روسيا تحول Yak-130M إلى مقاتلة متخصصة في اصطياد المسيّرات.. استراتيجية جديدة لتخفيف العبء عن سو-35 وسو-57

موقع الدفاع العربي – 30 يوليو 2026: في ظل التصاعد المستمر للهجمات التي تنفذها الطائرات المسيّرة الأوكرانية ضد العمق الروسي، تعمل موسكو على إعادة تعريف دور إحدى طائراتها المعروفة، وهي Yak-130M، عبر تحويلها من طائرة تدريب متقدم إلى مقاتلة خفيفة قادرة على اعتراض الطائرات المسيّرة والزوارق المسيرة. ويعكس هذا التوجه تحولاً في التفكير العسكري الروسي، الذي بات يركز على إيجاد وسائل أقل تكلفة وأكثر استدامة للتعامل مع التهديدات الجوية منخفضة الكلفة، بدلاً من الاعتماد المستمر على المقاتلات الثقيلة والمتطورة في مهام لا تتطلب كامل قدراتها.

وخلال زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى مصنع إيركوتسك للطائرات في يوليو 2026، جرى استعراض النسخة المطورة من Yak-130M، حيث أشار المسؤولون الروس إلى أن الطائرة ستكون قادرة على تنفيذ مهام اعتراض الطائرات المسيّرة بعيدة المدى، إضافة إلى التعامل مع الزوارق المسيرة التي أصبحت تشكل تحدياً متزايداً في البحر الأسود. وبذلك لم تعد الطائرة مجرد منصة تدريب، بل مشروعاً جديداً يهدف إلى سد فجوة عملياتية ظهرت بوضوح خلال الحرب في أوكرانيا.

ويؤكد البرنامج الروسي أن Yak-130M ليست مجرد نسخة محدثة من طائرة التدريب الأصلية، وإنما تخضع لعملية تطوير واسعة شملت أكثر من نصف مكوناتها. فقد أجرت أول رحلة تجريبية في 25 يونيو 2026، وشارك في الاختبارات ثلاثة نماذج أولية، على أن تستمر التجارب حتى نهاية عام 2028، قبل اتخاذ قرار بشأن بدء الإنتاج والتسليم للقوات الجوية الروسية.

ويكمن جوهر المشروع في تحويل الطائرة إلى مقاتلة خفيفة متعددة المهام، إذ زُودت برادار حديث من طراز BRLS-130R يعمل بتقنية المسح الإلكتروني النشط (AESA)، إلى جانب منظومة كهروبصرية SOLT-130K القادرة على اكتشاف الأهداف بصرياً وحرارياً، فضلاً عن أنظمة اتصالات حديثة ومنظومة حماية ذاتية وأسلحة موجهة. وتهدف هذه الحزمة إلى منح الطائرة القدرة على اكتشاف وتعقب واعتراض الطائرات المسيّرة بصورة مستقلة، مع إمكانية العمل ضمن شبكة الدفاع الجوي الروسية التي تضم الرادارات الأرضية ومراكز القيادة وأنظمة الحرب الإلكترونية.

بوتين يكشف النقاب عن طائرة ياك-130 إم. لقطة شاشة مأخوذة من فيديو

ورغم أن الرادار الجديد لا يضاهي الرادارات الموجودة على المقاتلات الثقيلة مثل سو-35، فإن فلسفة تشغيل Yak-130M تختلف تماماً. فالطائرة لا يُنتظر منها البحث منفردة عن أهداف على مئات الكيلومترات، وإنما تعتمد على تلقي معلومات أولية من شبكة الدفاع الجوي، ثم تتوجه إلى المنطقة المحددة لتستخدم رادارها ومستشعراتها الكهروبصرية لتحديد الهدف واعتراضه. ويساعد وجود فردين من الطاقم على توزيع المهام، حيث يركز الطيار على قيادة الطائرة، بينما يتولى الضابط الثاني تشغيل الرادار وإدارة أنظمة الاستشعار والاتصالات والأسلحة.

ويأتي هذا المشروع استجابة لتغير طبيعة الحرب الجوية، إذ أصبحت الطائرات المسيّرة بعيدة المدى تشكل تحدياً مستمراً للدفاعات الروسية. فقد استهدفت هذه المسيّرات خلال الفترة الأخيرة منشآت نفطية ومصانع وقواعد جوية ومراكز لوجستية تقع على مسافات بعيدة من خطوط المواجهة، الأمر الذي فرض ضغوطاً كبيرة على منظومة الدفاع الجوي الروسية. كما أن المساحة الشاسعة لروسيا تجعل من المستحيل عملياً حماية جميع المواقع الحساسة بواسطة بطاريات الدفاع الجوي وحدها، ما دفع موسكو إلى البحث عن وسائل أكثر مرونة وسرعة في الانتشار.

وفي هذا السياق، ترى روسيا أن استخدام مقاتلات مثل سو-35 أو سو-57 لاعتراض طائرة مسيّرة بطيئة ومنخفضة السرعة لا يمثل خياراً اقتصادياً مناسباً، لأن تشغيل هذه المقاتلات يستهلك ساعات طيران ثمينة ويزيد من تكاليف الصيانة ويستنزف عمر المحركات، في حين أن طبيعة الهدف لا تستدعي استخدام قدراتها القتالية الكاملة. لذلك تسعى موسكو إلى توزيع الأدوار، بحيث تتولى Yak-130M مهام الدفاع الجوي المحلية واعتراض المسيّرات، بينما تظل المقاتلات الثقيلة مخصصة للمهام الأكثر تعقيداً، مثل فرض التفوق الجوي ومواجهة الطائرات الحديثة والعمليات بعيدة المدى.

وتتمتع Yak-130M بخصائص تجعلها مناسبة نسبياً لهذا الدور، فهي طائرة دون سرعة الصوت وتبلغ سرعتها القصوى نحو 960 كيلومتراً في الساعة، وهو ما يسمح لها بالتحليق بسرعات قريبة من سرعة الطائرات المسيّرة، الأمر الذي يسهل عملية الملاحقة والاشتباك مقارنة بالمقاتلات الأسرع التي تضطر إلى خفض سرعتها بشكل كبير أثناء اعتراض الأهداف البطيئة. كما تستطيع حمل ما يصل إلى 2500 كيلوغرام من الذخائر موزعة على تسع نقاط تعليق، مع مدى طيران يصل إلى أكثر من 1600 كيلومتر ويمكن زيادته باستخدام خزانات وقود إضافية.

ورغم هذه المزايا، يشير البرنامج إلى أن الطائرة لا تزال تعاني من قيود واضحة، فهي ليست طائرة شبحية، كما أنها لا تمتلك سرعة أو قدرة مناورة تماثل المقاتلات الثقيلة، ولا تستطيع اعتراض جميع أنواع الأهداف الجوية، خصوصاً الطائرات الأسرع أو الصواريخ التي تتحرك بسرعات عالية. كما أن مدى رادارها يظل محدوداً مقارنة برادارات الطائرات القتالية المتقدمة، ما يجعلها تعتمد بصورة كبيرة على منظومة القيادة والسيطرة الأرضية لتوجيهها نحو الأهداف.

ويشمل الدور الجديد للطائرة أيضاً مواجهة الزوارق المسيّرة، وهي تهديد برز بقوة في البحر الأسود بعد سلسلة من الهجمات التي استهدفت السفن والمنشآت الساحلية الروسية. وترى موسكو أن الطائرة الخفيفة يمكنها تغطية مساحات بحرية واسعة بسرعة أكبر من الزوارق الدورية، كما يمكنها التدخل فور اكتشاف هدف بواسطة الرادارات الساحلية أو السفن الحربية. ومع ذلك، يقر البرنامج بأن اعتراض الزوارق المسيّرة يمثل تحدياً أكثر تعقيداً من اعتراض الطائرات المسيّرة، بسبب صغر حجمها وانخفاض بصمتها الرادارية وتأثير الأمواج والظروف الجوية على عمليات الرصد.

ياك-130 م

ولا تزال طريقة تسليح Yak-130M لمواجهة هذا النوع من الأهداف غير واضحة بشكل كامل، إذ لم تكشف روسيا حتى الآن عن ذخيرة متخصصة لمهاجمة الزوارق المسيّرة، رغم إعلانها أن الطائرة ستكون قادرة على حمل أسلحة موجهة بالأقمار الصناعية أو بالليزر. كما أن فعالية هذه الأسلحة ضد أهداف بحرية صغيرة وسريعة الحركة لم تُثبت عملياً حتى الآن.

ويؤكد المشروع الروسي أن Yak-130M لن تكون بديلاً عن سو-35 أو سو-57، وإنما تمثل طبقة إضافية ضمن منظومة دفاع جوي متعددة المستويات، تضم بطاريات الدفاع الجوي بعيدة وقصيرة المدى، وأنظمة الحرب الإلكترونية، والطائرات المأهولة، والمسيّرات الاعتراضية. وتهدف هذه المقاربة إلى توزيع المهام وتقليل تكلفة اعتراض الأهداف منخفضة القيمة، مع الحفاظ على جاهزية المقاتلات المتقدمة للعمليات الأكثر تعقيداً.

وفي الوقت نفسه، يحمل البرنامج بعداً تصديرياً واضحاً، إذ تراهن شركة ياكوفليف على أن العديد من الدول قد تكون مهتمة بطائرة تستطيع الجمع بين التدريب المتقدم والقدرات القتالية الخفيفة، خصوصاً في ظل الانتشار الواسع للطائرات المسيّرة حول العالم. وتوفر الحرب في أوكرانيا فرصة لإبراز هذا المفهوم، باعتبار أن العديد من القوات الجوية باتت بحاجة إلى منصات أقل تكلفة لاعتراض الطائرات المسيّرة وحماية المنشآت الحيوية، دون الاضطرار إلى تشغيل مقاتلات باهظة الثمن في كل مهمة.

ومع ذلك، لا يزال نجاح المشروع مرتبطاً بنتائج الاختبارات الجارية، إذ إن الطائرة لم تثبت بعد قدرتها على تنفيذ سلسلة كاملة من عمليات الكشف والتعقب والاعتراض في ظروف قتالية حقيقية. كما أن العديد من تفاصيل تسليحها وقدراتها التشغيلية لا تزال قيد التطوير، ما يعني أن Yak-130M تمثل حالياً مشروعاً واعداً أكثر من كونها حلاً جاهزاً دخل الخدمة الفعلية.


■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: www.defense-arabic.com

تاريخ النشر: 2026-07-31 00:03:00

الكاتب: نور الدين

تنويه من موقع “beiruttime-lb.com”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.defense-arabic.com بتاريخ: 2026-07-31 00:03:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “beiruttime-lb.com”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

Exit mobile version