وشهد الـ20 يونيو/حزيران 2026 محطة بارزة في هذا المسار، عندما تسلمت البحرية الرومانية سفينة حربية صُنعت بالكامل في تركيا، في أول صفقة تصدير لسفينة حربية تركية إلى دولة عضو في كل من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي. ويعكس هذا الإنجاز تنامي الثقة الأوروبية في الصناعات الدفاعية التركية، كما يؤكد نجاح أنقرة في التحول من مستورد رئيسي للأسلحة إلى مصدر متزايد للأنظمة العسكرية المتطورة.
وتأتي قمة أنقرة بعد أكثر من عقدين على أول قمة للناتو استضافتها تركيا في إسطنبول عام 2004، في وقت يركز فيه الحلف على تعزيز الردع الجماعي وتقوية الركيزة الدفاعية الأوروبية، وسط بيئة أمنية تشهد تحديات غير مسبوقة.
وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن “تعزيز الركيزة الأوروبية داخل حلف الناتو وترسيخ قدراتها الردعية يمثلان أولوية مشتركة”، مشدداً على أهمية أن يتحمل الحلفاء الأوروبيون مسؤوليات أكبر في مجال الدفاع، ومؤكداً في الوقت نفسه أن الحفاظ على قوة العلاقات والشراكة عبر الأطلسي يظل أمراً بالغ الأهمية
وقال الأمين العام لحلف الناتو مارك روته أن “تركيا تمتلك نحو 3000 شركة صناعية دفاعية تعمل في جميع أراضي حلف الناتو. إذن، ما سنفعله في القمة (أنقرة) سنخصص يوماً كاملاً للصناعات الدفاعية في اليوم الأول وسترون عدداً هائلاً من العقود الجديدة ومذكرات التفاهم وخطابات النوايا بالإضافة إلى توقيع عقود ضخمة.”
وتحتل تركيا موقعًا فريدًا داخل الناتو، إذ تمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف من حيث عدد الأفراد، إلا أن أهميتها لا تقتصر على القوة البشرية. فموقعها الجغرافي يجعلها حلقة وصل بين البحر الأسود والبحر المتوسط، كما تتحكم في المضائق البحرية الحيوية وتشكل بوابة بين أوروبا وآسيا، إضافة إلى وجودها على تماس مباشر مع بؤر الأزمات في الشرق الأوسط والقوقاز والبحر الأسود، وهو ما يمنحها دورًا محوريًا في منظومة الأمن الأوروبي والأطلسي.
وخلال السنوات الأخيرة، حققت الصناعات الدفاعية التركية طفرة كبيرة اعتمدت على زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الموردين الأجانب. فقد أصبحت تركيا تنتج طائراتها المقاتلة الوطنية، والطائرات المسيّرة القتالية والاستطلاعية، والمروحيات، والدبابات، والعربات المدرعة، والصواريخ، والرادارات، وأنظمة الحرب الإلكترونية، والأقمار الصناعية، إضافة إلى السفن الحربية والزوارق والمسيرات البحرية غير المأهولة.
وأثمر هذا التوسع الصناعي عن انخفاض الاعتماد على الاستيراد في قطاع الدفاع إلى أقل من 20%، بالتوازي مع نمو سريع في صادرات الصناعات العسكرية. وتشير البيانات إلى أن قيمة الصادرات الدفاعية التركية تضاعفت أكثر من ثلاث مرات منذ عام 2021، لتصل إلى نحو 10 مليارات دولار خلال عام 2025، كان أكثر من نصفها موجهًا إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: “لا يدرك الناس مدى قوة تركيا عسكرياً، فهي قوة هائلة وتمتلك كثيرًا من معداتنا وجيشاً قوياً جداً بفضله (الرئيس التركي)”.
كما عززت أنقرة تعاونها الدفاعي مع شركائها في الحلف عبر عدد من المشاريع والصفقات المهمة. ومن أبرزها انضمامها إلى برنامج مقاتلات “يوروفايتر تايفون”، الذي يمثل نموذجًا للتعاون الصناعي والعسكري الأوروبي المشترك، ويعزز قدرات الردع الجماعي لدول الناتو.
وأعلن رئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر أن “بريطانيا ستزود تركيا بـ 20 مقاتلة ‘يوروفايتر تايفون’ جديدة مع خيار تقديم المزيد مستقبلاً، وهذا سيعزز الأمن في الناتو ويعمق تعاوننا الدفاعي الثنائي”.
وفي قطاع الطائرات المسيّرة، واصلت تركيا توسيع حضورها داخل أوروبا، بعدما اختارت دول أعضاء في الحلف، مثل بولندا وكرواتيا، اقتناء طائرات “بيرقدار TB2” لتطوير قدراتها الدفاعية ومراقبة الحدود. كما دخل التعاون مع إيطاليا مرحلة أكثر تقدمًا من خلال شراكة صناعية بين شركة “بايكار” التركية وشركة “ليوناردو” الإيطالية، بما يشمل الإنتاج والتطوير المشترك لتقنيات دفاعية متقدمة.
وعلى صعيد العلاقات مع الولايات المتحدة، طرحت أنقرة خلال قمة لاهاي الأخيرة رؤية تربط التعاون العسكري بشراكة اقتصادية أوسع، تستهدف رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 100 مليار دولار، بما يعكس رغبة الطرفين في توسيع مجالات التعاون الاستراتيجي.
ميدانيًا، راكمت القوات المسلحة التركية خبرة عملياتية واسعة خلال العقد الماضي نتيجة التحديات الأمنية على حدودها الجنوبية مع سوريا والعراق، حيث واجهت التنظيمات المسلحة، وعمليات التهريب، وموجات النزوح، كما شاركت في جهود مكافحة الإرهاب ضمن التحالف الدولي، وهو ما عزز جاهزية قواتها للعمل في بيئات معقدة ومتعددة التهديدات.
وفي ظل المتغيرات الأمنية المتسارعة، تبدو تركيا اليوم لاعبًا يصعب تجاوزه داخل الناتو، إذ تجمع بين قوة عسكرية كبيرة، وصناعة دفاعية متطورة، وخبرة عملياتية واسعة، إلى جانب موقع جغرافي يمنحها دورًا محوريًا في أمن أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود. لذلك لم تعد مكانة أنقرة داخل الحلف تقاس بعدد جنودها فقط، بل بقدرتها المتزايدة على التأثير في موازين الأمن والدفاع داخل الفضاء الأطلسي.
نشر لأول مرة على: www.defense-arabic.com
تاريخ النشر: 2026-07-11 16:52:00
الكاتب: نور الدين
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.defense-arabic.com
بتاريخ: 2026-07-11 16:52:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
