ويرى محللون أن توقيت ظهور المقاتلة التركية جاء في مرحلة تشهد تغيرات كبيرة في البيئة الأمنية الدولية، خاصة مع تزايد تركيز الولايات المتحدة على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، الأمر الذي دفع العديد من الدول الأوروبية إلى إعادة تقييم قدراتها الدفاعية وتقليل اعتمادها على المظلة العسكرية الأمريكية.
وتزامن ذلك مع تعثر مشروع المقاتلة الأوروبية من الجيل السادس ضمن برنامج منظومة القتال الجوي المستقبلية (FCAS)، نتيجة الخلافات الصناعية والسياسية بين الشركاء الأوروبيين، وهو ما أوجد فرصة لبرنامج “قآن” ليبرز كأحد أبرز مشاريع الطيران العسكري في المنطقة.
وطورت المقاتلة شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية (TAI)، حيث نجحت في تنفيذ رحلتها الأولى خلال عام 2024، بينما تستهدف أنقرة إدخالها الخدمة التشغيلية قبل نهاية العقد الحالي. وبذلك تصبح تركيا، إلى جانب الولايات المتحدة، الدولة الوحيدة داخل حلف الناتو التي تطور مقاتلة من الجيل الخامس بصورة مستقلة.
وتسارع تطوير البرنامج بشكل ملحوظ عقب استبعاد تركيا من مشروع المقاتلة الأمريكية F-35 بسبب حصولها على منظومة الدفاع الجوي الروسية إس-400. وبدلًا من أن يؤدي القرار إلى إبطاء طموحات أنقرة، تحول إلى دافع لتعزيز الاستثمار في الصناعات الدفاعية المحلية وتطوير التقنيات الوطنية، بما في ذلك برامج الطيران المتقدم والمحركات والإلكترونيات العسكرية.
ولم يقتصر الاهتمام بالمقاتلة على الداخل التركي، إذ بدأت تحظى باهتمام دولي متزايد. فقد وافقت إندونيسيا على شراء 48 مقاتلة من طراز “قآن”، كما تجري تركيا محادثات أولية مع إسبانيا، في حين تشير تقارير إلى أن عدداً من الدول الأخرى يراقب تطورات البرنامج تمهيدًا لاحتمال الانضمام إلى قائمة الزبائن مستقبلًا.
وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن “ما وصلت إليه الصناعات الدفاعية لم يكن وليد الصدفة أو نتيجة دعم خارجي، بل ثمرة سنوات من الاستثمار والعمل رغم القيود والعقوبات التي واجهتها البلاد. المستوى الذي وصلت إليه تركيا في التكنولوجيا المحلية والوطنية لم يقدمه لنا أحد على طبق من ذهب، لقد وصلنا إلى هنا بفضل العزيمة والإصرار. تحقيق الاكتفاء الذاتي في التقنيات العسكرية أصبح أحد ركائز الأمن القومي، وأن الصناعات الدفاعية التركية باتت تحظى باهتمام متزايد على المستويين الإقليمي والدولي.”
ومن منظور حلف الناتو، فإن امتلاك عضو في الحلف القدرة على إنتاج مقاتلة شبحية متقدمة يعزز من قدرات الردع الجماعية، ويقلل الاعتماد على عدد محدود من الموردين، كما يسهم في تعزيز القدرات الجوية على الجناح الجنوبي للحلف، الذي يكتسب أهمية استراتيجية متزايدة.
وفي المقابل، تمثل مقاتلة “قآن” بالنسبة لتركيا أكثر من مجرد منصة قتالية جديدة؛ فهي مشروع يعكس مساعي البلاد لترسيخ استقلالها التكنولوجي، وتوسيع قاعدتها الصناعية الدفاعية، وتعزيز نفوذها داخل منظومة الأمن الأوروبية والأطلسية، بما يمنحها دورًا أكبر في رسم ملامح القدرات العسكرية المستقبلية للحلف.

