سر قوة منظومة إس-400.. شبكة الرادارات هي السلاح الحقيقي للمنظومة الروسية في مواجهة الطائرات الشبحية والأهداف الجوية

موقع الدفاع العربي – 20 يوليو 2026: لا تُقاس قوة أنظمة الدفاع الجوي الحديثة بسرعة صواريخها فقط، بل تعتمد بدرجة كبيرة على كفاءة منظومة الرصد والاستشعار التي تكتشف التهديدات قبل وصولها. ولهذا تُعد منظومة الدفاع الجوي الروسية “إس-400 تريومف” (S-400 Triumf) واحدة من أكثر الأنظمة تطورًا، بفضل قدرتها على إنشاء مظلة دفاعية متعددة الطبقات يصعب اختراقها.

ولا يكمن سر قوة المنظومة في امتلاكها رادارًا واحدًا عملاقًا، بل في اعتمادها على شبكة من عربات الرادار المتخصصة، حيث تؤدي كل منها مهمة مختلفة ضمن منظومة متكاملة تعمل بصورة متزامنة.

وقد صُممت منظومة إس-400 وفق مفهوم اللامركزية، بحيث تستطيع التعامل مع طيف واسع من التهديدات، بدءًا من المقاتلات الشبحية مرورًا بالصواريخ المجنحة ووصولًا إلى الطائرات المسيّرة الصغيرة. ويستخدم كل رادار نطاقًا تردديًا مختلفًا، ما يسمح برصد أهداف متنوعة على ارتفاعات ومسافات مختلفة.

ويمنح هذا التصميم المنظومة قدرة كبيرة على مقاومة الحرب الإلكترونية والتشويش الإلكتروني، إذ إن الاعتماد على رادار واحد يبث إشاراته باستمرار يجعله هدفًا سهلًا لصواريخ مضادة للإشعاع، بينما توزع إس-400 مهام البحث والتتبع والتوجيه والقيادة على عدة مركبات منفصلة تعمل بتنسيق كامل داخل الكتيبة القتالية.

شبكة الرادارات في إس-400

تبدأ عملية الكشف بواسطة رادار 91N6E “Big Bird”، وهو رادار استطلاع بعيد المدى يعمل في نطاق L-band المعروف بقدرته على تغطية مساحات واسعة والعمل بكفاءة في مختلف الظروف الجوية.

رادار 91N6E “Big Bird” العامل مع منظومة إس-400

وتتمثل مهمته في إجراء المسح البعيد واكتشاف الأهداف حتى مسافة تصل إلى 600 كيلومتر، مع القدرة على تتبع نحو 300 هدف في وقت واحد، إضافة إلى تمتعه بمقاومة عالية للتشويش الإلكتروني.

وبعد اكتشاف الأهداف، تنتقل المهمة إلى رادار 92N6E “Grave Stone” متعدد الوظائف، العامل في نطاق X-band عالي الدقة، والذي يتولى تثبيت الأهداف وتوجيه الصواريخ نحوها.

ويبلغ مدى هذا الرادار نحو 400 كيلومتر، ويمكنه الاشتباك مع 36 هدفًا في الوقت نفسه، مع توجيه ما يصل إلى 72 صاروخًا بصورة متزامنة.

وتُستكمل شبكة الرصد بواسطة رادار 96L6E للكشف على جميع الارتفاعات، العامل في نطاق S-band، والذي يصل مداه إلى 300 كيلومتر، ويتميز بقدرته على اكتشاف الأهداف التي تحلق على ارتفاعات منخفضة جدًا أو مرتفعة للغاية، ما يجعله فعالًا في المناطق الجبلية وقادرًا على رصد الأهداف ذات المقطع الراداري الصغير.

وتنتقل البيانات القادمة من هذه الرادارات الثلاثة بصورة فورية إلى مركز القيادة 55K6E، الذي يمثل العقل الإلكتروني للمنظومة، حيث يقوم بدمج المعلومات وتحليلها وتقييم مستوى التهديد، ثم توزيع الأهداف تلقائيًا على بطاريات الصواريخ الأكثر جاهزية للاعتراض.

رادار 96L6E

كيف تتعامل المنظومة مع الطائرات الشبحية؟

لا تعمل رادارات إس-400 بصورة منفصلة، بل تعتمد على تنسيق متواصل فيما بينها، مع استخدام تقنية Frequency Hopping التي تقوم بتغيير الترددات بسرعة كبيرة، إلى جانب أنماط نبضات عشوائية، بما يصعب على أنظمة الاستطلاع الإلكترونية المعادية تحديد مواقع الرادارات بدقة.

كما تستفيد المنظومة من توزيع راداراتها جغرافيًا، بحيث تستطيع كشف الطائرات الشبحية من زوايا متعددة، بدلًا من الاعتماد على المواجهة المباشرة فقط. فبينما تُصمم معظم الطائرات الشبحية لتقليل بصمتها الرادارية أمام الرادارات الأمامية، فإن تعرضها للإضاءة الرادارية من اتجاهات مختلفة باستخدام نطاقات L-band وX-band يزيد من احتمالية اكتشافها.

وتوفر هذه البنية أيضًا قدرة كبيرة على مقاومة التشويش الإلكتروني، إذ حتى في حال تعرض رادار التوجيه العامل في نطاق X-band للتشويش، يستطيع مركز القيادة الاستمرار في تحديث بيانات الهدف اعتمادًا على المعلومات الواردة من رادارات L-band أو S-band الموجودة في مواقع أخرى، ما يحافظ على دقة توجيه الصواريخ.

وبفضل هذا التكامل بين الرادارات، نجحت إس-400 في بناء شبكة كشف مرنة وقادرة على التكيف مع مختلف التهديدات، وهو ما جعل مفهوم الرادارات المتعددة أحد أبرز معايير الدفاع الجوي الحديثة.

لماذا تنجح بعض الهجمات في اختراق إس-400؟

القوات الأوكرانية تدمر نظام الرادار الروسي 92N6E التابع لنظام إس-400 “تريومف”

ورغم القدرات الكبيرة للمنظومة، فإن الحرب في أوكرانيا أظهرت أن إس-400 تعرضت في أكثر من مناسبة لاختراقات بواسطة طائرات مسيّرة بعيدة المدى، ما يؤكد أن أي نظام دفاع جوي، مهما بلغت إمكاناته، لا يمكنه توفير حماية مطلقة في ظروف القتال الفعلية.

ويرى مراقبون أن أحد أكبر التحديات يتمثل في المساحة الشاسعة للأراضي الروسية، والتي تجعل من الصعب تغطية المجال الجوي بالكامل. فحتى مع وجود منظومات متطورة، تبقى هناك فجوات في التغطية الرادارية يمكن استغلالها إذا لم يكن عدد البطاريات المنتشرة كافيًا.

كما تستفيد الطائرات المسيّرة من القيود الطبيعية التي تواجهها الرادارات بعيدة المدى، إذ تؤدي انحناءات سطح الأرض والتضاريس، مثل التلال والغابات والوديان، إلى ظهور مناطق عمياء لا تستطيع الرادارات مراقبتها بصورة كاملة.

ولهذا غالبًا ما تحلق المسيّرات الأوكرانية على ارتفاعات منخفضة عبر الوديان والممرات الطبيعية لتجنب الكشف، ولا تُرصد إلا عندما تصبح قريبة جدًا من أهدافها، وهو ما يقلص زمن رد الفعل أمام الدفاعات الجوية.

ويضاف إلى ذلك أن كثيرًا من الطائرات المسيّرة الحديثة تُصنع من مواد مركبة أو بلاستيكية ذات مقطع راداري منخفض للغاية، ما يجعل إشاراتها المرتدة ضعيفة وقد تُفسر أحيانًا على أنها تشويش طبيعي أو حتى أسراب طيور.

كما تعتمد أوكرانيا في بعض العمليات على تكتيك الهجوم المشبع، عبر إطلاق عشرات المسيّرات الرخيصة في وقت واحد ومن اتجاهات متعددة، بهدف إرهاق منظومة القيادة والسيطرة واستنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية.

وفي النهاية، تؤكد الحرب في أوكرانيا أن التكامل المتقدم لرادارات إس-400 لا يغني عن وجود أنظمة دفاع جوي قصيرة المدى (SHORAD) لحماية المنظومة من التهديدات القريبة والمنخفضة. كما تُبرز المعارك الحديثة أن حسن توظيف التكتيكات الميدانية لا يقل أهمية عن امتلاك أحدث التقنيات العسكرية.


المصدر الأصلي: www.defense-arabic.com

Exit mobile version