تصدر المقترح الأميركي، الذي يسوق له ويطرحه مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، المشهد السياسي والأمني في ليبيا، بعد حالة من الزخم الدولي والمحلي، وردود فعل تراوحت بين التأييد والمعارضة والتحفظ.
ويتلخص مقترح رجل الأعمال اللبناني الأميركي، مسعد بولس، في ثلاثة محاور: سياسي، يتمثل في توحيد الحكومة وتعيين مجلس رئاسي جديد؛ وعسكري، يقوم على توحيد المؤسسة العسكرية الليبية بين قوات الشرق والغرب؛ ومالي، يشمل توحيد ميزانية الدولة ومؤسساتها الاقتصادية.
وانحصر تركيز المسؤول الأميركي على الطرفين الأكثر نفوذا في المشهد السياسي والعسكري الليبي، وهما: معسكر الشرق الليبي، الذي يمثله ويقوده نائب القائد العام للقيادة العامة، الفريق صدام خليفة حفتر، ومعسكر الغرب الليبي، الذي تمثله حكومة الوحدة الوطنية برئاسة رجل الأعمال الليبي عبدالحميد الدبيبة، ولا سيما مستشاره وقريبه إبراهيم الدبيبة، ووزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي.
ورغم أن المقترح الأميركي لم يدون في وثيقة رسمية، ولم يطرح في صورة خطة تتضمن جدولا زمنيا أو مواعيد محددة للوصول إلى الانتخابات، فإن التحشيد له والتسويق السياسي والإعلامي له يهيمنان حاليا على المشهد السياسي والأمني.
والمتابع للشأن الليبي يجد أن واشنطن تمسك بزمام المشهد في ليبيا سياسيا وعسكريا منذ أكثر من عام، وأن حضورها بات لافتا، متجاوزا أدوار معظم الفاعلين الإقليميين، بل وحتى دور بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.
وجاءت مبادرة بولس لتؤكد هذا الحضور الأميركي اللافت، خاصة أن الإدارة الأميركية الحالية تسعى بقوة إلى تثبيت أقدامها في عدد من الملفات الإفريقية، ومنها ملف شمال إفريقيا، وفي القلب منه ليبيا والسودان. وما عزز الثقة في الدور الأميركي، وتفضيله على غيره من الأدوار الراهنة، هو نجاح إدارة ترمب في معالجة عدة مسارات؛ سياسيا، طرحت خطة لتوحيد المؤسسات والحكومة، حتى وإن كانت تفتقر إلى محاور واضحة أو جدول زمني أو حديث عن الانتخابات. واقتصاديا، أسهمت بقوة في توحيد مصرف ليبيا المركزي، والدفع نحو تبني ميزانية موحدة للدولة. وعسكريا، نجحت في الجمع بين قوات الشرق والغرب في مناورات وتدريبات مشتركة، وتنظيم لقاءات جمعت أطراف النزاع الأمني لأول مرة منذ سنوات.
ويأتي التحرك الأميركي، المتمثل في مقترح بولس، في توقيت تمر فيه ليبيا بحالة من الفوضى السياسية، خاصة بعد إعلان تشكيل حكومتين في الخارج؛ الأولى أعلنها ناشط يدعى مصطفى المجدوب، ونصب نفسه رئيسا للمجلس الرئاسي للحكومة الانتقالية، ولم يمر أسبوع حتى أعلن ناشط آخر، يدعى سعيد قدارة، تشكيل حكومة رابعة تحت مسمى “حكومة الطوارئ الوطنية”.
كما جاء التحرك من قبل بولس وإدارة ترمب في توقيت انطلقت فيه احتجاجات واسعة داخل العاصمة الليبية طرابلس، بدأت بمطالب خدمية، وانتهت بمطالب سياسية، من بينها إقالة الحكومة الحالية وإبعادها عن المشهد تماما. كما رفع بعض المحتجين شعارات ترفض مقترح بولس وتقاسم السلطة بين حفتر والدبيبة، ما يشير إلى اتساع دائرة الرفض المحلي للمقترح، أفقيا ورأسيا، خاصة بعد رفضه من جانب عدد من الأحزاب والقوى المدنية، وبعض الشخصيات السياسية في مدينة مصراتة، مسقط رأس الدبيبة.
لكن، رغم هذه الحالة من السيولة السياسية والأمنية، واستمرار الاحتجاجات، تشهد الساحة نشاطا مكثفا يقوده كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، بهدف حشد موقف إقليمي داعم لخطته في ليبيا. وركز هذه التحركات على مصر وتركيا، وأجرى عدة اتصالات مع وزير الخارجية المصري، كما زار القاهرة، والتقى الوزير المصري، وكذلك الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، للتسويق لمبادرته.
لكن وزير الخارجية المصري أكد أن رؤية بلاده للحل في ليبيا تقوم على أن يكون الحل “ليبيا-ليبيا”، وأن يكون الهدف النهائي لأي مبادرة هو إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، مع ضرورة إخراج المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا قبل أي عملية انتخابية، وهو ما يعني، ضمنيا، وجود تحفظ مصري على مبادرة بولس، لعدم تضمينها أيا من هذه المحاور.
وأكمل مسار التسويق والتحشيد وفد من الكونغرس الأميركي، عبر زيارته الأولى إلى ليبيا، حيث عقد اجتماعات في شرق البلاد اقتصرت على الفريق صدام حفتر، وأخيه رئيس أركان القوات البرية، الفريق خالد حفتر، ثم انتقل الوفد إلى الغرب الليبي، وتحديدا إلى مدينة مصراتة، واقتصر اللقاء على وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية، الفريق عبدالسلام زوبي، بما يحمل رسالة مفادها أن هذه الأطراف وحدها هي التي يمكن الرهان عليها والوثوق بها أميركيا، خاصة أن الوفد تجاوز خلال زيارته مجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة، والمجلس الرئاسي، بما يوحي بأن الحل، من وجهة نظره، بات محصورا بين القادة العسكريين الأكثر نفوذا.
ولم يكن التحشيد مقتصرا على بولس، إذ سعت الأطراف الليبية أيضا إلى إقناع القوى الإقليمية الفاعلة، ولا سيما مصر وتركيا، بضرورة دعم الخطة الأميركية، باعتبارها الحل الأنسب في المرحلة الحالية. وتمثل ذلك في زيارة، هي الأولى من نوعها، لوكيل وزارة الدفاع في طرابلس، عبدالسلام زوبي، إلى مصر، وعقده اجتماعا مع رئيس المخابرات العامة المصرية، اللواء حسن رشاد.
كما أسهم معسكر الشرق الليبي في هذا التحشيد، من خلال زيارة قام بها نائب القائد العام في شرق ليبيا، الفريق صدام حفتر، إلى تركيا، حيث عقد اجتماعات مع وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، لبحث آخر تطورات المشهد الليبي، ودور تركيا في دعم الاستقرار.
وفي ليبيا حاليا ثلاث مبادرات مطروحة رسميا، تحمل جميعها شعار “حل الأزمة الليبية”.
الأولى: خارطة الطريق التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، وتتلخص في عقد حوار موسع مع جميع الأطراف، ثم تعديل القوانين الانتخابية محل الخلاف، وصولا إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.
الثانية: مبادرة “الرئاسات الثلاث”، التي طرحها كل من المجلس الرئاسي، ومجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة، وهي تستند إلى مخرجات لقاء الرؤساء الثلاثة في القاهرة خلال مارس (آذار) 2024، وتشمل الاستفتاء على الدستور، وتعديل القوانين الانتخابية، وصولا إلى إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية متزامنة في عام 2027.
الثالثة: مقترح بولس، ويشمل تشكيل حكومة موحدة ومجلس رئاسي جديد، على أن تتقاسم السلطة بين معسكر حفتر وحكومة الدبيبة، بحيث يرأس المجلس الرئاسي صدام حفتر، ويرأس الحكومة الجديدة عبدالحميد الدبيبة، من دون أي حديث عن انتخابات، أو دستور، أو جدول زمني.
وعليه، فإن الطرح الأميركي يواجه عدة عقبات أمام تنفيذه، أبرزها: وضوح التحفظ الإقليمي في موقفي مصر وتركيا، واتساع الرفض المحلي من قبل قوى سياسية وشعبية مؤثرة، وتصادم المقترح مع خارطة الطريق الأممية ومبادرة الرئاسات الثلاث، إضافة إلى غياب جدول زمني واضح لمراحل تنفيذ الخطة الأميركية، بما قد يعني استمرار عائلتي الدبيبة وحفتر في السلطة لفترة غير محددة.
ورغم أن الطرح لا يزال في مراحله الأولى، فإنه يثير سؤالا محوريا لدى كثيرين: هل تمثل الخطة الأميركية لتقاسم السلطة في ليبيا حلا مرحليا حقيقيا، أم أنها خطوة نحو تكريس حكم عائلي وشمولي، لتخرج البلاد من إرث حكم القذافي، وتجد نفسها أمام نموذج جديد يقوم على حكم “آل الدبيبة” و”آل حفتر”؟
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير
نشر لأول مرة على: eurasiaar.org
تاريخ النشر: 2026-07-29 13:59:00
الكاتب: علاء فاروق
تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
eurasiaar.org
بتاريخ: 2026-07-29 13:59:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
