التقارب الدفاعي بين مصر وتركيا.. هل يولد محورًا إقليميًا جديدًا؟

موقع الدفاع العربي – 16 يوليو 2026: بعد سنوات من التوتر السياسي ومحاولات التقارب المتدرجة، تدخل العلاقات المصرية التركية مرحلة جديدة تبدو الأكثر أهمية منذ أكثر من عقد، مع انتقالها من مسار المصالحة الدبلوماسية إلى التعاون العسكري المباشر. وجاءت زيارة وزير الدفاع المصري الفريق أشرف زاهر إلى أنقرة لتؤكد هذا التحول، إذ لم تقتصر على اللقاءات الرسمية، بل انتهت بتوقيع مذكرات تفاهم وخطابات نوايا لتعزيز التعاون الدفاعي والصناعات العسكرية، في خطوة أثارت تساؤلات حول دوافع هذا التقارب وتوقيته، وما إذا كان يتجاوز البعد العسكري ليشكل جزءًا من إعادة رسم التوازنات الإقليمية.

وشهدت الزيارة مباحثات بين وزير الدفاع المصري ونظيره التركي يشار غولر، كما التقى وزير الدفاع المصري رئيس هيئة الصناعات الدفاعية التركية خلوق غورغون، حيث جرى توقيع خطاب نوايا يهدف إلى وضع إطار للتعاون في مجالات الصناعات الدفاعية، ونقل الخبرات، وتطوير القدرات العسكرية بصورة مشتركة. ويعكس ذلك رغبة واضحة لدى الجانبين في الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الدفاعية، بعد سنوات من الاكتفاء بالتقارب السياسي.

ويأتي هذا التطور في ظل تحولات متسارعة تشهدها المنطقة، إذ يرى مراقبون أن القاهرة تسعى إلى تنويع شراكاتها الاستراتيجية في مواجهة التحديات المتزايدة في السودان والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، بينما تنظر أنقرة إلى التقارب مع مصر باعتباره مدخلًا لتعزيز نفوذها في هذه المناطق الحيوية، بعد سنوات من التنافس والخلاف. كما أن تقارب مواقف البلدين في بعض الملفات الإقليمية ساهم في تهيئة الظروف لتسريع التعاون بينهما.

ولم يكن هذا التقارب وليد اللحظة، إذ تعود جذور الخلاف إلى عام 2013، قبل أن تبدأ منذ عام 2021 خطوات تدريجية لإعادة العلاقات، وصولًا إلى استئناف التمثيل الدبلوماسي الكامل عام 2023، ثم تبادل الزيارات الرئاسية في عام 2024، وهو ما أسهم في إعادة بناء الثقة وفتح الباب أمام توسيع مجالات التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري.

وتعد زيارة وزير الدفاع المصري الفريق أشرف زاهر إلى أنقرة تتويجًا لمسار متسارع من التعاون العسكري بين البلدين، انتقل خلال الأشهر الماضية من مرحلة الاتصالات السياسية إلى تعاون دفاعي عملي ومتنامٍ. فقد سبقت الزيارة سلسلة من الخطوات العسكرية التي عكست رغبة القاهرة وأنقرة في بناء شراكة استراتيجية، كان أبرزها ما جرى في فبراير 2026، خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة، حيث وقع الجانبان صفقة دفاعية قُدرت قيمتها بنحو 350 مليون دولار، تضمنت توريد منظومة “تولغا” التركية للدفاع الجوي قصير المدى، إلى جانب إنشاء مصانع داخل مصر لإنتاج ذخائر المدفعية عيار 155 ملم وذخائر الأسلحة الخفيفة، في خطوة تستهدف توطين جانب من الصناعات الدفاعية ونقل الخبرات الفنية.

وتواصل هذا الزخم في يونيو 2026 مع تنفيذ أول تدريبات جوية مشتركة بين القوات الجوية المصرية والتركية، شاركت فيها مقاتلات متعددة المهام من طرازات مختلفة داخل عدد من القواعد الجوية المصرية، بهدف تعزيز التنسيق العملياتي وتبادل الخبرات بين الجانبين. ولم يمض وقت طويل حتى توسع هذا التعاون ليشمل تدريبات جوية ثلاثية جمعت مصر وتركيا وأذربيجان على الأراضي التركية، في مؤشر على اتساع نطاق التنسيق العسكري بين الدول الثلاث.

كما شهد الثامن من يوليو 2026 انطلاق مناورات “العقاب الذهبي” في مصر، بمشاركة عناصر من قوات المظلات والصاعقة المصرية إلى جانب وحدات من القوات الخاصة التركية، واستمرت عدة أيام، وركزت على تنفيذ عمليات مشتركة وتبادل الخبرات في مجالات مكافحة التهديدات غير التقليدية ورفع مستوى الجاهزية القتالية.

وفي المقابل، يثير هذا التقارب اهتمامًا وقلقًا لدى بعض الأطراف الإقليمية، وفي مقدمتها إسرائيل واليونان، اللتان عززتا خلال سنوات الخلاف بين القاهرة وأنقرة تعاونًا وثيقًا مع مصر، خاصة في ملفات شرق المتوسط والطاقة. كما أن احتمالات التعاون في مجال الصناعات الدفاعية، والاستفادة من الخبرات التركية في تطوير الطائرات المسيّرة والأنظمة العسكرية، بالتوازي مع القدرات البشرية والعسكرية الكبيرة للجيش المصري، تفتح الباب أمام تغيرات محتملة في موازين القوى الإقليمية.

وتنظر تركيا إلى هذا التقارب باعتباره فرصة لتعزيز حضورها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وربط مصالحها في الصومال والسودان بالمجال العربي، بما يدعم طموحاتها الاقتصادية والجيوسياسية، خاصة مع تراجع النفوذ الإيراني في عدد من الساحات الإقليمية. أما مصر، فترى في الشراكة مع أنقرة وسيلة لتعزيز أمنها الإقليمي، وحماية مصالحها في البحر الأحمر وقناة السويس، وتوسيع خياراتها في ملفات القرن الأفريقي وسد النهضة، بما يمنحها هامشًا أكبر للتحرك في بيئة إقليمية معقدة.

ورغم الزخم الذي تشهده العلاقات، فإن العديد من التقديرات تشير إلى أن الطريق نحو شراكة استراتيجية كاملة لا يزال يواجه تحديات، في ظل استمرار الخلافات بشأن بعض الملفات، وفي مقدمتها ليبيا، إضافة إلى تباين الرؤى حول عدد من القضايا الإقليمية. ولذلك، يُرجح أن يقوم التعاون الحالي على قاعدة المصالح المشتركة والبراغماتية السياسية، مع بقاء احتمالات استمرار التباينات إذا تغيرت أولويات الطرفين أو شهدت المنطقة تطورات جديدة.

ومع ذلك، فإن التقارب المصري التركي يمثل أحد أبرز التحولات في المشهد الإقليمي خلال المرحلة الحالية، ويعكس إدراك البلدين لأهمية التعاون في مواجهة التحديات المشتركة، بما قد ينعكس على ملفات تمتد من شرق المتوسط والبحر الأحمر إلى السودان وليبيا، ويجعل العلاقة بين القاهرة وأنقرة عنصرًا مؤثرًا في إعادة تشكيل خريطة التحالفات الإقليمية خلال السنوات المقبلة.




■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: www.defense-arabic.com

تاريخ النشر: 2026-07-16 17:22:00

الكاتب: نور الدين

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.defense-arabic.com
بتاريخ: 2026-07-16 17:22:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

Exit mobile version