوطني، ومن الأرض التي دفعت أثمان الاحتلال والمقاومة والتحرير. واستبعاده من قرار بهذا الحجم ليس فقط خطأ سياسياً، بل طعن في مبدأ الشراكة الذي قام عليه لبنان بعد الحرب الأهلية.

اتفاق الطائف لم يقم على إلغاء فريق أو كسر مكوّن أو تسليم القرار المصيري للخارج. قام على الشراكة، وعلى أن القضايا الكبرى لا تُفرض بالقوة ولا تُمرر بالاستقواء. لذلك، فإن أي اتفاق مع العدو من دون غطاء وطني جامع، ومن دون موافقة القوى المعنية مباشرة بجبهة الجنوب، هو اتفاق فاقد للشرعية السياسية، ولو حاول البعض منحه غطاءً دستورياً شكلياً.

فكيف إذا كان الرافضون لا يقتصرون على حزب الله وحركة أمل، بل يشملون أيضاً قوى يسارية وقومية ووطنية ترى في الاتفاق إعادة إنتاج لمنطق 17 أيار؟

هذا يعني أن الاعتراض ليس طائفياً، بل وطني. وليس دفاعاً عن فئة، بل دفاع عن موقع لبنان في مواجهة العدو.

إسرائيل عدو… لا شريك تفاوض طبيعي

قبل الحديث عن أي اتفاق، يجب تثبيت الحقيقة الأولى: إسرائيل عدو للبنان. هذه ليست عبارة شعاراتية، بل واقع قانوني وسياسي وتاريخي.

هناك احتلال واعتداءات وانتهاكات ومجازر. هناك أرض لبنانية محتلة أو متنازع عليها. هناك خروقات جوية وبحرية وبرية متكررة. وهناك منظومة قانونية لبنانية لا تزال قائمة، وفي مقدمتها قانون مقاطعة إسرائيل، التي تمنع التعامل معها كدولة عادية.

لذلك، فإن أي محاولة للانتقال من حالة العداء إلى ترتيبات سياسية أو أمنية أو تطبيعية لا يمكن أن تتم بقرار عابر، ولا برسالة أميركية، ولا باجتماع تفاوضي. هذا يحتاج إلى مسار دستوري وقانوني وتشريعي ووطني شامل. والأهم: يحتاج إلى إرادة شعبية ووطنية غير موجودة اليوم.

من هنا، فإن الاتفاق المطروح ليس ناقصاً فقط. هو ساقط في أساسه، لأنه يتجاهل أن العلاقة مع العدو ليست ملفاً تقنياً، بل قضية سيادة ودم واحتلال وكرامة وطنية.

الانسحاب أولاً… لا الشروط الإسرائيلية

إذا كان المطلوب فعلاً استقرار الجنوب، فالبداية واضحة: انسحاب إسرائيلي كامل وغير مشروط، وقف الاعتداءات، احترام السيادة اللبنانية، وضمانات دولية حقيقية تمنع العدو من تكرار عدوانه.

أما تحويل الانسحاب إلى أداة ابتزاز، وربطه بسلاح المقاومة أو بإخراجها من مناطق معينة أو بتقديم ضمانات أمنية للعدو، فهذا يعني أن إسرائيل تريد أن تفاوض تحت النار، وأن تأخذ من لبنان تنازلات لم تستطع فرضها بالحرب.

وهذا مرفوض.

لا يمكن للعدو أن يحتل ويعتدي ثم يطلب ضمانات. لا يمكن له أن يخرق السيادة ثم يطالب بترتيبات أمنية. لا يمكن له أن يهدد لبنان ثم يطلب من اللبنانيين نزع قوتهم. هذه ليست تسوية. هذه محاولة لإعادة ترتيب ميزان القوى لمصلحة إسرائيل.

ولذلك، فإن المقاومة حين ترفض هذا المنطق، لا ترفض السلام بمعناه الإنساني، بل ترفض الاستسلام. لا ترفض حماية لبنان، بل ترفض تسليم لبنان. لا ترفض الدولة، بل ترفض أن تتحول الدولة إلى أداة ضغط على شعبها لمصلحة العدو.

الخارج لا يصنع وطناً

قد يتفق الأميركي مع الإسرائيلي. وقد يضغط الأميركي على الدولة اللبنانية. وقد تحصل تفاهمات إقليمية من هنا أو هناك. لكن كل ذلك لا يصنع شرعية داخلية.

لبنان لا يُحكم من واشنطن. ولا تُرسم سيادته في تل أبيب. ولا يمكن لأي تفاهم خارجي، مهما كان حجمه، أن يلغي حقيقة أن أي اتفاق مصيري يحتاج إلى قبول لبناني جامع.

وهذه كانت عقدة 17 أيار، وهي عقدة الاتفاق الجديد اليوم.

فالاتفاقات التي لا تمرّ في وجدان الناس، تسقط. والاتفاقات التي تعاكس ذاكرة الدم، تسقط. والاتفاقات التي تعطي العدو أمناً ولا تعطي لبنان سيادة، تسقط. والاتفاقات التي تحاول عزل المقاومة عن شعبها وبيئتها، تسقط.

اتفاق وُلد ميتاً

لهذا كله، لا يبدو الاتفاق الجديد مساراً للإنقاذ، بل محاولة لإنتاج هزيمة سياسية تحت عنوان التسوية. لا يبدو باباً للسيادة، بل باباً لإعادة تعريف السيادة بما يناسب العدو. لا يبدو فرصة للبنان، بل فرصة لإسرائيل كي تنتزع بالضغط ما فشلت في انتزاعه بالحرب.

إنه اتفاق وُلد ميتاً، لأنه بلا إجماع وطني.
وُلد ميتاً، لأنه يستبعد مكوّناً أساسياً من اللبنانيين.
وُلد ميتاً، لأنه يتجاهل أن إسرائيل عدو لا شريك طبيعي.
وُلد ميتاً، لأنه يريد تقييد المقاومة قبل إزالة أسباب وجودها.
وُلد ميتاً، لأنه يعيد إنتاج 17 أيار، واللبنانيون يعرفون كيف أسقطوا 17 أيار.

من يريد الاستقرار للبنان، فليبدأ من وقف العدوان والانسحاب الكامل واحترام السيادة. ومن يريد اتفاقاً قابلاً للحياة، فليأتِ به من بوابة الإجماع الوطني لا من بوابة الإملاء الخارجي.

أما اتفاقات الإذعان، فقد جرّبها لبنان من قبل.
وقد أسقطها من قبل.
وسيسقطها من جديد.