الدفاع والامن

بعد سو-57.. موسكو تقدم لهذه الدولة عرضًا عسكريًا أكثر طموحًا بتقنيات إس-500

bbcorp

موقع الدفاع العربي – 24 يوليو 2026: يبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يراهن بقوة على تعزيز الشراكة الدفاعية مع الدول الحليفة، لكن هذه المرة لا يقتصر العرض الروسي على المقاتلات الشبحية. فبعد أن عرضت موسكو الشهر الماضي على نيودلهي مقاتلة سو-57 مع إمكانية تصنيعها بشكل مشترك داخل الهند، تشير تقارير جديدة إلى أن روسيا تقدمت بعرض أكثر طموحًا يتمثل في التطوير المشترك لتقنيات مستندة إلى منظومة إس-500، إحدى أكثر منظومات الدفاع الجوي والصاروخي تطورًا في العالم.

ولا يتعلق الأمر بمنظومة إس-400 التي تمتلكها الهند بالفعل، بل بمنظومة إس-500 المصممة ليس فقط لاعتراض المقاتلات والصواريخ الباليستية، وإنما أيضًا للتعامل مع الأهداف التي تعمل عند حافة الفضاء. ووفقًا للتقارير، ترغب موسكو في تكييف هذه التكنولوجيا لخدمة مشروع الهند “سودارشان شاكرا” (Sudarshan Chakra)، الذي يهدف إلى إنشاء درع دفاعي متعدد الطبقات قادر على مواجهة التهديدات المستقبلية.

ويثير هذا العرض عدة تساؤلات، أبرزها: ماذا ستجني الهند من هذه الشراكة؟ وهل تمثل قفزة تكنولوجية حقيقية لصناعاتها الدفاعية، أم أنها مجرد استمرار للاعتماد على الأسلحة الروسية ولكن تحت مسمى “التطوير المشترك”؟ كما يطرح تساؤلًا آخر حول ما إذا كانت الهند قادرة بالفعل على بناء درع دفاعي قادر على التصدي للتهديدات القادمة من الصين وباكستان بحلول عام 2035.

وبحسب تقرير نشره موقع Indian Defense Research Wing (IDRW)، اقترحت روسيا التعاون مع الهند في تطوير تقنيات مستندة إلى منظومة إس-500 خصيصًا لمشروع Sudarshan Chakra. إلا أن هناك فارقًا مهمًا في طبيعة العرض؛ فروسيا لا تعرض بيع منظومة إس-500 جاهزة، وإنما تقترح تطويرًا مشتركًا يشمل التصميم المشترك، وإمكانية نقل التكنولوجيا، ثم الإنتاج المشترك داخل الهند.

ويشبه هذا النموذج إلى حد كبير برنامج براهموس (BrahMos)، الذي شهد تطويرًا وإنتاجًا مشتركًا بين الهند وروسيا، بدلًا من الاكتفاء باستيراد منصة روسية جاهزة.

ومن الجانب الروسي، قد تكون هناك أسباب عملية وراء هذا العرض. فالصناعة الدفاعية الروسية تواجه ضغوطًا كبيرة نتيجة الحرب في أوكرانيا، إذ تفرض الاحتياجات العسكرية المحلية أعباءً ضخمة، كما أدت العقوبات الغربية إلى تعقيد الحصول على المكونات والتمويل، فضلًا عن تضييق أسواق التصدير. ومن خلال التطوير المشترك، تستطيع موسكو الحفاظ على شراكتها الدفاعية مع الهند دون الحاجة إلى تخصيص أعداد كبيرة من المنظومات التشغيلية لقواتها المسلحة.

أما بالنسبة للهند، فإن هذه الشراكة قد تفتح الباب أمام الحصول على تقنيات لم تكن جزءًا من منظومتها الوطنية للدفاع الجوي من قبل، وهو ما قد يمثل إضافة نوعية إلى منظومتها الدفاعية المحلية.

منظومة الدفاع الجوي والصاروخي الروسية إس-500 «بروميثي»

وتبرز هنا الفوارق الأساسية بين منظومتي إس-400 وإس-500. فـ إس-400 تُعد بالفعل من أكثر أنظمة الدفاع الجوي بعيدة المدى كفاءة في العالم، إذ تستطيع اعتراض الطائرات والصواريخ الجوالة والصواريخ الباليستية. أما إس-500 فتتجاوز هذه القدرات بشكل كبير، إذ صُممت – بحسب التقارير – لاعتراض الأسلحة فرط الصوتية، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والطائرات الشبحية، وحتى الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض.

وبذلك، لا تُعد إس-500 مجرد منظومة دفاع جوي، بل تدخل أيضًا في نطاق الدفاع الفضائي. وتشير التقارير إلى أن ارتفاع الاشتباك يصل إلى نحو 200 كيلومتر، ما يسمح لها باستهداف أجسام تحلق على ارتفاعات تتجاوز بكثير نطاق عمل الطائرات المقاتلة التقليدية.

وبعبارة مبسطة، إذا كانت إس-400 تؤمن المجال الجوي، فإن إس-500 تمتد مهمتها إلى حماية الفضاء القريب فوقه، وهي قدرة لا تعمل على تطويرها سوى قلة من الدول في الوقت الراهن.

ويأتي هذا التوجه في وقت يشهد فيه محيط الهند الأمني تغيرات متسارعة. فباكستان تواصل توسيع قدراتها في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، بينما تستثمر الصين بكثافة في تطوير الأسلحة فرط الصوتية، والصواريخ الباليستية المتقدمة، إضافة إلى تحديث قدراتها الجوية بصورة متواصلة.

صواريخ “واي جيه-20” (YJ-20) فرط الصوتية الباليستية التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني في ميدان تيانانمن خلال عرض عسكري أقيم في بكين في 3 سبتمبر/أيلول. المصور: كيلاي شين/بلومبيرغ

وفي ظل هذه البيئة الأمنية، لم يعد الاعتماد على طبقة اعتراض واحدة كافيًا، وهو ما يفسر إطلاق مشروع Sudarshan Chakra. ويقوم المشروع على إنشاء درع دفاعي متعدد الطبقات، بحيث تتولى كل طبقة مواجهة نوع محدد من التهديدات؛ فهناك طبقة مخصصة للطائرات المسيّرة، وأخرى للطائرات المقاتلة، وثالثة للصواريخ الباليستية، وصولًا إلى طبقة عليا قادرة على التعامل مع أكثر التهديدات تعقيدًا وبعيدة المدى، وكذلك التهديدات التي تعمل في الفضاء القريب.

وتضم هذه المنظومة بالفعل منظومات إس-400 الروسية، إلى جانب منظومة أكاش Akash الهندية، بالإضافة إلى مشروع كوشا Kusha، وهو برنامج دفاع جوي بعيد المدى يجري تطويره محليًا في إطار مبادرة “صنع في الهند”. وفي حال نجاح التعاون مع روسيا، فقد تصبح التكنولوجيا المستندة إلى إس-500 أعلى طبقة في هذه الشبكة الدفاعية المتكاملة، التي تستهدف إنشاء درع وطني شامل بحلول عام 2035.

ومع ذلك، يثير هذا العرض نقاشًا واسعًا داخل الهند، إذ سبق أن تلقت نيودلهي وعودًا عديدة بشأن نقل التكنولوجيا. ورغم جاذبية مفهوم “التطوير المشترك”، يبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى ستنتقل التكنولوجيا فعلًا؟ وهل ستحصل الهند على قدرات تصميم وتطوير حقيقية، أم سيقتصر دورها على تجميع التكنولوجيا الروسية داخل مصانعها؟

ويأتي هذا الجدل في ظل حقيقة أن أكثر أنظمة الدفاع الجوي الهندية تطورًا لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على التكنولوجيا الروسية، في حين أن مشروع Kusha لم يكتمل تطويره بعد. ولذلك يرى منتقدو الصفقة أن أي شراكة جديدة مع موسكو قد تؤدي إلى تعميق الاعتماد الهندي على روسيا.

في المقابل، يرى مؤيدو التعاون أن تجربة براهموس تثبت أن التطوير المشترك يمكن أن يؤدي إلى بناء قدرات تصنيع وخبرات هندسية هندية، وربما يفتح المجال مستقبلًا أمام صادرات دفاعية هندية، وهو النموذج الذي يتطلع كثيرون إلى تكراره مع تقنيات إس-500.

لا يتعلق الأمر بمجرد شراء منظومة صاروخية جديدة، بل باتخاذ قرار استراتيجي بشأن الطريقة التي ترغب الهند في بناء الجيل المقبل من قدراتها الدفاعية من خلالها. فبالنسبة لروسيا، تظل الهند أحد أهم شركائها الاستراتيجيين في وقت تراجعت فيه الأسواق الغربية أمام صادراتها الدفاعية. أما بالنسبة للهند، فإن الفرصة قد تتجاوز مجرد الحصول على سلاح جديد، لتشمل اكتساب خبرات في تقنيات قد ترسم ملامح الحروب المستقبلية، بدءًا من اعتراض الأسلحة فرط الصوتية ووصولًا إلى الدفاع عن الفضاء القريب. وفي النهاية، يبقى أقوى درع دفاعي ليس ذلك الذي يتم استيراده، بل الذي تستطيع الدولة تطويره وبناؤه بنفسها.


المصدر الأصلي: www.defense-arabic.com

مقالات ذات صلة