

موقع الدفاع العربي – 21 يوليو 2026: عادت مقاتلات رافال الفرنسية إلى واجهة المشهد العسكري في المغرب بعد نحو عشرين عاماً من انهيار الصفقة الأولى، وذلك على خلفية تقارير إعلامية تحدثت عن مفاوضات متقدمة بين الرباط وباريس لاقتناء ما بين 12 و18 مقاتلة من النسخة الأحدث “رافال إف4” (Rafale F4)، مع احتمال بدء عمليات التسليم خلال عامي 2030 و2031. ورغم عدم صدور أي إعلان رسمي من الحكومتين، فإن هذه الأنباء تعكس تحولاً لافتاً في العلاقات بين البلدين، وتعيد فتح ملف ظل رمزاً لإحدى أكبر الإخفاقات التصديرية للصناعة العسكرية الفرنسية.
وتأتي هذه التطورات في سياق التقارب السياسي الذي شهدته العلاقات المغربية الفرنسية خلال العامين الماضيين، بعد سنوات من التوتر الدبلوماسي. فقد أسهم إعلان البلدين إقامة “شراكة استثنائية معززة”، في توفير بيئة سياسية أكثر ملاءمة لإحياء مشاريع التعاون الاستراتيجي، وفي مقدمتها التعاون الدفاعي.
ولا تقتصر أهمية الصفقة المحتملة على تحديث أسطول القوات الجوية الملكية المغربية، بل تحمل أيضاً بعداً سياسياً واستراتيجياً، إذ إن عقود المقاتلات الحديثة تمتد لعقود وتشمل التدريب والصيانة والتحديث المستمر ونقل الخبرات، ما يجعلها مؤشراً على مستوى الثقة بين الدولتين أكثر من كونها مجرد عملية شراء عسكرية.
وتعود جذور القصة إلى عام 2007 عندما كانت فرنسا تراهن على المغرب ليكون أول زبون أجنبي لمقاتلة “رافال”. لكن المفاوضات تعثرت بسبب تعقيدات تتعلق بالتمويل وغياب عرض فرنسي متكامل، إلى جانب ضعف التنسيق بين الجهات الحكومية وشركة “داسو”. وفي المقابل، نجحت الولايات المتحدة في تقديم عرض أكثر جاذبية عبر برنامج المبيعات العسكرية الخارجية، تضمن الطائرات والتسليح والتدريب والدعم اللوجستي ضمن حزمة واحدة، وهو ما دفع المغرب إلى اختيار مقاتلات إف-16 الأمريكية.


ومنذ ذلك الحين، أصبحت “إف-16” العمود الفقري لسلاح الجو المغربي، قبل أن تحصل الرباط لاحقاً على موافقة لاقتناء مقاتلات “إف-16 بلوك 70/72” (F-16 Block 70/72)، إضافة إلى برنامج لتحديث الطائرات الموجودة إلى معيار قريب من F-16V، ما عزز الشراكة العسكرية مع الولايات المتحدة.
لكن المشهد تغير كثيراً خلال العقدين الماضيين. فمقاتلة “رافال” التي كانت تبحث آنذاك عن أول عقد تصدير، أصبحت اليوم واحدة من أنجح المقاتلات متعددة المهام في العالم، بعدما دخلت الخدمة لدى عدد من الدول، من بينها مصر وقطر والهند واليونان والإمارات وإندونيسيا، كما راكمت مئات الطلبيات التي جعلت خطوط إنتاجها ممتلئة لسنوات قادمة.
وتتميز النسخة F4 بقدرات متقدمة في مجالات الحرب الإلكترونية، والاتصالات، وتبادل البيانات، والقتال الشبكي، إضافة إلى تحسينات كبيرة في أجهزة الاستشعار والتسليح، وهو ما يجعلها أكثر قدرة على العمل ضمن منظومات قيادة وسيطرة حديثة، وليس مجرد تنفيذ مهام الاعتراض والهجوم التقليدية.
وتشير التقارير إلى أن المحادثات لا تقتصر على المقاتلات فقط، بل قد تشمل أيضاً طائرات التزود بالوقود جواً A330 MRTT وغواصات سكوربين Scorpène الفرنسية، وهو ما يوحي بأن الجانبين يناقشان إطاراً أوسع للتعاون الدفاعي قد يشمل نقل التكنولوجيا والتدريب والتعاون الصناعي، وليس مجرد شراء معدات عسكرية.
وفي حال إتمام الصفقة، فمن غير المتوقع أن تحل “رافال” محل مقاتلات “إف-16″، بل ستشكل إضافة جديدة إلى القوة الجوية المغربية في إطار سياسة تنويع مصادر التسليح وعدم الاعتماد على مورد واحد. ورغم أن تشغيل أسطولين من منشأين مختلفين يفرض تحديات لوجستية وفنية، فإنه يمنح المغرب مرونة أكبر على المستويين العسكري والسياسي.
كما تكتسب هذه الخطوة بعداً إقليمياً في ظل استمرار سباق التسلح في منطقة المغرب العربي، حيث تواصل الجزائر تحديث قواتها الجوية ومنظومات دفاعها الجوي. ومع ذلك، فإن امتلاك “رافال” وحده لن يغير موازين القوى، إذ تبقى فعالية أي قوة جوية مرتبطة بمنظومة متكاملة تشمل الذخائر، والدفاع الجوي، والإنذار المبكر، والتدريب، والقدرة على تشغيل وصيانة الأسطول بكفاءة.
وإذا ما كُتب لهذه الصفقة أن ترى النور، فإنها لن تمثل مجرد شراء مقاتلات جديدة، بل ستغلق فصلاً بدأ قبل نحو عشرين عاماً عندما خسرت فرنسا أول فرصة لتصدير “رافال”، لتعود اليوم إلى المغرب في ظروف سياسية وعسكرية مختلفة تماماً، بعد أن أصبحت الطائرة نفسها إحدى أبرز قصص النجاح في صناعة الطيران العسكري الأوروبية.


أي نسخة من مقاتلات “رافال” سيحصل عليها المغرب؟
أعادت التقارير الأخيرة التي تحدثت عن مفاوضات متقدمة بين المغرب وفرنسا لاقتناء مقاتلات “رافال” طرح سؤال مهم: أي نسخة ستنضم إلى القوات الجوية الملكية المغربية إذا أُبرمت الصفقة؟ وتشير جميع المعطيات المتداولة إلى أن الرباط تستهدف الحصول على النسخة رافال F4، وهي أحدث معيار تشغيلي متاح للتصدير حالياً، وليس النسخ الأقدم التي دخلت الخدمة لدى عدد من الدول خلال السنوات الماضية.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تختلف فيه مقاتلة “رافال” بشكل كبير عن الطائرة التي كانت معروضة على المغرب عام 2007، عندما خسرت فرنسا الصفقة لصالح المقاتلة الأمريكية F-16. فخلال العقدين الماضيين خضعت الطائرة الفرنسية لسلسلة واسعة من التطويرات، جعلتها واحدة من أكثر المقاتلات متعددة المهام تطوراً في العالم.
وتعد رافال F4 نقلة نوعية مقارنة بمعيار F3R، إذ ركزت شركة “داسو” الفرنسية على تعزيز مفهوم القتال الشبكي، عبر تحسين أنظمة تبادل البيانات والاتصالات بين الطائرة وبقية عناصر القوة الجوية، بما في ذلك الطائرات الأخرى، ومنظومات الدفاع الجوي، والطائرات المسيرة، ومراكز القيادة والسيطرة. ويمنح ذلك الطيار صورة عملياتية أكثر شمولاً، ويزيد من سرعة اتخاذ القرار أثناء المعارك.
كما تتضمن النسخة الجديدة تحديثات واسعة لأنظمة الحرب الإلكترونية، وعلى رأسها منظومة سبيكترا SPECTRA، التي توفر قدرات متقدمة في كشف التهديدات والتشويش عليها، إلى جانب تحسينات في الرادار RBE2 AESA وأجهزة الاستشعار، ما يرفع من قدرة الطائرة على اكتشاف الأهداف الجوية والبرية والبحرية وتتبعها في بيئات قتالية معقدة.
ومن أبرز مزايا معيار F4 أيضاً توسيع خيارات التسليح، حيث يستطيع دمج أحدث الذخائر والصواريخ الفرنسية، بما في ذلك صاروخ Meteor بعيد المدى للقتال الجوي، وصواريخ MICA NG من الجيل الجديد، إضافة إلى صاروخ الكروز SCALP-EG للهجمات بعيدة المدى، وصاروخ Exocet المضاد للسفن، فضلاً عن القنابل الذكية الموجهة من مختلف الأنواع.
وتتميز النسخة الجديدة كذلك بتحسينات في الصيانة والدعم الفني، إذ تعتمد على نظام صيانة تنبؤية يستخدم تحليل البيانات لمراقبة حالة الطائرة وتقليل فترات التوقف، وهو ما يسهم في رفع الجاهزية العملياتية وخفض تكاليف التشغيل على المدى الطويل.
ورغم أن فرنسا تعمل حالياً على تطوير معيار رافال F5، فإن هذا الإصدار لا يزال قيد التطوير، ومن المتوقع أن يدخل الخدمة خلال العقد المقبل، مع تركيزه على العمل المشترك مع الطائرات المسيرة القتالية والذكاء الاصطناعي وقدرات الحرب الشبكية المتقدمة. لذلك، فإن أي طلبية مغربية خلال السنوات الحالية ستكون على الأرجح وفق معيار F4، مع إمكانية ترقيتها لاحقاً إلى F5 عندما يصبح متاحاً.
وفي حال إتمام الصفقة، سيحصل المغرب على واحدة من أحدث نسخ المقاتلة الفرنسية، ما يمنحه قدرات متقدمة في القتال الجوي والهجوم الدقيق والاستطلاع والحرب الإلكترونية، ويعزز سياسة الرباط القائمة على تنويع مصادر التسليح، إلى جانب أسطولها الحالي من مقاتلات F-16 الأمريكية. ومن شأن ذلك أن يوفر للقوات الجوية الملكية مرونة عملياتية أكبر، مع الاستفادة من أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا الفرنسية في مجال الطيران العسكري.
المصدر الأصلي: www.defense-arabic.com



