


تراجع القوة البحرية الأمريكية.. تقرير يرسم صورة لأسطول يواجه الاستنزاف وأزمات الهيمنة العالمية.
موقع الدفاع العربي – 19 يوليو 2026: سلط تقرير نشره موقع فن الدولة المسؤول الضوء على ما وصفه بالتراجع المتزايد في القدرات العملياتية للبحرية الأمريكية، معتبرا أن انخفاض أعداد السفن، وتفاقم أزمات الصيانة، واستمرار الضغوط على الأطقم البحرية، عوامل جعلت الأسطول الأمريكي أقل قدرة على خوض نزاعات بحرية واسعة أو الحفاظ على انتشاره العالمي التقليدي.
وبحسب التقرير، فإن البحرية الأمريكية أصبحت مضطرة إلى تركيز الجزء الأكبر من قدراتها في مسرح عمليات واحد، بدلا من توزيع قواتها على عدة مناطق كما اعتادت خلال العقود الماضية.
ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة تعزيز وجودها البحري الممتد من البحر الأبيض المتوسط وصولا إلى المحيط الهندي لدعم عملياتها المرتبطة بإيران، حيث تنتشر في المنطقة حاملتا طائرات، وست سفن هجومية برمائية، إضافة إلى 19 مدمرة وطرادا، في واحدة من أكبر عمليات الحشد البحري الأمريكية خلال السنوات الأخيرة.
كما أشار التقرير إلى أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعادة فرض حصار على الموانئ الإيرانية، بالتزامن مع استمرار الضربات الأمريكية ضد أهداف ساحلية وجزرية، يفرض ضغوطا إضافية على الأسطول الأمريكي، ويثير تساؤلات بشأن مدى قدرة البحرية على الإبقاء على هذا الانتشار المكثف لفترات طويلة.
من أسطول عالمي إلى قوة ذات انتشار محدود
يرى التقرير أن البحرية الأمريكية شهدت تراجعا كبيرا مقارنة بما كانت عليه بعد الحرب العالمية الثانية، إذ بلغ عدد سفنها عام 1945 أكثر من 6700 سفينة، وهو ما منحها آنذاك قدرة غير مسبوقة على الانتشار في مختلف أنحاء العالم.
وخلال حرب فيتنام احتفظت البحرية بأكثر من 900 سفينة، قبل أن ينخفض العدد في أواخر سبعينيات القرن الماضي إلى نحو 450 سفينة. ورغم محاولات إدارة الرئيس رونالد ريغان إعادة بناء الأسطول ليقترب من 600 سفينة، فإن نهاية الحرب الباردة فتحت مرحلة طويلة من تقليص حجم القوات البحرية.
ويشير التقرير إلى أن القوة القتالية الأساسية للأسطول الأمريكي اليوم لا تتجاوز نحو 180 سفينة رئيسية، تشمل حاملات الطائرات والسفن الهجومية البرمائية والغواصات الهجومية والمدمرات المزودة بالصواريخ الموجهة، بينما أصبحت البحرية الصينية تمتلك عددا أكبر من السفن القتالية مقارنة بالولايات المتحدة.
ورغم أن السفن الأمريكية تتمتع بقدرات قتالية متقدمة، فإن التقرير يرى أنها تعاني نقصا في السفن المساندة اللازمة لتنفيذ مهام الحراسة والدوريات وإزالة الألغام ومرافقة القطع البحرية الرئيسية.
كما انتقد التقرير برنامج سفن القتال الساحلي (LCS)، الذي كان يهدف إلى سد هذه الفجوة، موضحا أن عددا من تلك السفن دخل الخدمة ثم تقرر إخراجه مبكرا بسبب المشكلات الفنية المتكررة وعدم جاهزيتها العملياتية، الأمر الذي أفقد البحرية جزءا مهما من قدراتها في المهام الثانوية.


أزمة صيانة تقلص الجاهزية القتالية
ويعتبر التقرير أن التحدي الثاني يتمثل في أزمة الصيانة التي تضرب الأسطول الأمريكي، إذ إن انخفاض عدد السفن يجعل كل قطعة بحرية تتحمل أعباء تشغيلية أكبر.
ووفقا للقاعدة التشغيلية المعتادة، تحتاج البحرية إلى ثلاث سفن لضمان استمرار انتشار سفينة واحدة في الخارج، إلا أن تصاعد التوترات الدولية دفع القيادة الأمريكية إلى تمديد فترات انتشار السفن إلى مستويات غير مسبوقة.
ويضرب التقرير مثالا بحاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” (USS Abraham Lincoln)، التي بقيت منتشرة في بحر العرب لأكثر من 210 أيام متواصلة دون التوقف في أي ميناء، وهو رقم قياسي يعكس حجم الضغوط المفروضة على الأسطول.
ويؤكد التقرير أن هذه الوتيرة تؤدي إلى استهلاك السفن بصورة متسارعة، في وقت لا تمتلك فيه الولايات المتحدة بنية تحتية كافية لإجراء أعمال الصيانة والإصلاح بالسرعة المطلوبة.
وأشار إلى أن بعض عمليات الإصلاح الشامل للغواصات استغرقت ما يصل إلى ثماني سنوات، بينما انتهى الأمر بالغواصة النووية “يو إس إس بويز” (USS Boise) إلى الخروج من الخدمة بعد سنوات طويلة من الإصلاحات التي بلغت تكلفتها نحو 800 مليون دولار، رغم إنجاز نسبة محدودة فقط من الأعمال.
ويضيف التقرير أن نحو 40% من أسطول الغواصات الأمريكي غير قادر حاليا على الانتشار بسبب التأخير في أعمال الصيانة واختناقات أحواض الإصلاح، وهو ما ينعكس بصورة أكبر على السفن السطحية التي تعاني ظروفا أكثر تعقيدا.


الإرهاق البشري يهدد الكفاءة العملياتية
إلى جانب المشكلات التقنية، يرى التقرير أن العنصر البشري يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه البحرية الأمريكية.
فاستمرار عمليات الانتشار لفترات طويلة، مع تمديد المهام بصورة متكررة، أدى إلى تراجع معنويات البحارة وزيادة الضغوط على أسرهم، الأمر الذي انعكس على معدلات الاحتفاظ بالأفراد داخل الخدمة.
ونقل التقرير عن نائب الأدميرال المتقاعد فيل وايسكوب، الذي عمل سابقا في تخطيط انتشار الأسطول، أن الدراسات أوصت منذ تسعينيات القرن الماضي بعدم تجاوز مدة الانتشار ستة أشهر إلا في الظروف الاستثنائية، وهو معيار التزمت به البحرية لفترة قبل أن تتخلى عنه عقب هجمات 11 سبتمبر.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت البحرية الأمريكية تعمل وفق وتيرة انتشار مستمرة تشبه ظروف الحروب الكبرى، مع تحول فترات الخدمة التي تمتد لعشرة أشهر أو أكثر إلى واقع معتاد بالنسبة لكثير من المدمرات والسفن البرمائية العاملة في الشرق الأوسط وبحر العرب.
ورغم هذه التحديات، يقر التقرير بأن البحرية الأمريكية لا تزال قادرة على حشد قوة بحرية ضخمة في أي منطقة حول العالم والإبقاء عليها هناك عبر نظام التناوب بين القطع البحرية.
إلا أن هذا، بحسب التقرير، يمثل الحد الأقصى لقدراتها الحالية، إذ أصبح تركيز الموارد في منطقة واحدة يأتي على حساب بقية مسارح العمليات العالمية.
ويخلص التقرير إلى أن البحرية الأمريكية لم تعد تمتلك القدرة نفسها التي ميزتها خلال الحرب العالمية الثانية أو سنوات الحرب الباردة، عندما كانت قادرة على فرض حضور عسكري متزامن في عدة محيطات. أما اليوم، فإنها باتت أقرب إلى قوة بحرية تستطيع إدارة أزمة كبرى في مسرح عمليات واحد، بينما تتراجع قدرتها على الحفاظ على الهيمنة البحرية العالمية التي شكلت أحد أعمدة النفوذ الأمريكي لعقود طويلة.
المصدر الأصلي: www.defense-arabic.com



