لماذا يجب على مصر مراقبة مآلات معاهدة الصداقة الأبدية بين أذربيجان وأوزبكستان؟

لماذا يجب على مصر مراقبة مآلات معاهدة الصداقة الأبدية بين أذربيجان وأوزبكستان؟

مثلت معاهدة الصداقة الأبدية بين أذربيجان وأوزبكستان، الموقعة خلال زيارة الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف للعاصمة الأوزبكية طشقند في الثالث والعشرين والرابع والعشرين من أغسطس (آب) الجاري، تطورا نوعيا في مسار العلاقات الثنائية بين الدولتين، حيث جاءت بعد سنوات من الانتقال التدريجي من التعاون السياسي والاقتصادي إلى بناء علاقة ذات أبعاد تحالفية وأمنية ومؤسسية أكثر اتساعا. وتأتي المعاهدة بعد توقيع البلدين معاهدة العلاقات التحالفية في عام 2024، بما يجعل وثيقة 2026 أقرب إلى توثيق شراكة استراتيجية شاملة منها إلى إطلاق علاقة جديدة من نقطة الصفر.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من الموقع الجغرافي للدولتين؛ فأذربيجان تمثل عقدة اتصال بين جنوب القوقاز وبحر قزوين وتركيا وأوروبا، بينما تشغل أوزبكستان موقعا مركزيا في آسيا الوسطى، وتسعى بصورة متزايدة إلى تنويع منافذها التجارية واللوجستية وتقليل الاعتماد على مسار واحد للوصول إلى الأسواق الدولية. ومن ثم، فإن التقارب بينهما يملك مقومات التحول من علاقة ثنائية إلى شبكة اتصال أوراسية تتقاطع فيها المصالح الأمنية والدفاعية والاقتصادية واللوجستية والتكنولوجية.

وفي هذا السياق، تنطلق الورقة من فرضية رئيسية مفادها أن القيمة الاستراتيجية للمعاهدة بالنسبة إلى مصر لا تكمن في مضمونها الثنائي المباشر، وإنما في تحولها إلى إحدى لبنات منظومة أوراسية جديدة تقوم على الترابط الاستراتيجي بدلا من التحالفات المغلقة. فكلما تطورت العلاقة الأذربيجانية الأوزبكية في اتجاه بناء شبكات للممرات والطاقة والدفاع والتكنولوجيا، ازدادت احتمالات انعكاسها بصورة غير مباشرة على المصالح المصرية في قناة السويس، وأمن البحر الأحمر، وسلاسل الإمداد، والطاقة، والصناعات الدفاعية، ومكافحة الإرهاب، والاتصال المصري بآسيا الوسطى.

لذا، فإن التحدي أمام القاهرة لا يرتبط بالسؤال: إلى أي مدى يشكل محور باكو–طشقند تهديدا لمصر؟ وإنما بكيفية تحويل مصر إعادة تشكل الجغرافيا الاستراتيجية الأوراسية إلى فرصة لتعزيز أمنها الاقتصادي واللوجستي والتكنولوجي والدفاعي.

دلالات تعميق الشراكة بين أذربيجان وأوزبكستان من المنظور المصري

التحول من التعاون الثنائي إلى محور للاتصال الأوراسي

تستمد الشراكة الجديدة أهميتها من التكامل الجغرافي بين الدولتين؛ فأوزبكستان تمثل قلب آسيا الوسطى، لكنها تواجه تحديا هيكليا يتمثل في موقعها الجغرافي المغلق، أما أذربيجان فتملك منفذا على بحر قزوين، وتشغل موقعا محوريا على الممرات التي تصل آسيا الوسطى بالقوقاز وتركيا وأوروبا. ومن ثم، فإن المصلحة الأوزبكية في العلاقة تتمثل في الحصول على منافذ وطرق وصول أكثر تنوعا إلى الأسواق العالمية، بينما تتمثل المصلحة الأذربيجانية في تعزيز موقعها كعقدة ربط بين آسيا الوسطى والأسواق الأوروبية. وهذا التكامل هو الذي يجعل العلاقة قابلة للتحول إلى محور اتصال استراتيجي مؤثر في الأمن الإقليمي.

من التعاون العسكري إلى بناء القابلية التشغيلية

من أهم المحددات التي يجب التوقف أمامها أن التعاون الأذري الأوزبكي يركز على المجال العسكري والتخطيط الدفاعي والتعاون العسكري التقني، وتكمن أهمية هذا المسار في انتقال التعاون من المستوى الرمزي إلى مستوى بناء القدرات. فالتدريب المشترك، وتبادل الخبرات، والتخطيط الدفاعي، والتعاون العسكري التقني، وتطوير القدرات الجوية والدفاعية، كلها عناصر ترفع مستوى التوافق العملياتي بين القوات المسلحة.

وتزداد أهمية هذا التطور إذا وضع داخل شبكة التعاون الأوسع التي تشارك فيها تركيا ودول آسيا الوسطى، حيث تصبح التدريبات متعددة الأطراف للقوات الخاصة إحدى أدوات تعزيز قابلية التشغيل البيني بين القوات المشاركة، وهو ما يجعل التعاون العسكري الأذري الأوزبكي جزءا من بيئة أمنية أوسع، وليس علاقة ثنائية مغلقة.

الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية كأداة لبناء الاستقلال الاستراتيجي

تتمثل إحدى أكثر الزوايا أهمية في أن التعاون بين أذربيجان وأوزبكستان ينتقل من شراء المعدات العسكرية إلى بناء قدرات إنتاجية وتكنولوجية مشتركة. وهذا الاتجاه مهم لأنه يرتبط بمفهوم أوسع، وهو الاستقلال الاستراتيجي الدفاعي، أي تقليل الاعتماد على مورد خارجي واحد، وتطوير القدرات المحلية في التصنيع العسكري والإلكترونيات والاتصالات والمسيّرات والأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية.

وتتجسد أهمية هذا التحول بالنسبة إلى مصر في أن القاهرة تمتلك قاعدة صناعية ودفاعية قوية، وبالتالي يمكن أن تكون هناك فرص للتعاون في مجالات نوعية، بدلا من حصر العلاقة في شراء الأسلحة.

التحول إلى الأمن الجوي والحرب غير المتماثلة

يحمل التعاون بين باكو وطشقند في مجالات الطيران والدفاع الجوي أهمية خاصة في ضوء التحولات التي شهدتها طبيعة الحرب الحديثة. فالصراعات المعاصرة أظهرت أن القوة الجوية التقليدية لم تعد تعمل بمعزل عن الطائرات دون طيار، وأنظمة الاستطلاع، والحرب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة القيادة والسيطرة، وتحليل البيانات، والدفاع الجوي متعدد الطبقات.

لذا، فإن التعاون الدفاعي بين باكو وطشقند يمكن أن يصبح تدريجيا منصة لتبادل الخبرات في الحرب متعددة المجالات، ما يجعل أهمية هذا التطور من المنظور المصري لا تنبع من وجود منافسة عسكرية مباشرة، وإنما من ضرورة متابعة التطور النوعي في بيئة الأمن الإقليمي.

تطور التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي

ربما يمثل الذكاء الاصطناعي العنصر الذي سيحدد مستقبل التعاون الدفاعي الأذري الأوزبكي أكثر من الأسلحة التقليدية؛ فالتحول الحالي في البيئة العسكرية العالمية يتجه من منصات السلاح إلى منظومات القرار، وامتلاك القدرة على اكتشاف الهدف، وتحليل البيانات، والتنبؤ بالتهديد، ودمج المعلومات.

وتشير توجهات أوزبكستان الدفاعية إلى اهتمام متزايد بإدخال الذكاء الاصطناعي والأنظمة المؤتمتة في المجال العسكري، بينما تعمل أذربيجان مع تركيا في مجالات تشمل الأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وهذا يفتح المجال أمام نشوء فضاء تكنولوجي دفاعي متداخل يتجاوز الحدود الثنائية، وهو ما يستوجب من مصر التعامل مع الملف باعتباره جزءا من أمن التكنولوجيا الوطنية.

تحول الممرات التجارية إلى أصول استراتيجية

يمثل الممر الأوسط المتغير الأكثر أهمية لفهم العلاقة بين باكو وطشقند؛ فالممر الأوسط شبكة تجمع السكك الحديدية والنقل البحري والموانئ والجمارك والاتصالات والطاقة والبيانات، وقد اكتسب أهمية متزايدة باعتباره أحد مسارات تنويع طرق التجارة الأوراسية، خاصة مع رغبة عدد من الدول في تقليل الاعتماد على مسار واحد. وإذا نجحت أذربيجان وأوزبكستان في زيادة اندماجهما داخل هذه الشبكة، ستصبح حماية الممرات جزءا من الأمن القومي للدول المشاركة فيها.

ومن منظور المصالح المصرية، غالبا ما يقدم الممر الأوسط باعتباره أحد البدائل لقناة السويس، لكن الممرات البرية والبحرية لا تعمل دائما بمنطق الإحلال الكامل، بل يمكن أن تعمل ضمن شبكات متعددة الوسائط. وبالتالي، فإن صعود الممر الأوسط يمكن أن يكون فرصة لمصر إذا نجحت القاهرة في بناء اتصال لوجستي بين آسيا الوسطى وبحر قزوين، لتصبح قناة السويس العقدة البحرية التي تربط شبكات القوقاز وآسيا الوسطى بالأسواق الإفريقية والآسيوية.

تحول التعاون الاقتصادي إلى شراكة مستدامة

تستهدف أذربيجان وأوزبكستان توسيع التجارة والاستثمار والتعاون الصناعي والطاقة والتكنولوجيا، مع طرح هدف لرفع التجارة الثنائية إلى مليار دولار بحلول عام 2030، خاصة في ظل بلوغ حجم التجارة الثنائية 795 مليون دولار عام 2025، أي أكثر من ثلاثة أمثال مستواه في العام السابق.

غير أن الأهمية الحقيقية لهذا الهدف ليست في الأرقام ذاتها، وإنما في نوعية القطاعات التي يجري ربطها. فإذا ارتبطت التجارة بالنقل والطاقة والتكنولوجيا والتصنيع، فإن العلاقة تتحول إلى شبكة مصالح يصعب فصلها، وهذا هو جوهر التشابك الاقتصادي الاستراتيجي، ما يتيح لمصر فرصا للتحرك في ثلاثة اتجاهات: الاستثمار، والربط اللوجستي، والتصنيع المشترك.

وتتقاطع هذه الاتجاهات مع مسار مصري–أوزبكي آخذ في التوسع؛ فقد أقر البلدان في عام 2026 برنامج تعاون للفترة 2026–2028، بالتوازي مع بحث تطوير العلاقات الاقتصادية والنقل واللوجستيات والاستثمار مع أذربيجان.

العامل الإقليمي والدولي في معادلة التقارب الأوزبكي الأذري

تمثل تركيا المتغير الإقليمي الأكثر تأثيرا في مسار التقارب الأذري الأوزبكي؛ فأنقرة ترتبط بشراكة تاريخية عميقة مع باكو، ووقعت في العام الجاري معاهدة للشراكة الاستراتيجية الشاملة مع طشقند، بما يشمل الدفاع والصناعات العسكرية ومكافحة الإرهاب والنقل والطاقة. ومن ثم، فإن استمرار انتقال التعاون من الاقتصاد والنقل إلى الدفاع والتكنولوجيا قد يحول باكو–طشقند إلى حلقة داخل شبكة نفوذ تركية أوراسية أوسع.

في المقابل، تشكل إيران متغير المنافسة الجغرافية واللوجستية؛ فقد تتبنى طهران سياسة مزدوجة تقوم على الحفاظ على قنوات التعاون مع باكو، بالتوازي مع محاولة منع تحول الممر الأوسط إلى بنية إقليمية تقلص أهميتها الجغرافية، خاصة في أعقاب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

وتجسد إسرائيل متغير التكنولوجيا والأمن الدفاعي أكثر من كونها طرفا مباشرا في صياغة التقارب الأذربيجاني الأوزبكي، حيث تبرز أهميتها إذا اتجه التعاون إلى مجالات متقدمة مثل المسيّرات، والذكاء الاصطناعي، والاستشعار، والأمن السيبراني، والحرب الإلكترونية. وهي مجالات يمكن أن تؤثر في طبيعة القدرات العسكرية للدولتين، وتسفر عن انتقال التكنولوجيا الإسرائيلية إلى منظومة دفاعية أوراسية أوسع، لا سيما في ظل التعاون الوثيق بين إسرائيل وأذربيجان في الصناعات الدفاعية؛ ما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة التكنولوجيا الأمنية في القوقاز وآسيا الوسطى.

فيما تمثل الولايات المتحدة متغيرا جيواقتصاديا وأمنيا متصاعد الأهمية في معادلة التقارب الأذري الأوزبكي، خاصة مع تركيز واشنطن في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على ربط آسيا الوسطى بالأسواق الغربية عبر الممر الأوسط وتقليل الاعتماد على المسارات الروسية والإيرانية.

وتزداد أهمية ذلك مع الدور الأمريكي في مشروع ترمب للسلام والازدهار الدولي، الذي يربط أذربيجان بنخجوان عبر الأراضي الأرمينية، بما يفتح إمكانية اتصال أوسع بين القوقاز وتركيا وآسيا الوسطى، إلى جانب الاهتمام الأمريكي بالاستثمار في البنية التحتية والطاقة والمعادن الاستراتيجية.

يأتي هذا في مواجهة روسيا والصين باعتبارهما عاملي التوازن الاستراتيجي والاختبار الحقيقي لمدى استقلال باكو وطشقند؛ فلا تزال موسكو تحتفظ بعلاقات سياسية واقتصادية وأمنية مهمة مع أذربيجان، كما أن الصين جزء أساسي من البيئة الجيوسياسية لآسيا الوسطى. لذا، لا يمكن الجزم بأن التقارب الأذري الأوزبكي يعد خروجا من المدارين الروسي والصيني.

مؤشرات الإنذار المبكر للشراكة الأذرية الأوزبكية

تتطلب منظومة الإنذار المبكر المصرية الانتقال من رصد الاتفاقيات بين باكو وطشقند إلى متابعة مؤشرات تحول التعاون السياسي إلى شراكة استراتيجية متكاملة. فالمعاهدة الموقعة في أغسطس (آب) الجاري جاءت بعد معاهدة العلاقات التحالفية لعام 2024، بينما شهد عاما 2025 و2026 توقيع خطة للتعاون العسكري، وتعاونا في المجال الجوي، بالتوازي مع توسع التعاون في الممر الأوسط والنقل عبر بحر قزوين. ومن ثم، يمكن بناء منظومة المؤشرات المصرية على النحو الآتي:

التحول من الشراكة السياسية إلى الترتيب الأمني المؤسسي

بموجب المعاهدة الموقعة بين طشقند وباكو، تلتزم الدولتان بعدم المشاركة في تحالفات معادية لسيادة الطرف الآخر، كما تحظران استخدام أراضي أي منهما من جانب دول ثالثة ضد أي من الدولتين الموقعتين. ويكتسب هذا المؤشر أهمية خاصة إذا تجاوزت العلاقة صيغة التعاون إلى التنسيق المسبق للمواقف والقرارات الأمنية، من خلال إنشاء آليات أمنية أو دفاعية دائمة بين البلدين، مثل لجان أمن قومي مشتركة، ومراكز تنسيق، وآليات تشاور دفاعي منتظمة، أو ترتيبات للمساعدة المتبادلة في مواجهة التهديدات.

ويعني ظهور هذه الآليات أن العلاقة بدأت تتحول من شراكة ثنائية إلى نواة لبنية أمنية أكثر انتظاما، وهو ما يستدعي إعادة تقييم أثرها على التوازنات في جنوب القوقاز وآسيا الوسطى، خاصة في ظل العلاقة الوثيقة لأذربيجان مع تركيا وإسرائيل.

القابلية التشغيلية العسكرية

يجب مراقبة الانتقال من المناورات الرمزية إلى التشغيل البيني للقوات، خاصة التدريبات المشتركة المتكررة، وتبادل الضباط، وتوحيد بعض إجراءات القيادة والسيطرة، والتدريب على عمليات القوات الخاصة والدفاع الجوي والاستطلاع. فوجود خطة تعاون عسكري ثنائية لعام 2026، وزيارات متخصصة بين القوات الجوية، يمثل بالفعل مؤشرا على انتقال التعاون إلى مستوى أكثر عملية.

غير أن مؤشر الإنذار المرتفع سيكون ظهور تدريبات دورية متعددة المجالات، أو تشكيل وحدات أو مراكز تدريب مشتركة؛ لأن ذلك يعني أن التعاون بدأ ينتج قدرة عسكرية مشتركة، وليس مجرد علاقات عسكرية تقليدية بين البلدين.

التعاون العسكري التكنولوجي

ينبغي مراقبة أي اتفاقات للإنتاج أو التطوير المشترك في المسيّرات، والذكاء الاصطناعي العسكري، والحرب الإلكترونية، والاستطلاع، والدفاع الجوي، والاتصالات الآمنة، والأنظمة غير المأهولة. فهذه المجالات أكثر دلالة من صفقات شراء السلاح التقليدية على احتمال تشكل قاعدة دفاعية مشتركة.

ويمثل انتقال باكو وطشقند إلى الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا، بالنسبة إلى مصر، مؤشرا جوهريا على السعي لبناء قدرات مستقلة قابلة للتوسع والتصدير، ويؤشر إلى تغير نوعي في ميزان التكنولوجيا العسكرية في المنطقة.

دخول تركيا إلى البنية الأمنية الثنائية

تمثل تركيا أحد أهم مؤشرات الإنذار المبكر، ليس لأن التعاون التركي الأذربيجاني جديد، وإنما لأن أنقرة رفعت علاقاتها مع أوزبكستان إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة في مارس (آذار) 2026. لذلك، ينبغي مراقبة أي انتقال من التعاون التركي المنفصل مع كل دولة إلى ربط المسارين التركي–الأذربيجاني والتركي–الأوزبكي في ترتيبات ثلاثية، خاصة في الدفاع والصناعات العسكرية والمسيّرات والتدريب والأمن السيبراني.

وسيكون ظهور تدريبات أو مشروعات دفاعية ثلاثية مؤشرا قويا على تحول التعاون إلى شبكة أمنية عابرة للقوقاز وآسيا الوسطى.

عسكرة الممر الأوسط

في ظل تطور نشاط الممر الأوسط، تعمل أذربيجان وأوزبكستان على زيادة الربط اللوجستي والرقمي، لكن مؤشر الخطر الحقيقي سيكون انتقال حماية الممر من المستوى التجاري إلى المستوى الأمني والعسكري، مثل إنشاء ترتيبات لحماية الموانئ والمنشآت والسكك الحديدية، أو تسيير دوريات بحرية، أو إنشاء آليات استخباراتية لحماية خطوط النقل. وإذا حدث ذلك، سيتحول الممر الأوسط إلى أصل استراتيجي أمني.

تحول بحر قزوين إلى مجال أمني لوجستي متكامل

يستوجب الأمر مراقبة تطور التعاون البحري بين البلدين، لا سيما في حال إنشاء أسطول أو مشروعات بحرية مشتركة وخدمات لوجستية في بحر قزوين. وتشير التطورات الحالية إلى تشكيل مشروع مشترك بين شركات النقل الأوزبكية والأذربيجانية لتعزيز النقل البحري واللوجستي عبر قزوين، ما قد يحول بحر قزوين إلى حلقة أمنية في سلسلة تمتد من آسيا الوسطى إلى القوقاز وتركيا.

الرقمنة والأمن السيبراني للممرات

من المهم ألا تركز القاهرة على السكك الحديدية والموانئ فقط، فتطبيق أنظمة مثل E-TIR، أو النقل البري الدولي الإلكتروني، والربط الرقمي للإجراءات الجمركية يمثل بداية انتقال الممر إلى بنية رقمية متكاملة.

وتشمل مؤشرات الإنذار إنشاء منصات بيانات مشتركة، وأنظمة جمركية موحدة، ومراكز بيانات للممر، أو اتفاقات للأمن السيبراني، وهو ملف ذو صلة مباشرة بأمن قناة السويس والبنية التحتية المصرية.

انتقال الشراكة إلى الطاقة والمعادن الاستراتيجية

يمثل انتقال التعاون بين باكو وطشقند من النقل والتجارة إلى الطاقة والتعدين والمعادن الحرجة مؤشرا على محاولة بناء استقلال استراتيجي طويل المدى. وقد ارتبطت التطورات الأخيرة بين البلدين بمشروعات في الطاقة والتعدين، إلى جانب التجارة والنقل.

ويصبح المؤشر أكثر أهمية إذا ارتبطت هذه المشروعات بممرات نقل محددة أو باستثمارات صينية وتركية وأوروبية وخليجية؛ لأن ذلك يعني أن باكو وطشقند تعملان على بناء سلسلة قيمة أوراسية متكاملة.

تشكل شبكة استخباراتية وأمن معلوماتي في آسيا الوسطى

ينبغي مراقبة الاتفاقيات المتعلقة بتبادل المعلومات الاستخباراتية، وأمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، والجريمة المنظمة، ومواجهة التهديدات السيبرانية. ويعد انتقال التعاون من تبادل المعلومات إلى إنشاء آليات مشتركة لتحليل المعلومات والإنذار المبكر مؤشرا مرتفع الدلالة.

وتبرز أهمية هذا التطور بالنسبة إلى مصر، خاصة في ملفات الإرهاب العابر للحدود، والتطرف الإلكتروني، وحركة المقاتلين الأجانب، والجريمة المنظمة العابرة للأقاليم، لا سيما أن آسيا الوسطى مرتبطة بشكل وثيق بالبيئة الأمنية المضطربة في سوريا وأفغانستان وإيران.

استشراف تأثير التحالف بين أذربيجان وأوزبكستان على المصالح المصرية

يرجح على المدى المنظور أن يظل تأثير التعاون الأذري الأوزبكي على مصر غير مباشر، لكنه سيكون مهما من زاوية الأمن الاقتصادي واللوجستي؛ فتنامي التنسيق بين باكو وطشقند يمثل مؤشرا على ترسيخ الممر الأوسط كشبكة اتصال بين آسيا الوسطى والقوقاز وتركيا وأوروبا.

ولا يمثل هذا في حد ذاته تهديدا مباشرا لقناة السويس، إلا أنه يفرض على القاهرة مراقبة تحول أنماط التجارة وسلاسل الإمداد، مع أهمية استثمار العلاقات المصرية مع الدولتين في بناء روابط لوجستية وتجارية مباشرة. وفي هذا الإطار، تبدو الفرصة الأهم أمام مصر هي الانتقال من النظر إلى الممر الأوسط باعتباره منافسا لقناة السويس إلى التعامل معه باعتباره مسارا يمكن ربطه بالمنظومة البحرية المصرية، بما يعزز دور الموانئ والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس في تجارة أوراسيا.

وعلى المدى المتوسط، سيكون المجال الأمني والدفاعي والتكنولوجي أكثر أهمية، إذا انتقل التعاون من التدريب والتنسيق العسكري إلى تطوير قدرات مشتركة في المسيّرات، والدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني. وقد يؤدي ذلك إلى تنامي أهمية العامل التركي، باعتباره الحلقة التي يمكن أن تربط التعاون الأذري الأوزبكي بشبكة أوسع من التعاون الدفاعي والتكنولوجي في آسيا الوسطى والقوقاز.

وبالنسبة إلى مصر، لا يعني ذلك نشوء تهديد عسكري مباشر، وإنما تغير البيئة التكنولوجية والأمنية المحيطة بها؛ الأمر الذي يتيح للقاهرة تطوير تعاون انتقائي مع باكو وطشقند في مكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، وحماية البنية التحتية الحيوية، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا الدفاعية، مع تجنب الانخراط في أي تحالف جيوسياسي مغلق.

وقد ينتقل التأثير إلى مستوى إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية والاستراتيجية إذا نجح محور باكو–طشقند في التحول إلى عقدة مستقرة داخل شبكة أوراسية أوسع تضم تركيا وآسيا الوسطى وأوروبا، مع استمرار المنافسة مع المسارات الروسية والإيرانية.

وسيكون العامل الحاسم هو مدى تحول الممرات إلى بنية متكاملة تشمل النقل والطاقة والاتصالات والبيانات والاستثمارات، وما إذا كانت ستترافق مع ترتيبات أمنية لحمايتها. ومن منظور مصر، يمكن أن يؤدي ذلك إلى زيادة المنافسة على بعض التدفقات التجارية، لكنه في المقابل يفتح مجالا لإعادة تموضع قناة السويس باعتبارها العقدة البحرية الجنوبية للشبكات الأوراسية، وربطها بالموانئ والخدمات اللوجستية والأسواق الإفريقية والعربية.

أما على المدى البعيد، فإن التأثير الأكثر عمقا سيكون في التوازنات الجيوسياسية، لا سيما مع احتمال تفاعل الشراكة مع استراتيجيات تركيا وروسيا وإيران وإسرائيل. فتعزيز الممر الأوسط قد يقلل نسبيا من الاعتماد على بعض المسارات الروسية والإيرانية، بينما يمكن للتكنولوجيا التركية والإسرائيلية أن تزيد من القيمة الأمنية للشراكة، وهو ما قد يدفع موسكو وطهران إلى تطوير مسارات وأدوات مضادة.

لذلك، فإن المصلحة المصرية تقتضي الحفاظ على المرونة الاستراتيجية، وعدم التعامل مع محور باكو–طشقند باعتباره محورا معاديا لأي طرف، وإنما التعامل مع باكو وطشقند باعتبارهما بوابتين إلى فضاء أوراسي متغير، وبناء انخراط شبكي متعدد المجالات؛ اقتصادي ولوجستي مع الممرات، ودفاعي وتكنولوجي في المجالات الانتقائية، وأمني في مكافحة التهديدات العابرة للحدود، بما يحول صعود محور باكو–طشقند من عامل منافسة محتمل إلى فرصة لتعزيز الموقع المصري بين أوراسيا والبحر المتوسط والبحر الأحمر وإفريقيا.

الخاتمة

تكشف معاهدة الصداقة الأبدية بين أذربيجان وأوزبكستان عن اتجاه أوسع في النظام الدولي المعاصر، يتمثل في انتقال القوة من التحالفات الصلبة إلى الشبكات المرنة، ومن السيطرة على الأراضي إلى السيطرة على الممرات وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا والبنية التحتية. لذا، لا يمثل محور باكو–طشقند في صورته الحالية حلفا موجها ضد طرف ثالث، بل يعكس رغبة البلدين في زيادة الاستقلال الاستراتيجي من خلال تنويع الشراكات وتعظيم قيمة الموقع الجغرافي.

بيد أن القيمة الحقيقية لهذا التحول تكمن في اتصاله بشبكات جيوسياسية أوسع، وشبكات الطاقة والاتصالات والتكنولوجيا. وتدفع هذه التطورات نحو إعادة تعريف جنوب القوقاز وآسيا الوسطى باعتبارهما جزءا من مسرح استراتيجي واحد، ما يفرض معادلة جديدة تتطلب من القاهرة الانتقال من سياسة متابعة التحولات الأوراسية إلى سياسة تشكيل موضع مصر داخلها.

ويتطلب ذلك بناء اتصال مؤسسي مع أذربيجان وأوزبكستان، وتطوير التعاون الدفاعي والتكنولوجي، والاستفادة من العلاقات مع تركيا للانخراط بشكل أعمق في آسيا الوسطى، وربط قناة السويس بشبكات الممر الأوسط، مع الحفاظ على توازن العلاقات المصرية مع القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في تلك المنطقة.

ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير

المصدر الأصلي:

eurasiaar.org

تاريخ النشر لدى المصدر:
2026-08-28 14:16:00

كاتب المصدر:
غدي قنديل

نُقل هذا المحتوى آلياً من المصدر المشار إليه أعلاه، وتبقى حقوق المحتوى والمعلومات
للمصدر الأصلي. قد يخضع النص لمعالجة أو ترجمة آلية قبل النشر.

Exit mobile version