وجاء الإعلان على لسان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مؤتمر صحفي في باريس عقب اجتماع مع مجموعة الدول الداعمة لأوكرانيا، مؤكدًا أن الاتفاق يشكل جزءًا من خارطة طريق دفاعية شاملة بين باريس وكييف لمواجهة تصاعد الهجمات الجوية الروسية.
ويمثل هذا القرار مرحلة جديدة في عملية تحديث سلاح الجو الأوكراني، الذي ظل يعتمد لعقود على مقاتلات تعود إلى الحقبة السوفيتية.
ووفقًا لما أوردته Defense News يوم الثلاثاء (14 يوليو)، فإن الاتفاق بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لا يقتصر على تزويد كييف بمقاتلات رافال، بل يشمل حزمة واسعة من التعاون الدفاعي تهدف إلى تعزيز قدرات أوكرانيا في مواجهة الهجمات الجوية الروسية المتزايدة.
تدريب الطيارين وإنتاج الذخائر
يتضمن الاتفاق عددًا من البنود الرئيسية، أبرزها بدء تدريب الطيارين الأوكرانيين خلال الأشهر المقبلة، على أن تدخل أولى مقاتلات رافال الخدمة في القوات الجوية الأوكرانية بين عامي 2028 و2029.
كما ستسلم فرنسا خلال الأسابيع المقبلة الدفعة الأولى من منظومات الدفاع الجوي SAMP/T NG من الجيل الجديد، مصحوبة بصواريخ الاعتراض والرادارات الإضافية اللازمة لتشغيلها.
ولا يقتصر التعاون على توريد المعدات العسكرية، إذ وافقت باريس أيضًا على منح أوكرانيا تراخيص لإنتاج عدد من الذخائر المتقدمة محليًا، بما في ذلك أطقم القنابل الذكية AASM، وصواريخ الدفاع الجوي Aster 30، بالإضافة إلى صواريخ الكروز SCALP/Storm Shadow.
تأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه أوكرانيا نقصًا متزايدًا في صواريخ الاعتراض اللازمة للتصدي للصواريخ الباليستية الروسية، وهو ما دفع فرنسا إلى تسريع تزويد كييف بأحدث منظوماتها المضادة للصواريخ.
وبالتوازي مع الاتفاق الفرنسي، أسست أوكرانيا بالتعاون مع تسع دول شريكة، من بينها بريطانيا وألمانيا والنرويج، تحالفًا جديدًا يحمل اسم “فريا” (Freyja)، يهدف إلى تطوير منظومات دفاع جوي متقدمة مضادة للصواريخ الباليستية، تعتمد على تقنيات صواريخ الاعتراض التي تطورها شركة “فاير بوينت” Fire Point الأوكرانية.
كما يأتي اتفاق شراء 16 مقاتلة رافال استكمالًا لبرنامج تحديث سلاح الجو الأوكراني، بعدما وافقت كييف في مايو الماضي على شراء 20 مقاتلة “غريبن” Gripen جديدة من السويد، إضافة إلى تلقيها 16 مقاتلة مستعملة، إلى جانب بدء تشغيل مقاتلات إف-16 الغربية التي تسلمتها لمواجهة الطائرات المسيرة الانتحارية وصواريخ الكروز الروسية.
ويعكس هذا البرنامج طويل الأمد رغبة أوكرانيا في بناء قوة جوية حديثة وأكثر استقلالية خلال السنوات المقبلة.
هل تستطيع رافال مواجهة سو-35 الروسية؟

أثار إعلان أوكرانيا نيتها الحصول على مقاتلات رافال تساؤلات واسعة حول قدرة هذه الطائرة الفرنسية على مواجهة المقاتلة الروسية Su-35 Flanker-E، التي تعد إحدى أكثر المقاتلات الروسية تقدمًا.
وتحمل المواجهة المحتملة بين الطائرتين أهمية خاصة لأنها تعكس اختلافًا جذريًا في فلسفة التصميم العسكري بين الغرب وروسيا.
فمقاتلة سو-35 صُممت كمنصة ثقيلة تعتمد على السرعة العالية، والمدى الطويل، والقدرة الكبيرة على حمل الأسلحة، إضافة إلى المناورة الفائقة بفضل محركيها المزودين بفوهات دفع موجه، ما يمنحها قدرة على تنفيذ مناورات ما بعد الانهيار الهوائي (Post-Stall) التي تجعلها خصمًا بالغ الخطورة في الاشتباكات القريبة.
في المقابل، صممت رافال كمقاتلة متعددة المهام (Omnirole) متوسطة الحجم، تعتمد على تصميم جناح دلتا مع أسطح كانارد، وتركز فلسفتها القتالية على إنهاء الاشتباك قبل الوصول إلى القتال التلاحمي، من خلال الاستفادة من أنظمة الاستشعار والحرب الإلكترونية والأسلحة بعيدة المدى.
ويبقى تحديد أي المقاتلتين تتفوق على الأخرى مرتبطًا بعوامل عديدة، إذ لا يمكن حسم الأمر نظريًا، وإنما يتوقف على ظروف المعركة الحقيقية وطبيعة التكتيكات المستخدمة.
من المتوقع أن يؤدي دخول رافال إلى الخدمة في أوكرانيا إلى تغيير ملموس في قدرات سلاح الجو الأوكراني، غير أن أي مواجهة مع سو-35 ستكون في الأساس صدامًا بين مدرستين مختلفتين في القتال الجوي.
فرافال تمثل المدرسة الغربية التي تركز على المرونة، وأجهزة الاستشعار المتقدمة، والحجم الأصغر، في حين تجسد سو-35 العقيدة الروسية القائمة على الهيمنة الجوية باستخدام مقاتلات ثقيلة ذات مدى طويل وحمولة كبيرة وقدرات مناورة استثنائية.
الرادار وأنظمة الاستشعار
تعتمد رافال على رادار RBE2 AESA العامل بتقنية المسح الإلكتروني النشط، إلى جانب منظومة الحرب الإلكترونية سبيكترا SPECTRA، التي تمنحها قدرة عالية على كشف الأهداف مع تقليل احتمالات اكتشافها، بالإضافة إلى التشويش على رادارات الخصم.
أما سو-35 فتستخدم رادار Irbis-E PESA ذي القدرة العالية جدًا، والذي يتميز بقوة إرسال ومدى كشف كبيرين يسمحان له برصد الأهداف على مسافات بعيدة للغاية، رغم أن تقنية PESA تجعل إشاراته أسهل في الرصد بواسطة المستشعرات السلبية مقارنة برادارات AESA.
الاشتباك خلف مدى الرؤية
في معارك BVR (خلف مدى الرؤية)، يمتلك كل طرف سلاحًا رئيسيًا يمنحه ميزة مهمة.
فرافال تعتمد على صاروخ Meteor العامل بمحرك نفاث ضاغط (Ramjet)، والذي يتميز بمنطقة قتل واسعة وقدرته على الاحتفاظ بسرعته العالية حتى المرحلة النهائية من الهجوم.
أما سو-35 فتعتمد على الصاروخ الروسي بعيد المدى R-37M، الذي يصل مداه إلى نحو 300 كيلومتر، وهو مدى يتجاوز معظم الصواريخ الغربية.
ورغم أن المقطع الراداري المنخفض لرافال ومنظومة SPECTRA قد يصعبان عملية استهدافها، فإن السرعة العالية والرأس الحربي الكبير لصواريخ سو-35 يظلان يمثلان تهديدًا دائمًا يجبر طيار رافال على تنفيذ مناورات دفاعية مستمرة.
الاشتباك القريب
إذا انتقلت المعركة إلى الاشتباك التلاحمي، فإن الأفضلية تميل إلى سو-35 بفضل قدرتها الفائقة على المناورة وتنفيذ حركات ما بعد الانهيار الهوائي، ما يسمح للطيار الروسي بتوجيه مقدمة الطائرة بسرعة نحو الخصم والحصول على أفضلية في الاشتباك البصري.
ورغم أن العقيدة الجوية الحديثة تسعى إلى حسم المعركة قبل الوصول إلى هذا النوع من الاشتباكات، فإن قدرات سو-35 في المناورة تظل عنصرًا مهمًا يمنحها أفضلية تكتيكية يصعب تجاهلها.
التحدي الحقيقي أمام أوكرانيا
بعيدًا عن المقارنات التقنية، فإن تشغيل أسطول جديد بالكامل من مقاتلات رافال يمثل تحديًا كبيرًا لأوكرانيا، إذ يتطلب استثمارات ضخمة في التدريب، والبنية اللوجستية، وتأهيل الطيارين وأطقم الصيانة، خاصة في ظل استمرار الحرب.
وفي النهاية، لن تتحدد فعالية رافال فقط بما تمتلكه من تقنيات متقدمة، بل بمدى نجاح أوكرانيا في دمج هذا العدد المحدود من المقاتلات ضمن منظومة قتالية متكاملة، في مواجهة أسطول روسي يمتلك خبرة تشغيلية أكبر وأعدادًا أكبر من مقاتلات سو-35.
كما يبقى مستوى تدريب الطيارين، وساعات الطيران، والقدرة على استغلال أنظمة الطائرة وأسلحتها، من أهم العوامل التي قد تحسم أي مواجهة جوية مستقبلية.
وفي النهاية، تبقى جميع هذه المقارنات نظرية، إذ إن نتائج المعارك الجوية لا تُحسم بالمواصفات الفنية وحدها، بل تتأثر بعوامل عديدة مثل التكتيكات، والقيادة، والاستخبارات، والظروف الميدانية، تمامًا كما تشهد البطولات الرياضية الكبرى مفاجآت تتغلب فيها الفرق الأقل ترشيحًا على منافسين كانوا يُعدّون الأوفر حظًا للفوز.
المصدر الأصلي: www.defense-arabic.com
