🚨 تابع الأخبار العاجلة من بتوقيت بيروت على واتساب
الدفاع والامن

الفيزياء في الحلول العسكريّة.. هل ينقذ الليزر ميزانيات الدفاع الجوي من نزيف المسيّرات؟

bbcorp
الفيزياء في الحلول العسكريّة.. هل ينقذ الليزر ميزانيات الدفاع الجوي من نزيف المسيّرات؟

الدفاع العربي الخاص

الفيزياء في الحلول العسكريّة.. هل ينقذ الليزر ميزانيات الدفاع الجوي من نزيف المسيّرات؟

تواجه القوات الجوية والدفاعية حول العالم معضلة اقتصادية متصاعدة: كيف تُوقف مسيّرة لا تتجاوز كلفتها بضعة آلاف من الدولارات دون إنفاق مبلغ يفوق قيمتها بمئات المرات؟ دفعت هذه المعادلة المختلة، التي كشفتها موجات هجمات المسيّرات في أوكرانيا والبحر الأحمر، جيوشاً عديدة نحو تقنية بدأت كخيال علمي وتحوّلت اليوم إلى واقع ميداني مُختبر، نتكلّم عن الليزر عالي الطاقة (High-Energy Laser).

من الانفجار إلى الحرارة: كيف يعمل الاعتراض الليزري؟

يعتمد الاعتراض الليزري على مبدأ مختلف جذرياً عن الصاروخ التقليدي. فبدلاً من إطلاق رأس حربي متفجر نحو الهدف، تمرّ عملية الاشتباك الليزري بسلسلة مراحل متتابعة تبدأ بالكشف وتنتهي بالتدمير.

تكتشف رادارات المراقبة وأجهزة الاستشعار الكهروضوئية المسيّرة المُعادية أولاً، لتُحدّد سرعتها واتجاهها وارتفاعها بدقة. بعدها، يتولّى “موجّه الحزمة” (Beam Director)، وهو تلسكوب دوّار مزوّد بمرايا متحركة، تثبيت خط تصويب دقيق على الهدف عبر شعاع تعقّب منفصل يلاحق حركة المسيّرة لحظة بلحظة، حتى في ظل مناورتها أو اهتزاز المنصة الحاملة للمنظومة نفسها، سواء أكانت سفينة أو مركبة أو منصة أرضية ثابتة.

تعتمد أغلب المنظومات الحديثة على تقنية “الليزر الليفي” (Fiber Laser)، حيث تُولَّد عدة حزم ليزرية فردية منخفضة القدرة نسبياً داخل وحدات منفصلة، ثم تُدمَج جميعها هندسياً عبر التلسكوب المشترك نفسه في نقطة تركيز واحدة على جسم الهدف، لتُنتج حزمة إجمالية قد تتجاوز 100 كيلوواط. وبمجرد تثبيت الحزمة على “نقطة الضعف” المُختارة في هيكل المسيّرة، غالباً محرّكها أو بطاريتها أو تجويف جسمها، يبدأ ما يُعرف بـ”وقت التلامس” (Dwell Time)، وهي فترة تتراوح بين ثوانٍ معدودة وبضع ثوانٍ، تتركّز خلالها الطاقة الحرارية على البقعة ذاتها دون انقطاع حتى تنصهر المادة أو تحترق الدارات الإلكترونية الداخلية، ما يُسقط الهدف أو يُعطّله كلياً.

تقوم بنية المنظومة الليزرية على 4 أنظمة فرعية متكاملة: نظام توليد الطاقة الذي يُحوّل الكهرباء القادمة من مولّدات المنصة أو بطاريات ليثيوم إلى الجهد اللازم لتشغيل الليزر، ونظام التبريد الذي يُصرّف الحرارة الفائضة الناتجة عن كون كفاءة تحويل الطاقة الكهربائية إلى ضوء لا تتجاوز غالباً 50 بالمئة، ونظام توجيه الحزمة وتعقّبها المسؤول عن الدقة البصرية، وأخيراً مصدر الليزر نفسه. ولأن “الذخيرة” هنا كهرباء وليست صاروخاً مخزَّناً، توصف هذه المنظومات بأنها ذات “مخزون لا ينفد”، طالما توفّرت الطاقة والتبريد اللازمان لتشغيلها، وهو ما يُفسّر سبب اعتبار السلسلة التشغيلية الكاملة (الكشف، التتبّع، الاشتباك) عاملاً حاسماً في تقييم أي منظومة ليزرية، لا قوة الليزر بمعزل عن باقي المكوّنات.

الفيزياء في الحلول العسكريّة.. هل ينقذ الليزر ميزانيات الدفاع الجوي من نزيف المسيّرات؟

ألمانيا تنتقل من التجربة إلى الإنتاج

قدّمت ألمانيا أحد أوضح الأمثلة على نضج هذه التقنية بعيداً عن حدود الاختبار المخبري. فقد وقّع المكتب الاتحادي الألماني لتجهيزات الجيش (BAAINBw)، في التاسع من يوليو/ تموز 2026، عقداً بقيمة 462 مليون يورو (نحو 540 مليون دولار) مع تحالف يضم شركتَي “راينميتال” (Rheinmetall) و”إم بي دي إيه ألمانيا” (MBDA Deutschland)، لتطوير وإنتاج منظومة ليزرية بحرية عالية الطاقة كاملة لصالح البحرية الألمانية، على أن تدخل الخدمة الفعلية بحلول عام 2029.

يستند هذا العقد إلى سنوات من التجارب البحرية الناجحة عبر منظومة تجريبية رُكِّبت على متن الفرقاطة “زاكسن” (Sachsen)، أطلقت خلالها أكثر من 1000 طلقة ضد أهداف جوية وبحرية وبرية على مدى أكثر من 28 ألف ميل بحري في بحر الشمال والبحر البلطيقي والبحر المتوسط، شملت اختباراً في ظروف جوية معاكسة. وتعمل المنظومة التجريبية الحالية بقوة 20 كيلوواطاً فقط، بينما تستهدف الجيلات المقبلة تجاوز عتبة 100 كيلوواط لمواجهة تهديدات أسرع وأكثر تعقيداً.

الوفر الحقيقي أم السراب الرقمي؟

غير أن هذه الأرقام المبهرة تحمل تحفظاً جوهرياً غالباً ما يُغفَل عند الترويج للتقنية. فرغم أن كلفة “الطلقة” الواحدة تنخفض إلى مستويات هامشية لا تتجاوز كلفة الكهرباء المُستهلكة، تبلغ كلفة المنظومة الكاملة الواحدة مئات ملايين اليورو، وهو رقم يتعلّق بمنظومة واحدة فقط قيد التطوير حالياً. وبما أن التغطية الدفاعية الشاملة تتطلّب تجهيز أسطول بأكمله، فإن الوفر الاقتصادي الحقيقي لا يكمن في الكلفة الإجمالية للاستثمار، بل في الكلفة الهامشية لكل عملية اعتراض على المدى الطويل، وهو فارق حاسم عند تقييم جدوى البرنامج مقارنة بمخزون الصواريخ التقليدي.

سباق عالمي: من بريطانيا إلى القواعد الأمريكية

لا تقتصر هذه الرهانات على ألمانيا. فقد منحت وزارة الدفاع البريطانية عقداً بقيمة 316 مليون جنيه إسترليني لشركة “إم بي دي إيه” (MBDA UK)، بالشراكة مع “ليوناردو” (Leonardo UK) و”كوينيتيك” (QinetiQ)، لدمج منظومة “دراغون فاير” (DragonFire) على متن مدمّرات “تايب 45” (Type 45) اعتباراً من عام 2027، بعدما نجحت المنظومة في تجارب أكتوبر/ تشرين الأول 2025 في إسقاط مسيّرات تفوق سرعتها 650 كيلومتراً في الساعة.

وفي الولايات المتحدة، أطلق الجيش الأمريكي برنامج “إي-هيل” (E-HEL) لتطوير منصات ليزرية دائمة مضادة للمسيّرات، فيما كشفت شركة “إيرو إنفايرونمنت” (AeroVironment) في مارس/ آذار 2026 عن الجيل الثالث من مجموعتها الليزرية “لوكاست إكس3” (LOCUST X3)، بقدرة تتراوح بين 20 و35 كيلوواطاً. وفي مايو/ أيار 2026، اختارت وزارة الحرب الأمريكية خمس قواعد عسكرية لاختبار أسلحة الليزر والموجات الميكروية عالية القدرة ضمن برنامج تجريبي يهدف إلى تقليل الاعتماد على الصواريخ الاعتراضية التقليدية، كما تُجري البحرية الأمريكية اختبارات مماثلة عبر منظومتَي “هيليوس” (HELIOS) و”أودين” (ODIN) على متن حاملات الطائرات والمدمّرات.

حدود الفيزياء: الطقس والحرارة ووقت التلامس

تفرض قوانين الفيزياء قيوداً لا يستطيع أي استثمار تجاوزها بسهولة. فتتراجع فعالية الحزمة الليزرية بشكل حاد في الطقس الماطر أو الضبابي أو المُغبَّر، نتيجة تشتّت الطاقة الحرارية عبر الغلاف الجوي في ظاهرة تُعرف بـ”التزهير الحراري” (Thermal Blooming). كذلك تُلزم طبيعة التقنية المنظومة بالاشتباك مع هدف واحد في كل مرة، ما يحدّ من قدرتها على التصدي لهجوم سرب كامل من المسيّرات في آنٍ واحد. يُضاف إلى ذلك، احتياجات ضخمة من التوليد الكهربائي وأنظمة التبريد، وقصر مدى الرؤية المباشرة (Line of Sight)، وهي عوامل تجعل من الليزر أداة مُكمّلة لا بديلاً شاملاً عن الدفاعات الصاروخية والمدفعية القائمة.

الفيزياء في الحلول العسكريّة.. هل ينقذ الليزر ميزانيات الدفاع الجوي من نزيف المسيّرات؟

الليزر كطبقة مكمّلة، لا حلاً نهائياً

يتّفق المسؤولون العسكريون والخبراء التقنيون على أن الليزر لن يُلغي الحاجة إلى الصواريخ الاعتراضية والمنظومات الحركية، بل سيتولى ابتلاع النسبة الأكبر من التهديدات الرخيصة والمتكررة، ما يُتيح توفير الصواريخ الباهظة للتهديدات الأكثر تعقيداً كالصواريخ الباليستية وصواريخ كروز. ومع تسارع وتيرة الاستثمار الألماني والبريطاني والأمريكي، وانضمام دول أخرى كتركيا وكوريا الجنوبية إلى هذا السباق، تشير المؤشرات الحالية إلى أن العقد الجاري سيشهد انتقال الليزر من تقنية استعراضية إلى طبقة دفاعية أساسية في معظم جيوش العالم، شرط تجاوز قيود الطقس والطاقة التي لا تزال تحدّ من انتشاره الكامل حتى اليوم. يبقى السؤال معلّقاً أمام صانعي القرار العسكري في المنطقة والعالم: هل ستنجح جيوش اليوم في حسم هذا السباق التقني قبل أن تتفوّق المسيّرات الرخيصة على قدرة الدفاعات الليزرية بأعدادها الهائلة، أم ستتحوّل الكلفة الهامشية المنخفضة إلى ميزة حاسمة تقلب المعادلة لصالح المدافع؟

(function(d, s, id){ var js, fjs = d.getElementsByTagName(s)(0); if (d.getElementById(id)) return; js = d.createElement(s); js.id = id; js.src = “//connect.facebook.net/ar/sdk.js#xfbml=1&version=v2.9”; fjs.parentNode.insertBefore(js, fjs); }(document, ‘script’, ‘facebook-jssdk’));

المصدر الأصلي: defensearabia.com

كاتب المصدر: Lama Farouk

المصدر الأصلي: defensearabia.com

beiruttime-lb.com — الفيزياء في الحلول العسكريّة.. هل ينقذ الليزر ميزانيات الدفاع الجوي من نزيف المسيّرات؟

مقالات ذات صلة

تابع الأخبار العاجلة من بتوقيت بيروت على واتساب